عيون المقالات

سَبَّ سُبَابًا.. وكِلابًا

16/07/2017 - نجم الدين سمان

كلام في الصميم

16/07/2017 - توفيق الحلاق

إلى حضن أي وطن؟

14/07/2017 - ميشيل كيلو

السوريّ اليوم

12/07/2017 - حازم صاغية

ترامب في سورية

10/07/2017 - سلامة كيلة

موقف عربي من الأسد والإرهاب

10/07/2017 - خالد الدخيل

قراءة في بيان حصار قطر

07/07/2017 - محمد هنيد

غليان في القاهرة

04/07/2017 - عمرو خليفة


قبح اليسار مع ثورات الربيع العربي وحنينه للممانعة / عبد الإله بلقزيز نموذجاً





في كتابه ما بعد "الربيع العربي"[1]، بدأ عبد الإله بلقزيز بمقدمة أنكر فيها عدّ أحداث "الربيع العربي" ثورةً، "لأنّ شبابها هدموا بنى اجتماعيّة، وأوصلوا الحياة السياسية العربية إلى أقصى درجات الانحطاط، إذ انتقل العرب من عصر الدولة إلى عصر الإمارات والطوائف والقبائل، وتحوّلت الأحزاب إلى ميليشيات"، هكذا أراد بلقزيز أن يضلّل قراء كتابه، باتهام شباب الثورة العربية بسعيهم لهدم أبنية اجتماعيّة قائمة والدفع نحو انحطاط عصر دولته وأحزابها القاصرة.


 

استهلّ كتابه بأسئلة تتعلق بعملية التغيير المنشود منذ خواتيم عام 2010، ووصف الحماسة للتغيير بعنفها وعنفوانها اللاعقلانيين بالصادمة والمخيّبة والسوداوية، التي أدخلت النّاس في شعور اليأس الممزوج بانكسار لعاملين: نفسي يتعلق بالمزاج الجمعي العربي المحبط  والمنكسر نتيجة الاستبداد والفساد والفقر والتهميش قبل ثورة تونس والافتقاد لوجود معارضات سياسية معوّل عليها؛ وثقافي يفسّر الانعطاف الحادّ من الانتصارية إلى الانكسارية نتيجة الثقافة السياسية القصووية والشعاراتية مع الاستخفاف بالمسألة البرنامجية، إضافة إلى العفوية والتحريضية.

إن بلقزيز يفصل بين تاريخين: تاريخ الدولة التي تقودها أحزاب تقدمية على علّاتها، وتاريخ الخيبة والانحطاط مع ثورة Revolution الشباب العربي اللاعقلانية، متناسيًّا أن دولته وفكره العلمانوي ومعارضات اليسار البائس الذي ينتمي إليه هم من تسبب بأحوال التردي التي أخرجت الأمة من التاريخ، وكادت أن تسقط عن أبنائها سماتهم الآدميّة. لقد بدأ عصر فكره اليساروي منذ خمسينيات القرن الماضي وارثًا دولة قطرية فئوية مأزومة أقامها بالأصل الاستعمار الأوروبي ممكنًا فيها الأقليات الفرعية من سلطة الحكم ضد مصالح أبناء الوطن الذي لم يتوانوا يومًا عن حماية حدوده والدفاع عن هويته الثقافية التي تطبع كل أطياف المجتمع وأهل المنطقة (مسلمين ومسيحيين) بطابعها.

تناول بلقزيز مفهوم التغيير الثوري المتضمن تغييرًا شاملًا للبنى والعلاقات الاجتماعية – الاقتصادية المترافق مع تغيير علاقات السلطة وتركيبها الطبقي، كما ذكر عدم تطابق "ثورات" السنوات الخمس الأخيرة مع "مفهومه" للتغيير الثوري، حيث أنّ هذه الثورات لم تمسّ نظام العلاقات الإنتاجيّة ومواقع السيطرة فيها، وذكر أن أخطر مظاهرها العنف المسلّح الذي يجب ألاّ يُنتهج إلاّ في مواجهة المحتل الأجنبي، أمّا في الداخل فتوسّله آيلٌ بالبلاد إلى الفتنة والحرب الأهلية واستباحة الوطن أمام التدخلات الخارجيّة، ثمّ أعفى الحركات الاحتجاجية الشبابية من مسؤولية اتساع الفجوة بين المطالب وإمكانية تحقيقها نظرًا لخبراتها الضعيفة، حيث يحمّل المسؤولية لقيادات حزبيّة منظّمة انضمت إلى الحراك بعد انطلاق موجاته، عدا الإخوان المسلمين في مصر الذين انساقوا مع شعار الشباب بإسقاط النظام وهم على دراية أنه لن يتحقق، وأوحوا للناس أن الديمقراطية تساوي صناديق الاقتراع.

بذلك يكون بلقزيز قد أخفي دور سلطات نظم الحكم العربية باستخدام العنف والإرهاب حتّى قامت بتدمير أبنية المجتمع والدولة وفتتت وطن وألغت مبدأ المواطنة لمصلحة فئويتها وطائفيتها العفنة، ويكون قد أعفاها من مسؤوليتها باستقدام كل قوى الفساد والشرور على المعمورة لتحافظ على فسادها، وبالتالي يحمّل بلقزيز شباب ثورة الربيع العربي مسؤولية هذا الحجم الرهيب من الدمار متناسيًّا أن الثورة: "تحرك شعبي واسع خارج البنية الدستورية القائمة أو خارج الشرعيّة، هدفه تغيير نظام الحكم القائم في الدولة، وعلى هذا فالثورة حركة تغيير لشرعية سياسية قائمة لا تعترف بها وتستبدلها بشرعية جديدة"[2] فإذا وعت السلطة السابقة حقيقة الثورة فما عليها إلاّ أن تتراجع أمام شعبها، وإلا تكون المسؤولة عن الدمار، والثورة بهذا المعنى قطيعة مع القديم والإتيان بجديد، القديم هو نظام حكم قهري وفاسد ومجرم وطائفي مع فكره وأحزابه، والجديد هو شباب ثورة الربيع العربي الذي يمثّل عنفوانهم الآن شباب سوريا الذين أبوا التوقّف عن مناهضة الظلم والقهر والفقر حتّى يصلوا إلى النهاية الحتميّة والوصول إلى أهداف ثورتهم.

أراد بلقزيز أن يبعد صفات الثورة عن  الربيع العربي لينتصر لعصر دولته وفكره وأحزابه التقدمية ولينكر مسؤوليتها عن هذا الخراب والتدمير، تُرى أيخفى على بلقزيز الانتصار الكامل لكل ثورات التاريخ، أيخفى عليه أن دائرة فعل الثورة لابدّ أن تكتمل إلى أن تخلق واقعًا موضوعيًّا لا رجعة عنه، أيخفى عليه أن طاقة الثورة قوة لا تقاوم وإلاّ لا تكون ثورة، بل تسمى حراكًا أو انتفاضة أو تمردًا أو عصيانًا أو احتجاجات أو اعتصامات أو...إلخ، أيخفى عليه أنّ ما حدث في البلدان العربية منذ أواخر عام 2010 ثورة وفق تعريفات تراث وتجارب ثورات التاريخ الإنساني لمفهوم الثورة؟ لا بتماثلها مع تلك الثورات، بل بمغايرتها، لأنّ لكلّ ثورة حيثياتها وبنيتها الخاصّة بها، ولكلّ ثورة مسار باتجاه مختلف عن مسارات غيرها.

عدّ الكاتب دولتي المغرب وسلطنة عمان ناضجتين، إذ استجابت السلطتان فيهما لمطالب الإصلاحات السياسية بحنكة وحكمة فضمنتا الاستقرار، ثمّ ذكر النتائج السلبية لـ "الربيع" وهي: الجنوح للعمل المسلّح الذي أدى إلى الفتنة والحرب الأهلية والصراع العصبوي الطائفي والمذهبي والقبلي...، والسماح بتدخلات خارجية، والدخول في متاهات إسقاط الدولة والمجتمع وتدمير مقدراتهما، وتغلغل قوى الإرهاب في الداخل العربي، ثم أضاف تجهيل جيل بكامله نتيجة حرمانه من التعليم والتربية، وتوليد الإسلام الحزبي.

كما ذكر إيجابياته بـ: يقظة القوى الشبابية وازدياد فاعليتها، وطرح بعض ممنوعات السياسة في الحياة العامة العربية، وإزاحة أنظمة فاسدة من السلطة، وانهيار حاجز الخوف من الاستبداد، وعودة الناس إلى السياسة، وازدياد الوعي بأهمية الدولة واحترام رموزها كالجيش والقضاء.

شدّد الكاتب على ضرورة استخدام الوسائل السلمية المدنية في عملية أيّ تغيير، وعدم حمل السلاح إلاّ في وجه المحتلّ الأجنبي، والاسترشاد برؤية برنامجيّة سياسيّة مرتكزة على توافقات جامعة، والتنظيم للحركة الاجتماعية لأنّ العفوية رديف الفوضى، والتقليص من دائرة خصوم الحركة الاجتماعية التغييرية والتقليل من جبهات الصراع، ونشر ثقافة سياسية ديمقراطية في المجتمع، وإن توافق القارئ مع معظم توصيفات الكاتب إلا أنّه يختلف معه بالجهات المسؤولة عن الدمار، فهو حاول أن يحمّل الثورة المسؤولية مجانبًا الحقائق الناصعة لكلّ صاحب ضمير حيّ المتعلقة بمسؤولية نظام الحكم السلطوي لا سيما في سوريا.

لم يستطع الكاتب أن يخفي شجاعة الذين سكنوا الساحات صادحين بأصواتهم عبر الميادين مطالبين بالحرية، ثم ذكر الخسائر الكبيرة منها: دول تتفكك، وموت فائض عن الحدّ، فتن وحروب وعصبيات، إرهاب يزحف، وجيوش تُستنزف، وآثار تنهب، مهجّرين وجرحى ومعتقلين... ثمّ حذّر من ثقافة عفوية الشارع التي وصلت إلينا متأخرة بمناسبة انتفاضات "الربيع" ودخلت من طريق قوى التمويل الأجنبي والإعلام المرتبط بها، وأشار إلى أن العفوية والإضراب عن التنظيم وخصام الحزبية السياسية آل إلى فراغ رؤيوي وبرنامجي وإلى العدمية والتلاشي للشباب أمام قوى منظّمة كالإخوان المسلمين، وكالسلطة والجيش والأحزاب والبيروقراطية، فانتصر التنظيم على العفوية وآلت إليه المقاليد.

إن بلقزيز يخفي على الدوام مسؤولية السلطة السياسية ويحاول أن يتهم شباب الثورة بمسؤوليتهم عن الدمار متخفيًّا وراء بعض عبارات المديح لشباب الثورة، ثمّ يصفهم بالعفوية والفوضوية، متناسيًّا أن ما حدث ثورة عارمة فاجأت أصحاب فكرة الفوضى الخلّاقة الأمريكيين قبل أن تفاجئه مع أسياده في الأنظمة الشمولية والأحزاب العلمانوية التي تجترّ فكرًا بائسًا إلى جانب أحزاب إسلامية كالإخوان المسلمين الذين حبّذ بلقزيز تنظيمهم على (فوضى) الشباب.  

قسّم الكاتب تجارب "الربيع العربي" إلى: التي أسقطت النظام سلميًّا وهي تونس ومصر، والتي أسقطت رئيس الجمهورية من دون النظام في اليمن، وفي المغرب وسلطنة عمان والبحرين والأردن ولبنان حافظت على الطابع السلمي المدني بمطالبها، بمقابل انحراف الانتفاضة نحو العسكرة في سوريا وليبيا كماهي في العراق، ويجزم بعدم فعالية العسكرة بمواجهة الأنظمة في مجتمعات هشّة البناء تفتقر إلى الاندماج الاجتماعي، وآية القول: إنّ تسليح الانتفاضة أدّى إلى الموت الجماعي والتهجير القسريّ وخراب الاقتصاد وتمزيق الروابط الاجتماعيّة واستباحة الوطن أمام التدخلات الخارجية.

هنا نجده يخفي كيف كانت ثورة الربيع الممتدة على الأقطار العربية حاملة بذور ثورة على التفكك الذي فرض بعد الحرب العالمية الأولى على المنطقة، ثورة توحّد المجزّأ، ثورة تعيد مجد الإسلام الذي تمكّن من توحيد شعوب المنطقة تحت رايته منذ عهد النبوة الأول بعد أن أن كانت خاضعة لاحتلالات سابقة لمدة ألف سنة قبل الإسلام، كما يخفي كيف كانت هذه الثورة التي لا تزال شعلتها تتأجج في سماء سوريا الردّ التاريخي الحاسم لسياسة الولايات المتحدة التي تبتغي تفتيت المجزأ واستبدال دول سايكس بيكو بدول تقوم على أسس طائفية وإثنية وقبلية، لتبقي على إسرائيل الكيان الأكبر وسط كانتونات صغيرة.

يذكر الكاتب بعد ذلك خطورة إقحام الدين في العمل الاجتماعي الذي يولّد ديناميّة انقساميّة داخل الجماعة على عكس دوره التوحيدي بمواجهة المستعمر الأجنبي، ونبّه لوجود فوارق بين بلد وآخر في مستويات الاندماج الاجتماعي تبعًا لثلاثة عوامل هي عامل المواريث التاريخية، والعامل الكولونيالي الذي رعى استراتيجية التقسيم ومثالها سايكس بيكو، وعامل البناء الوطني الداخلي بظلّ الدولة الوطنية العربية المستقلة، واستنتج أنّ النجاح الذي حققه "الربيع" في مصر وتونس ليس صدفة، بل لتمتع هذين البلدين بقدر من الاندماج الاجتماعي، ولخلوهما من أسباب الانقسام طائفيًّا أو عشائريًّا، على عكس لبنان والعراق والسودان وسوريا وليبيا.

بذلك يكون بلقزيز قد أخفى بروز فعاليات الثورة المضادة التي دعمت من الخارج، واستطاعت إعادة معالم النظام القديم من جديد في بعض بلاد الربيع العربي، وخافيًّا الحجم الكبير للاعتقالات والتهجير والقتل والإقصاء لشباب الثورة، وساكتًا عن فساد أنظمة الاستبداد والإفقار التي يتحسّر لهدم أبنيتها، كما أنه يحصر مخاطر الأيديولوجيا بالدين من دون أن يذكر أيديولوجيا فكره الماركسي أو القوموي الذي تحوّل إلى دوغما من الأفكار الدينية والطائفية في أحزاب يمارس أعضاءها أمراضهم المجتمعية داخل أحزابهم المنغلقة على نفسها.

بعد ذلك ذكر أنّه لم يتحقق تطابقٌ بين الدولة والأمة في الوطن العربي سوى في القرنين الأول والثاني الهجريين، ثم تعدّدت فيه الدول والممالك، فظاهرة التفكك والتجزئة عريقة، وفكرة الأمة ظلّت أكبر من فكرة الدولة في الوعي العربي إلى أن اكتسبت معنى قوميًّا حديثًا في القرن العشرين، كما ترافق مع اندحار السلطنة العثمانية ازدياد النفوذ الغربي في البلدان العربية عن طريق الادعاء بحماية الأقليّات، ثم تقاسمت فرنسا وبريطانيا مناطق الاحتلال بإجراء جراحة كولونيالية تقسيمية استهدفت الأمة العربية زارعةً ألغامًا موقوتة يفجّرونها بحسب مصالحهم، وصمموا جامعة الدول العربية تحت سقف السياسات الكولونيالية، ثمّ أقاموا دولة إسرائيل.

ثم عرض لسياسة إعادة ترتيب المنطقة على مقتضى مصالح أمريكا وحليفاتها منذ سبعينيات القرن الماضي، فتغيّت بتفكيك الدولة القطرية وتقسيم الشعب الواحد إلى جماعات أهلية منفصلة، أما في مصر فالنسيج الوطني والاجتماعي متماسك فامتنع التقسيم على الرغم من ديمومة حلم الدوائر الإمبريالية والصهيونية بإسقاطها مع دورها المركزي المصطدم بوطنية مصرية عالية.

ثمّ انتقل لقراءة مشروع هندسة أمريكية  لمنطقة الشرق الأوسط ورسم خرائط كيانات جديدة مع انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي مرّ بخمس محطات وهي: حرب عاصفة الصحراء على العراق عام 1991، ومؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وأوسلو ووادي عربة في عام 1993، وعقد مؤتمرات دورية للتنمية لتوليد تعاونٍ مع إسرائيل، وغزو العراق 2003، ثمّ الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، ثم كان "الربيع" المناسبة المثاليّة للذهاب بسياسة الفوضى الخلّاقة إلى ذروة يصبح معها الانحدار مآلًا وحيدًا للكيانات العربية، وقد توسلت أمريكا توليد ولاءات جديدة بديلًا عن الولاء للدولة مفردة الكيان الصهيوني لتحقيق استراتيجيتها، إضافة إلى الأدوات العربية المحلية المناهضة للأنظمة الوطنية، ثمّ تدخلت عسكريًّا، ونجحت في تقسيم السودان وتمزيق لبنان وتدمير الدولة في العراق وتمزيق سوريا.

ثمّ عدّد الكاتب التدخلات والغارات العسكرية الأمريكية  طيلة نصف قرن، وأكّد بلقزيز أنّه منذ بداية العقد الثاني من هذا القرن بدأت الولايات المتحدة بخيار التفجير الداخلي للأوضاع العربية، وذلك لسببين: أولهما، أنها أقلّ كلفة من حروبها المباشرة في الأموال والأرواح، وثانيهما، إلهاء الشعوب عن مواجهة قواتها المحتلة، ثمّ كانت الانتفاضات التي بدأت بمطالب إصلاحيّة وتحوّلت إلى حركات مسلحة وميليشيات مستوردة، واستنزفت الأنظمة ومزقت النسيج الاجتماعي الداخلي بعد تدمير الدولة ومؤسساتها وأحيت التكوينات العصبوية التقليدية، وأورد سوريا مثالًا دون أن يشير إلى تحوّل السلطة السورية إلى فصيل طائفي يقاتل فصائل طائفية أخرى، نتيجة سوء معالجتها لفعاليات حراك الثورة السورية السلمية في السنة الأولى من عمرها. ثمّ يؤكّد أن أهم أهداف أمريكا هو كسر جيش الدولة، وليس صدفة أن خمسة جيوش عربية تعرّضت للتدمير (العراق، ليبيا) أو الاستنزاف (الجزائر، سوريا، ومصر)، مع سكوته عن إرهاب السلطات الشمولية العربية واستبدادها والدور الداخلي الأساس في تفسير مجريات أحداث ثورة الربيع العربي.

يضيف أن مشروع التفكيك الأمريكي يجدد السايكسبيكويه التي مزقت أواصر الوطن العربي وانشأت دولًا على أساس الجغرافيا السياسية، واليوم يتطلع الأمريكان لتجزئة المجزّأ على أساس الجغرافيا الأنثروبولوجية وإنشاء كيانات سياسية أصغر. ثمّ يستنهض الكاتب موارد المقاومة لإسقاط المشروع الأمريكي، ويذكُر المقاومتين اللبنانية والفلسطينية كطليعتين في مواجهة المشروع الكولونيالي التفكيكي، ومن جديد يخفي دور حزب الله وإيران في جرّ المنطقة لصراعات طائفية توافقًا مع توجهات السياسة الأمريكية والإسرائيلية.

يحيل الكاتب مطالبة المتظاهرين بالخبز والكرامة والحرية لمحض الصدفة، وقد ترجموا توقهم الجماعيّ لكسر الحيف والتهميش والفاقة أملًا ببناء نظام اجتماعيّ جديد، وينذر بتكرار الانفجارات الاجتماعية إذا لم يتمّ تدارك عواملها الاجتماعيّة بالتصحيح لتضمن حياة سياسية طبيعيّة. كما ذكر استغلال عبارة (الإسلام دين ودولة) وادّعاء النخب الحاكمة أن شرعيتها مستمدة من الدين، فردّت عليها الجماعات الإسلامية بنفس أسلحتها وعدّتها مجافية لأحكام الشريعة؛ ثم وضّح كيف أنّها فهمت الإسلام من خلال السلاح معلنة الجهاد على السلطة الكافرة؛ فأدخلت المجتمع برمّته في نفق الموت الجماعيّ، وشاركهم علمانيون انتهازيون قصد تغيير النظام بالقوة، وهنا من جديد يجد القارئ بلقزيز يدعو النظام القديم للتصحيح وتدارك الأخطار بتقديم سياسات تلجم الثورة وتوقف فعلها، متجاهلًا أنها استحقاق تاريخي، وأن التاريخ لا أحد يستطيع لوي عنقه، بل إنّ حركته صاعدة وانتصار الثورة في تغيير الواقع يعيشه الناس منذ ست سنوات لا ينتظرون قرارًا من فكر بلقزيز وأحزابه وسلطاته التقدمية ليقرر عملية التغيير الحاصلة في كلّ لحظة.

عدّ الكاتب أن النظام الإقليمي العربي يعيش أزمة بنيوية عميقة، وكشف"الربيع" عن أسوأ مخبوءاتها، مذكّرًا بخطورة العنف الذي يعبّر عن أزمة السلطة وأزمة المعارضة التي إذا غُيّبت عن الفعل السياسي تتخلّق معارضة متشددة ومسلّحة، كما تناول أهم أسباب أزمة المعارضات العربية ومنها: فقدانها للمشروع السياسي، وفقرها إلى ثقافة سياسية، والفقر الحاد إلى القيم الديمقراطية، وعلاقتها الموسمية بالجماهير، والتكوين العصبوي لها، واستغلال الدين في السياسة، ثمّ يعرض للطبقة الوسطى حاضنة السياسة التي تزداد مساحتها طردًا مع تعاظم أدوار الطبقة والعكس صحيح، ويذكر أنّ أزمة الاجتماع السياسي العربي ناجمة من إخفاق بناء الدولة الوطنية الحديثة، وحدّد أبرز علاماتها السياسية: انصرام المدّ القومي 1967،  واجتياح اسرائيل للبنان 1982، وصعود التيار الإسلامي بدءًا من الثورة الإيرانية عام 1979، موجات الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، وانهيار الشيوعية، فالعدوان على العراق عام 1991، ومؤتمر مدريد 1991.

إن العرض التاريخي الذي لخصه بلقزيز في كتابه لا يخلو من صحة، ولكنّه يخفي حقائق تحرف استنتاجاته عن درب الصواب، فهو ذكر هزيمة 5 حزيران 1967 ولكنّه أخفى صعود نظام حكم حافظ الأسد في سوريا والسادات في مصر، اللذين خاضا حرب تشرين 1973 فرسخت حكمهما وفقًا لإرادة الولايات المتحدة، ثمّ تبعها فك ارتباط وصلح مصر مع إسرائيل، وانتشار حقبة النفط وقيم الاستهلاك، ولم يذكر التدخل السوري في لبنان ضد الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، ثم اغتيال قيادات وطنية كمحمد الفاضل وكمال جنبلاط، ثم الدور الأخطر لنظام الأسد في عزل مصر عن محيطها العربي، والوقوف إلى جانب التشيع الخميني الإيراني ضد إرادة العراق السياسية، وقهر انتفاضة الشعب السوري عام  1979- 1982 واغتيال مدينة حماه، ثم مباركة اجتياح إسرائيل للبنان وتدمير المقاومة الوطنية اللبنانية لمصلحة تنظيمات شيعية مدعومة من إيران الخميني، وإخراج الفلسطينيين إلى تونس، ثم وقوف الأسد إلى جانب التحالف الدولي وإسهامه في الحرب على العراق عام 1991، عدا عن قهر شعب سوريا وإفقاره وتعميم الفساد والجهل.

ثم أخفى الكاتب دور حكم الوريث الابن بشار الذي ضيق دائرة الفاعلين بالحكم اقتصاديا وسياسيا على مستوى عائلته، وورّط شباب سوريا بتجنيدهم في تنظيمات تكفيرية بذريعة الحرب في العراق، كما قام بسلسلة اغتيالات بالشراكة مع حزب حسن نصر الله صنيعة نظام الملالي الإيراني في لبنان، وأمعن في الفساد والقمع والطائفية، واستمر بضمان استقرار أمن إسرائيل؛ كلّ هذا أخفاه بلقزيز حتى يعفي النظام الذي يرعاه ويرعى أمثاله من القومويين من مسؤولية الدمار، حتى جاء زمن الثورة العربية التي شارك فيها شعب سوريا العظيم التي قطعت مع كل تيارات الفكر السياسي العربي السابق، وبدأت تبني معالم فكر سياسي جديد يستلهم مؤسسوه بطولات شباب أبوا على أنفسهم الرجوع قبل إسقاط تلك السلطة التي استحالت إلى جثّة تحتاج إلى من يدفنها تحت الثرى. 

إنّ بلقزيز يمرّر فكرة المقاومة الإسلامية (نصرالله والحشد الشيعي وإيران) والجيش السوري الطائفي كمقاومة بطريقة لا تخلو من خبث ووقاحة، متناسيًّا قتلهم شعب سوريا في كل لحظة غير عابئ باستخدام البراميل والصواريخ والطيران والأسلحة الكيماوية والمحرمة دوليًّا، ذكر المجرمين بصفتهم الممانعة والمقاومة، وأنهم الحلّ المتبقي للأمة، فهل يوجد تضليل أكثر من تضليل ذاك القوموي العلمانوي البائس؟ وهل يتوقّع بلقزيز أن يقبل الشعب السوري الجريح والمعتقل والشهيد والمهجّر أفكاره التي بثّ فيها كل هذه السموم المسيسة التي أوصلت الأمة إلى الدرك الأخير من الانحطاط والعدمية؟

تحدث الكاتب عن المعارضات اليسارية الفاقدة لهيمنتها على المنظمات الشعبية والنقابية نتيجة انشقاقاتها التي أفقدتها وحدتها التنظيمية، فتهالكت مع موسم الانتفاضات العربية وكانت الأضعف أمام الأنظمة السياسية المقاومة للتغيير المدني باستماتة، والقوى الشبابية المدنية التي أطلقت الحراك، والقوى الإسلامية التي ركبت أمواجه، والجماعات المسلّحة الإرهابية، فالتحقت بتلك القوة أو تلك، ويقدّم عرضًا لتطور المعارضات العربية منذ بداية القرن العشرين، وذكر الخيبات ابتداء من مصر 1971 مع تزايد تسلّط الأنظمة التقدمية وقمعها للحقوق والحريات، التي أدّت إلى نزعة ليبرالية فاحشة، ثم ذكر التماهي مع الديمقراطية الليبرالية والتخلّي عن خيار الثورة... إلى أن بدأت الحركات الشبابية المدنية في احتجاجاتها مطالبة بالإصلاحات وصولًا إلى إسقاط النظام، ثمّ انخرطت المعارضات الراديكالية في قرقعة السلاح انخراطًا رمزيًّا، وسلكت الدروب المتعرّجة للصدام الأهلي الذي تحوّل إلى حرب مجنونة مطلقة العفريت الطائفي والقبلي من قمقمه، فمات مئات الآلاف وجرح وهجّر الملايين، وأضاف أن بعض المعارضات العربية برّرت تعاونها مع الأجنبي بطغيان الاستبداد والاضطهاد والبطش بقادتها وقواعدها واعتقالهم ونفيهم متناسين أنهم يعرّضون استقلال الوطن وسيادته إلى الانهيار والسقوط.

ويختم بضرورة استيلاد سياسات مختلفة عن توجهات المعارضات التي كسرت كل المحرمات فاشتغلت مع الدوائر الأمريكية والبريطانية منذ ثمانينات القرن الماضي، كالمؤتمر الوطني العراقي الذي تكوّن مع البرنامج الأمريكي لتحرير العراق منذ تسعينيات القرن الماضي وبمساعدة إيران، ثمّ عُمّمت الحالات العميلة في المعارضات العربية خارج العراق برعاية أموال وسياسات عربية جهلاء.

أخيرًا وليس آخرًا، إذا كان بلقزيز يورد بعض الحقائق التي تترافق مع ثورة الربيع العربي، فهو يخفي الكثير من حقائق تغوّل سلطات جلبت القوى الخارجية واستدعت أعتى المكونات الشيعية المتعصّبة، وتعمل على تغيير ديمغرافي لا يخفى على أحد، بهدف تسويغ سياسات أنظمة حكم يحمل رموزها القتلة فكرًا قومويًّا شبيهًا بفكر بلقزيز وأمثاله، وأن يبرّر لأحزاب وتنظيمات يسارية ضالعة بالفساد والجريمة مع تلك الأنظمة التي أضحت من مخلّفات الماضي إن شاء بلقزيز وأمثاله أو أبى. ولمّا كانت روح تلك الثورات مستمدّة من الثقافة الشعبية العربية والدين الإسلامي، ولم تفصّل على مقاس الأيديولوجيا التي تحكم تفكيره والتي كانت سبب دمار الأمة، فهو لا يعارضها فحسب بل يحاربها ويحيل إليها جرائم لا تزال أنظمته وفكره يرتكبونها في وضح النهار.

تتصارع الآن ثلاث قوى على الساحة العربية، سلطات الحكم مدعومة من دوائر النظام الدولي الفاسدة، والتنظيمات التكفيريّة غير البعيدة عن دوائر مخابراتية عالمية وإقليمية، والطاقات الكامنة في بنية ثورة الربيع العربي التي لا تزال جذوتها مشتعلة لا سيما في سوريا، أمّا فكر بلقزيز وتيارات الفكر السياسي العربي التقليدي (الإسلامي والقومي والاشتراكي والشيوعي والليبرالي) وأحزابها فهي متشظية وتتبع إحدى القوى الثلاث المتصارعة، وإذا أراد بلقزيز أن يتبع نظم الحكم وأشباهها، فلن يكون مصيره إلا السقوط تحت عجلة التاريخ التي يمثّلها شباب يندفعون بقوة استجابة لحركة التاريخ الصاعدة نحو وحدة الأمة لا تفكيكها على طريقة الفوضى الخلاقة، ونحو بناء دولة مدنية جامعة لكل أطياف المجتمع العربي بظل نظام ديمقراطي حديث يضمن الحرية والمساواة والعدالة بطريق جديدة تحمل هوية أهل المنطقة وروح الدين الإسلامي الخيّرة والمحبّة والمتسامحة والمتسمة بالوسطية والاعتدال. 

أدهم مسعود القاق - باحث سوري مقيم في مصر

آفاق مشرقية

[1] - عبد الإله بلقزيز، ما بعد "الربيع العربي" /المركز الثقافي للكتاب: الدار البيضاء، بيروت، ط1، 2017

[2] - عزمي بشارة، "في الثورة والقابلية للثورة" / المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: قطر، بيروت، ط2، 2014، ص34\

-----------------
آفاق مشرقية

أدهم مسعود القاق
الجمعة 7 يوليوز 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | أنباء الهدهد | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | قضايا وآراء | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث