عيون المقالات

سَبَّ سُبَابًا.. وكِلابًا

16/07/2017 - نجم الدين سمان

كلام في الصميم

16/07/2017 - توفيق الحلاق

إلى حضن أي وطن؟

14/07/2017 - ميشيل كيلو

السوريّ اليوم

12/07/2017 - حازم صاغية

ترامب في سورية

10/07/2017 - سلامة كيلة

موقف عربي من الأسد والإرهاب

10/07/2017 - خالد الدخيل

قراءة في بيان حصار قطر

07/07/2017 - محمد هنيد

غليان في القاهرة

04/07/2017 - عمرو خليفة


عوائق نشوء معارضة سياسية في سورية





تعددت الأسباب واختلفت الآراء حول الأسباب التي حالت دون نشوء معارضة سياسية في سورية، فالبعض يرى أن نظام الحكم في سورية يتحمل المسؤولية الأساسية، والبعض الآخر يحمّل المسؤولية للمعارضة السورية نفسها في ظل استمرار تشرذمها وارتهان معظمها للخارج وعجزها عن الخروج برؤية موحدة في مواجهة نظامٍ يعرف ماذا يريد.


 
في هذه العجالة، لن أميل إلى ترجيح وجهة نظرٍ على أخرى، بل سأحاول أن أجيب بطريقة مختلفة بعيدًا عن التحليلات السياسية التي ركزت في معظمها على الموقف السياسي والشخصي من النظام والمعارضة، ولم تعطِ أهمية الآليات القانونية التي ارتكز عليها نظام الحكم، ولولا هذه الآلية لما استمر هذا النظام في حكم سورية حتى الآن، وهي التي منعت ابتداء -وما زالت تمنع- من قيام معارضة سياسية، يمكن أن يُعوّل عليها في قيادة سورية نحو تغيير حقيقي. هذه الآلية بدأت مع استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، حيث استطاع النظام بواسطتها القبضَ على كافة جوانب المجتمع السوري، وتشكيل شبكة محكمة من القوانين قيّدَ بها أي نشاطٍ في المجالات السياسية والنقابية والإعلامية والمدنية وحتى الأهلية، ووضعها جميعًا تحت وصايته الكاملة وهيمنته المباشرة؛ ما أدى في النهاية إلى تعطيل كامل للحياة السياسية وتدمير قوى المجتمع المدني على مدى أكثر من خمسين عامًا، بينما لم يجد المواطن متنفسًا، يلجأ إليه أمام كثرة اللاءات والممنوعات سوى دور العبادة والمعاهد والجمعيات الدينية. ومن هنا يمكن تفسير اطمئنان نظام الأسد باستحالة ظهور أي معارضة له يمكن أن تشكل خطرًا عليه. علمًا أن النظام ما يزال حتى الآن غيرَ مصدق أنّ أحدًا في سورية يمكن أن يقول له: “لا”.
لقد تشعبت وتعددت الوسائل القانونية التي ابتكرها النظام تباعًا للتحكم بالمجتمع، البداية كانت مع فرض حالة الطوارئ لحظة الانقضاض على السلطة صبيحة الثامن من آذار/ مارس عام 1963، حيث منح النظام الجديد نفسَه صلاحيات استثنائية في اتخاذ ما يشاء من إجراءات وقرارات، تتيح له التحكم بكل شاردة وواردة، واستمرت في فرض حالة الطوارئ حتى اضطرت مرغمة إلى رفعها في استجابة ظاهرية لمطالب الشعب في نيسان/ أبريل 2011، إلا أنها سرعان ما التفّت على ذلك بالمرسوم 55 الذي أصدرته تزامنًا مع قرار رفع حالة الطوارئ، وقضى باعتبار جميع أجهزة الأمن من عناصر الضابطة العدلية، ومنحها صلاحيات واسعة في ملاحقة الأشخاص وتوقيفهم على الشبهة مدة ستين يومًا، إلا أن هذه المدة بقيت في واقع الأمن مفتوحة، وهذا ما يفسر استمرار أجهزة الأمن بالتوقيف مدة تفوق ستين يومًا، لتصل إلى سنوات كما هو حاصل اليوم مع عشرات الآلاف من المعتقلين.
ولإحكام سيطرته إحكامًا مطلقًا على المجتمع، تابع النظام إصدار سلسلة من القوانين المقيدة لحركة المجتمع المقيدة أصلًا، فأصدر قانون حماية أهداف الثورة رقم 6 لعام 1964 وقضى بتجريم ومعاقبة كل من يناهض أهداف ما سماه “ثورة 8 أذار” بالقول أو بالكتابة أو بالفعل، بالسجن مدة طويلة. ثم أتبعه بإصدار المرسوم التشريعي رقم 4 لعام 1965 الخاص بعرقلة تنفيذ التشريعات الاشتراكية، لإكمال دائرة سيطرته على الحركة الاقتصادية، وبموجب هذا المرسوم حُوكمَ آلاف الناس بذريعة مقاومة النظام الاشتراكي.
ومن أجل ضمان استمرار سيطرته، منح النظام الحصانةَ لعناصر إدارة المخابرات العامة بالمرسوم 14 لعام 1968 الذي نص في المادة 16 على منح العاملين في إدارة المخابرات العامة حصانةً بعدم الملاحقة القانونية تجاه الجرائم التي يرتكبونها في أثناء تأديتهم عملهم إلا بإذن خاص من مدير إدارة المخابرات. وفي العام 2008 مدّ هذه الحصانة لتشمل عناصر الشرطة وشعبة الأمن السياسي والجمارك، وهو ما كرّس نهائيًا سياسة الإفلات من العقاب، وإحكام قبضة النظام نهائيًا على المجتمع، مانعًا عنه حتى الهواء والماء.
في العام 1973، قرّر النظام إضفاء الشرعية على طريقة حكمه للبلاد فكرّسها ضمن نصوص الدستور الذي أصدره عام 1973 وحصر فيه قيادة الدولة والمجتمع بحزب البعث، كما منح الرئيس فيه سلطاتٍ واسعةٍ توازي صلاحيات إمبراطور، وفي 1979 أصدر القانون رقم 52 الخاص بأمن حزب البعث، ونصّ على عقوبات مشددة تصل إلى حد الإعدام لكل من يتعرض للمنتمين للبعث وممتلكاته، وبعد الأحداث التي شهدتها البلاد في 1980 أصدر القانون رقم 49 الذي يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، حتى ولو لم يقم بأي فعل مخالف للقانون.
وبُعيد اندلاع التظاهرات الصاخبة، أصدر النظام في 21 نيسان/ أبريل 2011 المرسومَ 54 الخاص بتنظيم التظاهر، وأطلق عليه السوريون تهكمًا “قانون منع التظاهر” نظرًا إلى الشروط القاسية التي فرضها القانون على حركة التظاهر، وفي 2 تموز/ يونيو 2012 أصدر المرسوم 20 وهو يقضي بتسريح الموظف في الدولة وحرمانه من المعاش التقاعدي إذا ثبتت إدانته بحكم قضائي بالقيام بأي عمل إرهابي حتى ولو كان معنويًا، وبحجة مكافحة الإرهاب أصدر القانون رقم 19 الخاص بمكافحة الإرهاب، وتراوحت العقوبة فيه بين ثلاث سنوات والمؤبد وصولًا إلى الإعدام، وفي ظل هذا القانون تمت محاكمة عشرات الآلاف من المعتقلين، والحبل ما زال على الجرار.
أما الوضع في القضاء، فهو الآخر لم يفلت من هيمنة النظام، حيث همّش دوره لصالح استحداث لجان ومحاكم استثنائية، أتاحت له التحكم بمحاكمة الناس وإصدار الأحكام كيفما يريد. فأحدث محاكم الميدان العسكرية بالقانون رقم 109 عام 1968 بهدف محاكمة العسكريين الفارين من الخدمة خلال المعارك مع العدو، وقام بتعديله لاحقًا ليشمل محاكمة المدنيين والنساء والأطفال، وخوّل وزير الدفاع تعيين أعضائها من العسكريين، وتعقد جلساتها في مكان سرّي، ولا تستغرق الجلسة فيها أكثر من خمس دقائق، وأحكامها تصدر بصورة مبرمة، ولا تسمح بحضور محامين أمامها. وفي العام نفسه استحدث محكمة أمن الدولة العليا، وأعفاها من التقيد بالأصول القانونية، وحصّن أحكامها من الطعن، وأخضعها  للتصديق من قبل الحاكم العرفي الذي قام بدور الخصم والحكم، وحاكمت آلاف السوريين، وأصدرت أحكامًا بحقهم وصلت إلى السجن المؤبد والإعدام، واستمرت في العمل حتى ألغيت في نيسان/ أبريل 2011 عقب التظاهرات المناهضة للنظام، لتحل محلها محكمة الإرهاب التي أحدثت بالمرسوم 22 عام 2012 وجاءت مكملة لها في مخالفتها لأبسط المبادئ القانونية والدستورية، وتجلى ذلك في طريقة تشكيلها، وتعيين القضاة فيها ومنحها صلاحيات واسعة، منها إعفاؤها من التقيد بالإجراءات والأصول المنصوص عنها في القوانين العادية.
وفي محاولة جديدة للالتفاف على مطالب الشعب، لجأ النظام في 2012 إلى إدخال تعديلات تجميلية على دستور 1973 حيث ألغى بموجبها المادة الثامنة من الدستور على الورق، وعلى أرض الواقع لم يتغير شيء، بدليل استمرار هيمنة حزب البعث، وطغيان عمل الأجهزة الأمنية على كل مفاصل الحياة في المجتمع السوري. ولم يجد النظام حرجًا من تضمين الدستور الجديد مادة خاصة، تسمح للأسد بالترشح لدورتين جديدتين.!
أردتُ من هذه القراءة السريعة للآليات القانونية القائمة في سورية -تحتاج كل واحدة منها إلى دراسة مفصلة- بيانَ أسباب عدم نشوء أي عمل سياسي معارض أو حتى نشاط مدني مستقل داخل سورية، وما ظهر من قوى وأشخاص معارضة كالتي نراها اليوم، لم يُتحْ لها ابتداءً العملُ إلا في ظروف صعبة وقاسية مليئة بالتهديد والملاحقة والاعتقال والسجن على امتداد أكثر من خمسين عامًا، ولا يخفى على أحد أن معظم قيادات المعارضة والكثير من أفرادها قضى مدة طويلة في سجون الأسد، عدا عن معاقبة النظام لأقرباء المعارض حتى الدرجة الرابعة، وهوما يفسر اليوم المأزق الكبير الذي تعيشه قوى المعارضة على اختلاف توجهاتها، وعجزها عن التوحد والخروج برؤية موحدة، طبعًا هذا الكلام لا يبرر، بأي حال، الأخطاءَ القاتلة التي ارتكبتها المعارضة خلال السنوات الماضية.
وحتى لو تنحى الأسد عن السلطة اليوم مع بقاء تلك الآليات القانونية، فسيكون من الصعوبة نشوء حامل سياسي يستطيع قيادة عملية التغيير في البلاد، ولا سيّما بعد انتشار فوضى السلاح وسيطرة حامليه على الشارع وعلى حركة الناس سواء في المناطق التي سيطر عليها تنظيمَي “داعش” و”القاعدة” أو تلك التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة ذات الطابع الإسلامي. أوفي مناطق سيطرة النظام المحكومة أساسًا بقبضة أمنية شديدة، يضاف إليها انتشار العصابات المسلحة.
وما لم ينكفئ السلاح والمسلّحين، وتتغير الآلية القانونية التي وضعها نظام الاستبداد في سورية، وقبل ذلك ما لم يتدخل المجتمع الدولي جديًا لوضع حدّ لنظام الاستبداد في دمشق، سيبقى الأمل ضعيفًا، إن لم يكن معدومًا، في إمكانية ظهور حامل سياسي، ينتشل البلاد من ظلمتها.
----------------
سوريا التي تشبهنا

ميشال شماس
السبت 6 ماي 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | أنباء الهدهد | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | قضايا وآراء | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث