Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile








عيون المقالات

سَبَّ سُبَابًا.. وكِلابًا

16/07/2017 - نجم الدين سمان

كلام في الصميم

16/07/2017 - توفيق الحلاق

إلى حضن أي وطن؟

14/07/2017 - ميشيل كيلو

السوريّ اليوم

12/07/2017 - حازم صاغية

ترامب في سورية

10/07/2017 - سلامة كيلة

موقف عربي من الأسد والإرهاب

10/07/2017 - خالد الدخيل

قراءة في بيان حصار قطر

07/07/2017 - محمد هنيد


إلى أرواح الشهداء



تأتيني من جديد رائحة الربيع وأنا في ملجأي الألزاسي في فرنسا. أعرف جيداً +هذه الرائحة المسكرة. إنها ليست رائحة البلاد الغريبة التي استضافتني كلاجئ منذ سنة ونصف؛ من يعايش طقس هذه البلاد، ومن يراقب مناخها السياسي الرئاسي على الخصوص، يعرف أن لا شيء هنا يبشر بربيع قادم لسوء الحظ. ولكنها رائحة ربيع بلادي، ربيع سوريا، الرائحة التي تأتيني عبر مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر، وست سنوات من الزمن... -


  ولكن، هل بقي في سوريا ربيع؟ سينتصب هذا السؤال فوراً مثل خنجر حاد. - ربما لا. سيأتي الجواب سريعاً مثلما ينغرس الخنجر في القلب... بات الكثيرون يقولون اليوم -البعض بحسرة، والبعض بندم، والباقون ربما بحقد وتشفٍ- أنه لم يكن هناك ربيع أصلاً في سوريا، وأن بلاداً مثل بلادنا ليس مقدّراً لها أن تعرف إلا الشتاء الميت القاسي للديكتاتوريات أو الصيف الجهنمي المجنون للتطرف الإسلامي. قبل ست سنوات، وفي مثل هذه الأيام، كتبت على صفحتي على الفيسبوك: "إنه آذار، فهل سيأتي الربيع هنا أيضاً؟". كان ذلك بعد ثورة تونس، 17 كانون الأول 2010، وثورة مصر 25 كانون الثاني، وثورة اليمن 11 شباط 2011، وثورة ليبيا 17 شباط 2011. كان ذلك زمن الثورات العربية الذي سمي بالربيع العربي. زمن خرافي قضى في بضعة أيام على أنظمة راسخة على صدور شعوبها كأنها قدر لعين لا يمكن تغييره. ما كتبته آنذاك كان تعبيراً عن الأمل في قدوم الربيع الثوري إلى سوريا أيضاً. وكان ذلك بالتلميح طبعاً، لم يكن في وسع أحد وقتها أن يتجرأ على الإفصاح أكثر من ذلك. لم يكن لدي أي أصدقاء في فضاء الفيسبوك الأزرق، ولم يكن هناك أحد يقرأ ما أكتب ليضع إعجاباً أو تعليقاً على المنشور، طبعاً ما عدا عنصر الأمن الذي كانت وظيفته أن يراقب كل نفس يصدره السوريون من أجل يكبته. كان ذلك حالنا جميعاً نحن السوريين؛ كنا مثل ذرات وحيدة بائسة، تهيم تائهة في سديم الرعب الذي صنعته دولة المخابرات. الشيء الوحيد الذي كان يربط بين هذه الذرات المعزولة هو الخوف من عنصر الأمن ذاك. ذلك الكائن كلي الجبروت الذي كان يقبع في أقبية التعذيب كما في أرواحنا على السواء لكي يراقب ويعرف ويحاسب على كل شيء.
ثم جاء ربيع سوريا، وقد كان ربيعاً حقاً. هذا ما أريد أن أشهد عليه هنا...
لا تحاول هذه السطور أن تقدم عرضاً تاريخياً أو سياسياً لما جرى خلال السنوات الست منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011. ليس هذا المكان، ولست أنا الشخص المؤهل للقيام بذلك. جلّ ما تريده كلماتي أن تقدم شهادة وجدانية بسيطة، من رجل عاش سنوات حياته الخمسين كلها في سوريا، بأن ما حدث في تلك الأيام لم يكن ربيعاً كاذباً، لم يكن وهماً ولا ضلالاً، بل كان الربيع الحقيقي الوحيد الذي عرفته تلك البلاد في كل تاريخها الحديث.
في الواقع، مثل هذه الشهادات ضرورية لكي نستطيع أن نتصور بوضوح الكارثة المهولة التي حاقت بسوريا وبالسوريين؛ لا تكفي صور المدن المدمرة والأبنية المسواة بالأرض على رؤوس أصحابها، ولا صور الأجساد الممزقة، ولا صور عشرات آلاف الجثث للسجناء المقتولين تحت التعذيب الوحشي، ولا صور الأطفال الغرقى خلال موجة الهروب الكبير في مراكب الموت إلى أوروبا، ولا صور ملايين الفقراء المكدسين في مخيمات اللجوء البائسة داخل سوريا وخارجها... هذه الصور التي تملأ شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد والأنترنت -على فظاعتها- ليست كافية لإعطاء تصور كامل عن فداحة الثمن الذي دفعناه لأنها لا تتحدث إلا عن الجانب المأساوي من القصة؛ جانب العقاب الرهيب الذي تعرض ويتعرض له السوريون، ولكنها لا تقول شيئاً عن سبب هذا العقاب. لماذا حلّت علينا هذه الكارثة؟
إذا كان أصحاب الضمير الذين يقرأون هذه الكلمات لا يستطيعون أن يصدقوا أن هذا الإرهاب الجماعي الفظيع الذي وقع ويقع على السوريين هو حرب على الإرهاب كما تقول دعاية فلاديمير بوتين وبشار الأسد. وإذا كانوا، مع ذلك، لا يستطيعون أيضاً أن يفهموا لماذا جرت الأمور بهذه الطريقة المدمرة، فإنني أريد أن أقول لهم أنه ليس هناك من سبب إلا السوريين قد تجرأوا على صنع الربيع في تلك المنطقة القاحلة من العالم... لقد كان ربيع السوريين في تلك المنطقة الحساسة للغاية جيوستراتيجياً: إما الرقم الجديد، غير المتوقع، الذي هدد استقرار معادلات جيوستراتيجية راسخة لقوى كبيرة مثل إيران وإسرائيل وبعض دول الخليج، وذلك كان ذنباً كبيراً عقوبته الموت. أو أنهم كانوا الرقم الجديد، غير المتوقع، الذي خلق فرصة لخلق معادلات جيوستراتيجية جديدة لقوى أكبر مثل أميركا وروسيا وتركيا والبعض الآخر من دول الخليج، وتلك أيضاً كانت نقمة لعينة تجلب الموت. في كلتا الحالتين، لسوء الحظ، كان السوريون رقماً زائداً يجب التخلص منه سريعاً، أو استعماله لفترة ثم التخلص منه أيضاً... هناك وفرة من الشعوب، والأرض باتت ضيقة للغاية بعد أن أصبحت قرية عالمية صغيرة، ولذلك لا بأس من التخلص من أحد الشعوب بين فترة وأخرى.
على كل الأحوال، ما فعله السوريون في ذلك الربيع كان مفاجأة عظيمة للجميع، حتى بالنسبة لي شخصياً، أنا الذي كنت أنتظره طوال عمري. ما حدث كان معجزة بشرية كبيرة لم أكن لأصدق حدوثها لولا أنني عشتها بنفسي وكنت شاهداً على مختلف مراحلها.
بصراحة، لم أكن أعرف أولئك الشباب والكهول الذين ملأوا الساحات بهتافاتهم وأغانيهم ورقصاتهم رغم أنني كنت دائماً أعيش بينهم. هم أنفسهم ما كانوا يعرفون بعضهم بعضاً، ذلك أن أحداً في سوريا لم يكن يعرف الآخر. كان الجميع أقارب وجيران وأصدقاء وزملاء ومعارف، ولكن الجميع كانوا أيضاً مخبرين محتملين للمخابرات، يجب الحذر منهم وعدم الوثوق بهم مهما كانوا مقربين. فكيف تعرّف السوريون إذن على بعضهم بعضاً بتلك السرعة، وكيف تجرأوا على كشف ما في صدورهم العزلاء، إن لرفاقهم في ساحات المظاهرات، أو لبنادق رجال الأمن وسكاكين الشبيحة التي اخترقتها دون رحمة؟ وتلك الروح المدنية التي عمل نظام البعث، بلا هوادة، طوال خمسين سنة على إماتتها بالخوف، وتعليبها بالنفاق، وتلويثها بالوشاية، كيف بعثت فجأة إلى الحياة بكل تلك العفوية والنقاء؟ الطلاب الذين كانوا يردّدون مرغمين، في صباح اليوم فقط، شعار العبودية لآل الأسد في مدارسهم، كيف استطاعوا أن يخرجوا في مساء اليوم نفسه لينشدوا للحرية ويلعنوا روح الطاغية الأب، مؤسس نظام العبودية؟ الفقراء الذين لم تكن سوريا كريمة أو رحيمة بهم أبداً، كيف امتلأت قلوبهم فجأة بكل هذا الحب الصوفي لوطن لم يقدم لهم أي شيء أبداً؟ أنا نفسي، الذي لم أكن أحب سوريا أبداً قبل ذلك الربيع، ولم أكن أشعر بأي انتماء إليها، من كنت أخجل من الانتماء لشعب مستعبد مسخّر للعمل في مزرعة آل الأسد، ولتقديس أصحاب المزرعة، ما الذي غيّرني وصهرني مع ملايين السوريين بين يوم وليلة؟
الجواب على ذلك بسيط بقدر ما هو مدهش: لقد أصابتنا فجأة لوثة الأمل، الأمل بأن حياة أخرى غير حياتنا البائسة ممكنة، وأنه يمكننا أن نصنعها بأنفسنا. لقد قرّرنا، بين يوم وليلة، نحن الناس العاديين، الطلاب، العمال، اللحامين، الدهانين، الخياطين، المحامين، الصيادلة، أطباء الأسنان، بائعي الدخان المهرب، المثقفين، الفنانين، بائعي المازوت، العاطلين عن العمل وأصحاب السوابق، بأنه حان الوقت لكي نمتلك بلدنا؛ أن نتوقف عن كوننا رعية مدجنة خائفة، وأن نصبح مواطنين أحرار. الأمل!... يا لتلك الغبطة السامية، يا لتلك الخطيئة الأصلية التي ارتكبناها بشغف ودفعنا ثمنها كل شيء!
أتخيل أن القارئ الفرنسي سيتعرف بسهولة على هذه الروح؛ إنها نفسها روح أجداده، روح الثورة الفرنسية نفسها: روح الجمهورية والديمقراطية. ولكن أن تكون لديك روح القرن التاسع عشر وأنت تعيش في القرن الواحد والعشرين، ماذا تكون الدونكيشوتية غير ذلك! أن نمتلك بلدنا... يا لوقاحة الشعوب، كيف تجرأنا حتى على التفكير في ذلك! لم نكن في ذلك الوقت نعرف أن مبدأ حق تقرير المصير للشعوب بات ينتمي إلى ماض بعيد، كانت الأرض فيه واسعة ولم تتحول بعد إلى قرية عالمية صغيرة، كل قطعة فيها، مهما كانت صغيرة أو نائية، عظيمة الأهمية لمالكي القرية الكبار بحيث لا يمكن أن يتركوا أمرها لسكانها يقررون مصيرها بحرية كما يشاؤون. من يعتقد أن هذه مبالغة عاطفية لا مبرر لها، فلينظر كيف تحتشد أربعة جيوش لأربع دول كبرى داخل وحول مدينة منبج، تلك المدينة الصغيرة التي لا يعرف حتى سكان سوريا أين تقع على الخريطة. ومن يريد أن يتأكد أكثر، فليتذكر كيف أشرفت الأمم المتحدة ومبعوثها الدولي، ستيفان ديميستورا، على تهجير حلب الشرقية، وقبلها مضايا، من أهلها.
قبل ست سنوات، كنا معزولين عن العالم، ولم نكن نعرف شيئاً عنه... نعم، أعترف الآن بأننا كنا ساذجين بقدر ما كنا أبرياء وجميلين. كنا نعتقد وقتها بأن ربيع الديمقراطية قد حل أخيراً على سوريا بعدما تأخر كثيراً لأنه كان محتوماً أن يحل على كل العالم. كنا نؤمن بأن تلك كانت حركة التاريخ الضرورية، وأنه قد جاء دورنا لندخل فيها. كنا متأكدين أن ديكتاتوراً تافهاً مثل بشار الأسد يجب أن يكون خارج التاريخ ويجب أن يرمى في مزبلته إلى جانب زميله معمر القذافي. حركة التاريخ. الآن، وبعد ست سنوات من التجربة المريرة، بتنا نرى الآن بوضوح أكبر هذه الحركة: يكفي أن نتأمل في الصعود الواثق لقادة من أمثال فلاديمير بوتين ودونالد ترامب ورجب طيب إردوغان وماري لوبين وفرانسوا فيون في مقابل ارتباك وانسحاب أمثال باراك أوباما وديفيد كاميرون وفرانسوا أولاند وأنجيلا ميركل. ما يحدث في عالم اليوم يوحي على العكس بأن أمثالنا هم الذين يسيرون خارج حركة التاريخ. الآن، لم أعد متأكداً إلى أين تمضي حركة التاريخ، وأغلب ظني أنها لا تمضي إلى مكان محدد. ولكن في ذلك الوقت كان لدينا إيمان راسخ، يشبه إيمان الأطفال، بأنها تمضي دائماً إلى الأمام جالبة معها هدايا الحرية والعدالة والمساواة.
ربما يوحي كلامي بأنني نادم، ولكن الحقيقة غير ذلك. أنا لست نادماً أبداً، أنا فقط حزين على مئات آلاف الشهداء الذي سقطوا خلال هذه السنوات، ومنهم شقيقي "علي" الذي تحلّ الذكرى الثانية لاستشهاده مع الذكرى السادسة للثورة... حزين لأقصى درجة، ولكن لا يمكنني أبداً أن أكون نادماً. وكيف يمكنني أن أندم على أكثر ما عشته في حياتي روعة، مثلما كان أيضاً أروع ما عاشه أخي الشهيد وكل سوري آخر شارك في ذلك الربيع.
لقد كنا أمواتاً فعلاً طوال أكثر من أربعين عاماً، ثم بعثنا إلى الحياة لبضعة أشهر بدءاً من آذار في عام 2011، ثم عدنا للموت بالرصاص أو بالتعذيب أو بالتهجير منذ ذلك التاريخ حتى اليوم. ولكن هذه الرحلة الوجودية المذهلة بين الحياة والموت أتاحت لنا فرصة فريدة لم يحصل عليها غيرنا من البشر لكي نعيش في الفردوس الموعود وننعم بلذاته العجيبة الصافية، ولو لفترة قصيرة، ثم لنشهد عليه، ونحدث الناس عن جماله الذي لا يمكن وصفه. جنة الحرية تلك التي تستحق فعلاً أن نموت كل هذا الموت لأجلها.
بابلو نيرودا، الشاعر تشيلي العظيم، قال مرة: أشهد أنني قد عشت. سأقول أنا مثله، أشهد أنني قد عشت الربيع المدهش للثورة السورية العظيمة.
----------------------
النص العربي لمشاركة الكاتب في ذكرى الثورة السورية

مصطفى الجرف
الجمعة 17 مارس 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | أنباء الهدهد | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | قضايا وآراء | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث