عيون المقالات

سَبَّ سُبَابًا.. وكِلابًا

16/07/2017 - نجم الدين سمان

كلام في الصميم

16/07/2017 - توفيق الحلاق

إلى حضن أي وطن؟

14/07/2017 - ميشيل كيلو

السوريّ اليوم

12/07/2017 - حازم صاغية

ترامب في سورية

10/07/2017 - سلامة كيلة

موقف عربي من الأسد والإرهاب

10/07/2017 - خالد الدخيل

قراءة في بيان حصار قطر

07/07/2017 - محمد هنيد

غليان في القاهرة

04/07/2017 - عمرو خليفة


كأن روحي سبقتني اليها ..ما لم تقله شهرزاد عن بلاد الأحلام والسامبا



في أول زيارة له للشرق العربي قال الكاتب البرازيلي باولو كويلو ( كأن روحي سبقتني الى هنا ) ومع اهتمام كتابهم بثقافتنا وهجرة الكثيرين من شعرائنا اليهم لا بد أن نلحظ قلة اهتمام الجيل الجديد باميركا اللاتينية وغياب البعد الثقافي عنها في مناهجنا واعلامنا فنحن لا نذكرها هذه الايام الا باخبار الفساد السياسي مع أن الثقافة من أعمق ما يجمع بين العرب وشعوب أميركا اللاتينية ففي البرازيل وحدها كان هناك تسعون صحيفة عربية ولا توجد رواية لماركيز ليس فيها شخصية عربية أما بورخيس فكتب شهادته بالعرب وحضارتهم على أسوار غرناطة في حجر أهداه لصديقه الشاعر فوزي المعلوف وما يزال الحجر - الشهادة على سور الحمراء الى يومنا هذا ولا يكاد يوجد مثقف عربي حقيقي لم يقرأ ايزابيل الليندي او يتعاطف مع نيرودا أو يذوب حبا في كتاب جورج أمادو خرافة لزراعة الأمل أما الذين يعرفون أميركا اللاتينية عن قرب فيؤكدون أن البيت العربي في هافانا نسخة من بيوت دمشق بنوافيره وياسمينه وغني عن القول أن شعراء المهجر اللاتيني هم من جدد شباب الشعر العربي وأعطاه بعده الانساني المفقود من خلال ابتكار وتطوير ظاهرة الادب المهموس وسدا لهذه الثغرة التي لا تنتبه اليها القمم السياسية والاقتصادية نعيد هنا نشر الشهادة التي ألقاها الدكتور محيي الدين اللاذقاني في معرض الكتاب بالبرازيل وهي بعنوان : رحلة سندبادية على بساط شهرزاد الى بلاد الأحلام والكاكاو والسامبا


  كأن روحي سبقتني اليها ..ما لم تقله شهرزاد عن بلاد الأحلام والسامبا
معرفتي بالبرازيل مثل معرفتي بألف ليلة وليلة جاءت على مراحل متباعدة لكنها كانت دوما مثيرة وغنية بالتفاصيل وشيقة فقد عرفت البرازيل مبكرا وقبل أن احصل على نسخة كاملة غير مهذبة ولا مشذبة من حكايات شهرزاد التي يحذف منها العرب المتزمتون أضعاف ما يتركون من قصصها حماية كما يظنون لأخلاق الناشئة الذين ما أن يشبوا عن الطوق حتى يصبح همهم الأول الحصول على طبعة من ألف ليلة وليلة لم تمر عليها مقصات الرقباء وحراس الفضيلة .
و لا أستطيع القول اني تعرفت على البرازيل من خلال بيليه أو السامبا فأنا لا أتابع كرة القدم ولست راقصا بارعا لكني مدمن قراءة ومن حسن حظي ان قراءاتي الاولى قادتني الى (قباطنة الرمال ) و ثلاثية ( دهاليز الحرية ) وعرفتني على الكاتب البرازيلي الكبير جورج أمادو .
وقبل أمادو أود التذكير بأني من بلاد نضج كثيرون من شعرائها تحت شمس البرازيل فكل دارس للأدب في سورية يجب أن يمر في المرحلة الثانوية وما بعدها على أدب المهجر الجنوبي ويدرس شعراء ( العصبة الاندلسية ) التي تشكلت عندكم في سان باولو وكان لشعرائها السوريين واللبنانيين مع شعراء( الرابطة القلمية )في أميركا الشمالية الدور الكبير في تطوير أساليب الشعر العربي في بدايات ومنتصف القرن الماضي .
لقد كان احتكاكي الاول بالبرازيل وسماعي مباشرة لأوصافها والتغني بطيبة أهلها عن طريق شاعر عربي كبير عاش فيها قرابة نصف قرن هو الشاعر القروي رشيد سليم الخوري الذي شاءت الظروف أن أقابله في جامعة حلب التي كنت طالبا فيها لأجري معه أول مقابلة صحافية في حياتي لجريدة الجامعة عام 1972.
وبما أني لم أكن اعرف حينها فن المقابلات ولا طريقة طرح الاسئلة فقد وجدت نفسي أحصر الحوار في محورين عن العصبة الأندلسية وشعراء العرب في أميركا اللاتينية واختلافهم عن جبران ونعيمة وبقية شعرائنا في اميركا الشمالية وكان الشاعر يحدثني على مدار ساعتين عن أيامه الحلوة والمرة وعن الكاكاو والكرنفالات والسامبا التي لم أكن قد سمعت بها الا في قصائد نزار قباني .
صحافتنا السورية أيضا كانت في بعض أشكالها ضيفة على البرازيل ففي سان باولو وحدها حسب احصائيات فيليب طرازي مؤرخ الصحافة العربية كان هناك أكثر من تسعين صحيفة ومجلة عربية في بدايات القرن العشرين لا اعرف ماذا بقي منها ولا ادري هل احتكت بهموم البرازيل وساهمت في الحوار الحضاري أم ظلت محصورة بين فئة قليلة من المهاجرين الذين حملوا في حقائب الحنين قصصهم وفولكلورهم قبل أن يطيروا الى هذه البلاد التي صارت لهم وطنا فشكلوا أساسات الجسر الحضاري الذي يربط أميركا اللاتينية بالعالم العربي .
اللقاء المباشر مع برازيليين وبرازيليات كان في العاصمة البريطانية أوائل الثمانينات حيث تعرفت في لندن على مجموعة من المناضلين اليساريين والمناضلات اليساريات الذين أتوا الى هناك مثلنا هربا من جحيم الديكتاتورية العسكرية ولأن همومنا مشتركة وكذلك أحلامنا في التحرر من الاستبداد فقد كان تفاهمنا رغم اللغة الثالثة التي ليست لهم ولا لنا تاما وشاملا ومثيرا للاعجاب والدهشة فكأننا لبساطتنا وجديتنا وانفعالاتنا المبالغ فيها من طينة واحدة .
في المرحلة الثالثة وبعد انضمامي الى الحملة الانسانية لمكافحة الجوع التي رعتها الأمم المتحدة عام 2002وكان يشارك فيها من البرازيل اللاعب الساحر رونالدو ووزير ثقافة البرازيل الحالي الفنان جيلبرتوجيل ومجموعة من مشاهير أميركا اللاتينية في كافة المجالات لاحظت في الاجتماعات الكثيرة التي كنا نحضرها في مبنى منظمة الفاو في روما ان اسلوب الاميركيين اللاتينيين يثير الاعجاب أكثر من أسلوب الغربيين فهم ينفعلون ويتحمسون ويرفعون سقف التطلعات والأهداف ويميلون الى الجانب التفاؤلي في أقسى الظروف المأساوية بينما الفئة الغربية الهادئة تعطي الانطباع بأنها تؤدي وظيفة لا اكثر ولا أقل .
البرازيليون الذين قابلتهم في لندن ثم في روما أثبتوا لي ماكنت أحس به قبل أن ألقاهم فقد كان هناك على الدوام ما يشعرني بان الناس هنا في البرازيل يشبهوننا وان لنا جذورنا المشتركة لا اعني في التوجهات الانسانية وحدها ولا في رحابة الود والألفة التي تحسها في عيون الناس بل في بعض الخصوصيات التي تجعلنا نحس بأن الاميركيين اللاتينين أقرب الينا من غيرهم أما كيف ولماذا ؟ فقد كان علي أن انتظر لأعثر على الجواب في هافانا وكانت كوبا مع المكسيك من أول الدول التي أزورها في هذه القارة .
في هافانا وحين دخلت الى البيت العربي ثم زرت بعض بيوتها القديمة ظننت نفسي في بيوت دمشقية نقلت كما هي بمشربياتها ونوافيرها والياسمين المعرش على سقوفها من سورية الى كوبا وفي تلك اللحظة بالذات كان الارث الاسباني –البرتغالي العائد بجذوره الى دمشق يتوضح أمامي صلبا وموحيا فقد نقل ذلك النظام المعماري من سورية الى الدولة الأندلسية في اسبانيا والبرتغال و استقر فيهما قبل أن يهاجر من جديد مع سفن كولومبوس ليعاود النماء في أميركا اللاتينية حاملا معه الفسيفساءوالتعلق بالخضرة والماء وقبل الشكليات والهندسة المعمارية حمل معه روح الثقافة التي نضجت في الأندلس و التي كانت الوعاء الأهم الذي تفاعلت فيه الأديان والثقافات وتجاورت وتحاورت قبل أن تقضي الاطماع الصليبية على تلك الفرصة الحضارية للتفاهم الأعمق بين الأديان والشعوب .
في أميركا اللاتينية شعرت بأهمية العبارة التي قالها الكاتب البرازيلي باولو كويلو حين زار الشرق عام 1997 ( كأن روحي سبقتني الى هنا ) وهو بالمناسبة ذات العام الذي نشر فيه جورج أمادو ( خرافة لزرع الأمل ) ونحن من خلال هذين الكاتبين ومعهما دياس دي كوستا واديسون كارنيرو وكلوفيس اموريم وفالتير دي سيلفيرا نحس كم تتقارب أفكار الكتاب العرب ورؤاهم مع أفكار ورؤى كتاب البرازيل خاصة وأدباء أميركا اللاتينية على وجه العموم .
الجميع هنا وهناك يعودون الى الجذر ذاته ويغردون بأجنحة متشابهة ونحن ومع موافقتنا مجازيا على نسبة اسلوب الواقعية السحرية الى غابرييل غارسيا ماركيز نعرف جيدا أنه أسلوب شهرزاد وانها الأجواء والمناخات ذاتها التي تتبناها شعوب محبة للسلام والمتعة والسمر وعشق الخرافات والاساطير فالبشر في ألف ليلة وليلة يطيرون قبل اختراع الطائرات بألف عام وعام والحيوانات تتكلم وتفهم وتتآمروتشكو وتنتقم وتحزن وتعشق دون فرق ظاهر بينها وبين البشر بشهادة شهرزاد التي لايمكن لغيرها ان يصور روعة العصافير التي كانت في الحالة الأندلسية لا تكتفي بالتغريد بل تتحدث وتنقل رسائل العشاق و المحبين من والى جنة العريف في قصر الحمراءعلى نحو يذكرنا بالعاشق الاستثنائي الذي ابتكرته مخيلة ماركيز في ( الحب في زمن الكوليرا ) .
الفرق الأبرز بين ماركيز وشهرزاد أنه عاش ليحكي كما نص على ذلك في عنوان سيرته الذاتية الخصبة بينما اضطرت شهرزاد أن تحكي لتعيش فقد كانت تبدع تحت ظل السيف وتستخدم مخيلتها ولسانها لابعاد شبح القتل عن نفسها وعن بنات جنسها ورغم مخاوفها المشروعة لم تتردد في تقديم اللسان على السيف في حكاية تودد الجارية التي تهزم الاطباءوالمعلمين والموسيقيين والمتكلمين والمنجمين وتنتقم فيها الأنوثة من الذكورة بحضور رمز السلطة الأعلى هارون الرشيد .
على سورقصرالحمراء بغرناطة الذي أتينا على ذكره قبل قليل أثر من آثار التفاعل بين العرب والأميركيين اللاتينين فهناك لوحة لشاعر منكم يشكر فيها صديقه الشاعر العربي فوزي المعلوف الذي نصحه بزيارة ذلك المكان الذي قال عنه خورخي لويس بورخيس في قصيدة تحمل اسمه :
عذب خرير المياه
تجري بين أشجار الليمون
رائقة موسيقى الزجل
سائغ هو الحب
حلوة الصلاة لرب واحد لا شريك له
عذب هو الياسمين
هذا الشاعر والاديب الفذ الذي عشق ألف ليلة وليلة أكثر من أي أديب آخر حتى من مترجميها يضع يده على مفاتيح السحر في ذلك الكتاب الأشهر في قصيدة ( مجازات ألف ليلة وليلة ) من ديوان ( مديح العتمة ) ففي المجازات و مع الجن والملوك والملكات و التائهين والحبيبات المنتصرات ينفتح الحلم على مداه وتمتد المغامرة الى حدودها القصوى ويدخل المتلقي في زمرةالمغامرين الذين يرحلون مع متعة السرد خلف الدهشة والاكتشاف ويدخلون في عمق الحكايات الى أن تسيطر الغرائب وتبسط ظلها على الواقع المر لتخفيه وتخلق العالم البديل فيختلط الزمان بالمكان والتاريخي بالمتخيل وتضيع الحدود بين الراوية وحكايتها ومستمعها فشهرزاد وشهريار اللذان خلب لبهما عمليات سحر سالفة حسب - تعبير بورخيس – حولهما سحر السرد عن طبيعتهما الأولى فأقاما في الحلم ولم يعودا يدركان من يكونان .
وليس بورخيس وحده المولع بألف ليلة وليلة و بزخارف قصر الحمراء ورموزه فذاك ما نلمسه عند العديد من شعراء وادباء أميركا اللاتينية الكبار الذين يجعلوننا نحس بأن جذرنا المشترك الممتد من دمشق وبغداد والقاهرة والعابر في غرناطة ولشبونة وسانتياغو وصولا الى فورتيليزاوبرازيليا وسان باولو يحمل عبق تلك الأيام التي حملت عنفوان الحلم بعالم أفضل و أحست فيها البشرية بان بامكان البشر ان يتحاورا ويتقاربوا بدل أن يتقاتلوا ويتناحرواولعلنا لا نبالغ اذا قلنا أن الف ليلة وليلة رغم سحرها وغرائبها دعوة مفتوحة للعقلانية ولتبني أساليب التغيير بالحجة والحوار .
ان تلك العناصر جميعها تجعل الحوار بين العربي والبرازيلي سهلا ومثمرا فقد عشتم مثلنا في ظل أنظمة ديكتاتورية عسكرية ظالمة وعانيتم من عداوة قوة عظمى تجاوركم وتريد السيطرة على مقدراتكم وقراركم وناضلتم طويلا وما تزالون في سبيل التحرر من الاستبداد والهيمنة الخارجية وجميع هذه الخلفيات تجعل الوصول الى القارئ البرازيلي أسهل من الوصول الى غيره فهو يتفهم القواسم التراثية المشتركة ويعيش الأزمات المعاصرة التي تعصف بالجميع ويتشبث بالأمل مهما ادلهمت الظروف مقتديا بالبرازيلي جورج أمادو وبالسوري سعد الله ونوس والكاتبان العالميان كما هو معروف ومعهما باولو كويلو عملا باصرار على زرع الأمل في النفوس وعلى التشديد على ضرورة الحلم لتغيير الواقع وذاك عين ما كانت تفعله شهرزاد التي دخلت أجرأ مغامرة وخاطرت بحياتها لترويض الوحش داخل الانسان والمحافظة على روعة المخيلة البشرية التي تنتصر على العنف والدم والكراهية وتذكر على الدوام بعوالم سحرية يجب أن نمتلك رحابة الألفة واكسير المحبة لنعرف كيف نصل اليها .
ألف ليلة وليلة عرفتها كالبرازيل على مراحل بدأت من المراهقة وكانت في البداية اهتمامات جنسية بحتة فالناس في كل مكان وليس في العالم العربي وحدده يجدون في قصص ألف ليلة وليلة كنزا من الأدب المكشوف فيه اغراء وغنج وتلميح وتصريح وقبل وعناق وممارسات جنسية تطال الانسان والحيوان والمرأة في كل ذلك السيل الشبق من الحكايات هي رمز الغواية والفتنة وهي التي تبادر أحيانا الى طلب المتعة كما في قصة بدور مع قمر الزمان .ومع أن شهرزاد جلبت للعرب معظم التهم الحسية والشهوانية ودفعت المستشرق دوزي الى وصفهم بمقولته الشهيرة ( الجنس العربي لا يعرف الا الحب الحسي فاني أعتقد ان موقف شهرزاد من الجنس كان ايجابيا جدا وليس مرتكزا على الحس وحده فكثيرا ما كانت تلمح الى ان التوافق الجنسي أصل راسخ من أسس الحب الذي حير البشرية ولم تجد له حتى الآن تعريفا شاملا جامعا مانعا لانه كما أظن كعبير الورد يصعب أن تخزنه مهما اعتصرته وبخرته في قارورة واحدة .
ومع الانتقال من المعنى الى الاسلوب وتطور الزاد اللغوي أتت مرحلة استيعاب الرمزالجنسي وهنا لأعترف اني ما زلت الى اليوم أذكر وصف شهرزاد لليلة فض البكارة في حكاية معروف الاسكافي وصفا حربيا يذكر باحتلال القلاع ودك الحصون في المعارك العسكرية : ( وحط الذخيرة وأشعل الفتيل وحرر على بيت الابرة وأعطى النار فخسف البرج من الاربعة أركان ،وحصلت النكتة التي لا يسأل عنها وزعقت الزعقة التي لابد منها )
أن وصف الجمال الأنثوي في حكايات شهرزاد يظل على تكراره شيقا ومثيرا وخصوصا للمراهقين الذين يبحثون دوما عن أوصاف تتجاوز الوجه والصدر باتجاه الأرض وتتبرع شهرزاد أكثر من غيرها بتقديمها بغزارة ومعظمها على هذه الشاكلة التي تغوي المراهقين وخير ما يمثلها ذلك الوصف الذي يصعب لكثرة تكراره ان تتذكر الحكاية التي جاء منها : ( لها فم كأنه خاتم سليمان وشعر أسود من ليل الصدود على الكئيب الولهان وغرة كهلال عيد رمضان وعيون تحاكي عيون الغزلان وأنف أقني كثير اللمعان وخدان كأنهما شقائق النعمان وشفتان كأنهما مرجان وأسنان كأنهما لؤلؤ منظوم في قلائد عقيان وعنق كسبيكة فضة فوق قامة كغصن البان وبطن طيات واعكان يبتهل فيها العاشق الولهان وسرة تسع أوقية مسك طيب الأردان وأفخاذ غلاظ سمان كأنها عواميد رخام أو مخدتين محشوتين من ريش النعام وبينهما شئ كأنه أعظم العقيان أو أرنب مقطوش الآذان ....) .
لكن ومع تكرار هذه الأوصاف هل كانت شهرزاد كجارية الوزير التي تحكي حكايتها في اللية الثانية والسبعين بعد الخمسمائة ...؟ فقد طمع الملك بجارية وزيره فلما سافر – أو لعله سفره قصدا – وجاء اليها فهمت قصده قبل أن يراودها عن نفسها فطلبت منه أن يتمهل وصنعت له طعاما في تسعين صحنا كلما ذاق واحدا وجده متشابها فلما قال :أرى هذه الأنواع كثير وطعمها واحد قالت الجارية: أسعد الله الملك ان في قصرك تسعين محظية مختلفات الألوان وطعمهن واحد .
شهرزاد الداهية لاتقع في خطأ من هذا النوع وتردد ما يقال في بعض الأمثال العربية والغربية ( حين تطفأ الاضواء تتساوى النساء ) لكنها على الارجح كانت تختبر على لسان الجارية جميع الاحتمالات لتحدد الفروق على نحو يدلنا على حداثة شهرزاد ومعاصرتها فقضية من هذا النوع تعيد الذهن تلقائيا الى انشغالات بطل ميلان كونديرا في ( خفة الكائن التي لا تحتمل ) فهو ينوع في العلاقات شرقا وغربا بحثا عن ذلك الفارق الضئيل الذي يجعل كل أمرأة مختلفة عن الأخرى .
وبالرغم من الحفاوة العربية المعاصرة بالليالي تم منع طباعة ذلك الكتاب الشيق كاملا في العالم العربي في السنوات الاخيرة من القرن العشرين بسبب عبارات جنسية ووصف لاعضاء وتسمية عورات الأمر الذي يدفع الى التساؤل هل كان المجتمع العربي في الوقت الذي ظهرت فيه هذه الحكايات أكثر تحضرا وتحررا مما هو عليه الآن ...؟ وأميل الى الأعتقاد بان الجواب لابد أن يأتي بالايجاب فالحياة الابداعية العربية كانت بدءأ من القرن الثاني للهجرة متحررة من التزمت الذي يأتي مرافقا للضعف والتخلف في بنية المجتمعات والمؤلفون العرب الأوائل لم يتحرجوا من ذكر الاعضاء التناسلية ولا الممارسات الجنسية في كتابهم فقد كانوا يعتقدون كما نفهم من خلال أبن قتيبة الدينوري أن الكتاب كالمائدة يجب أن يحتوي على مختلف صنوف الأطعمة والأشربة والطعوم والروائح والألوان فهو القائل في مقدمة ( عيون الأخبار ) :
( وانما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين واذا مر بك حديث فيه افصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع الى أن تصعر خدك وتعرض بوجهك فان أسماء الاعضاء لا تؤثم وأنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب ...) .
ومع الانتقال الى مرحلة الدراسات العليا حدثت النقلة التفحصية و شغلت بما ينشغل به عادة الاكاديميون من توثيق وتفحيص وتمحيص للطبعات والتحقيقات والخلافات بين طبعة كلكتا 1818 وطبعة برسلاو 1825 وطبعة بولاق 1835 وفي هذه المرحلة لاحظت كم تؤثر القصص بقارئها ومحققها ومصححها وكيف تدفعه الى أن يستخدم هو الآخر مخيلته ويصنع نصه الخاص على هامش النص الأصلي كما حدث مع ( مكسمليان هابخت) الذي صحح طبعة برسلاو وزعم في مقدمتها أنه حصل عليها من عالم تونسي من بيت النجار وشاعت هذه الرواية في الأوساط الأدبية قرابة قرن الى أن أتى المستشرق ( دانكن مكدونالد )عام 1909 ليكتشف بعد التدقيق أن النسخة التونسية لم تكن الا وهما من أوهام هابخت الذي أخذته الحالة فأنتقل من التحقيق والتصحيح الى التأليف والاضافة ولم يكن الوحيد في هذا المجال فألف ليلة وليلة نص مفتوح يشجع البعض على الاضافة وآخرين على الحذف ولكل أسبابه التي قد لاتكون بالضرورة ذات علاقة بالابداع .
ومماشجع على هذه الاضافات والحذوفات أن الحكاية في ألف ليلة وليلة لا حدود لها ولا أسوار فهي كرحم المرأة وأعضائها تتمدد وتتقلص حسب الحاجة وهي من الناحية الجمالية كالفسيفساء العربية تتشعب وتتداخل وتتحول الحكاية الواحة الى عدة حكايات وتتكون وفق تشكيلة عنقودية تعطيك رحيق المتعة من تجمع عصارة جميع حبات العنقود في خابية النبيذ .
في مرحلة أخرى من مراحل تعرفي على ألف ليلة وليلة شغلني التفكير بمؤلفها ولا أقصد الشخص بل الجنس فبعض القصص توحي وكأنها وضعت من قبل ذكور حاقدين لا عمل لهم غير تسخيف وتتفيه جنس النساء والصاق كل نقيصة بهن فهن خائنات غادرات محتالات مثالهن الجارية التي اختطفها العفريت ليلة عرسها ليصطفيها لنفسه فوضعها في علبة وجعل العلبة داخل صندوق ورمى على الصندوق سبعة اقفال ثم جعله في قاع البحر ومع ذلك كله نجحت في أن تخونه مع قرابة ستمائة رجل آخرهم شهريار وشقيقه شاه زمان والبقية تأتي .
في قصص أخرى كما في حكاية تودد التي استمرت أربع وثمانون ليلة بالتمام والكمال يظهر العكس فهناك محاولات دؤبة للرفع من شأن المرأة وثقافتها وعلمها وفضائلها العقلية والأخلاقية ونظرا لقلة النوع الثاني من حكايات انصاف النساء ظللت أميل الى الاعتقاد ان الحكايات من صنع الذكور فقد كان تشوسر محقا عندما قال تعليقا على مسألة ذم النساء في الأدب عموما : (لو كتبت النساء قصصا كما فعل الذكور لأزحن النقاب عن قدر كبير من المخابث المذكرة يعجز الرجال مجتمعين عن اصلاح عطبها ) .
وهنا لابد من الاشارة الى أن المرأة العربية في زمن وضع الليالي وقبلها كانت ممنوعة من الكتابة وهناك كتب تنظر لذلك وتفنده وتدافع عن ذلك القرار الجماعي وتجد له الأسباب والاعذار و أشهرهذه الكتب كتاب ابن أبي الثناء خير الدين نعمان المعروف باسم ( الاصابة في منع النساء من الكتابة ).
ترى هل كان التوجه للقص الشفاهي بسبب موانع الكتابة وتحريمها اجتماعيا على النساء ..؟
هناك ما يشجع على اعتناق صحة هذا الرأي فالتدوين تاريخ وهو من سلطة الذكر ففي ألف ليلة وليلة نفسها لا يقع تدوين بعض القصص الا بحضور الخليفة وكاتبه ووزيره وسيافه كما حصل في حكايات عديدة أهمها قصة الحمال مع البنات وحكاية أحمد الدنف وحسن شومان مع دليلة المحتالة وابنتها النصابة .
ان أسرار المدن ليست مع عسس الخليفة ومخابراته فقط ولكنها ايضا وبشكل أعمق مع عجائز المدن ونسائها ولابأس أن يتداولنها شفاهيا أما ان اردن تسجيلها وتدوينها فلا بد من اذن ذكوري ولا بد من موافقة سلطوية وهذه ما تدركه شهرزاد جيدا التي ظلت تقص أكثر من ثلاث سنوات ولم يأت أمر تدوين ما تقول في ثلاثين مجلدا الا في الليلة الأخيرة وبعد أن أصبح عندها ثلاثة أولاد ذكور يشفعون لها عند أبيهم فهم الفعل وهم القرار وما سردها وتأليفها الا تسلية وازجاء فراغ ومن هنا سر قوة ألف ليلة وليلة وتفسير تمتعها بذلك القدر الكبير من الحرية فما لايدون لاتتم المحاسبة عليه ويظل في حدود التخاريف والاوهام والأحلام .
والآن من كان الأقوى صاحب السيف أم ساحرة اللسان ؟
لعل شهرزاد كانت تدرك كما أدركت الناقدة الحصيفة جوليا كريستيفا لاحقا ان الذكور هم الجنس الأضعف لأنهم يعيشون وهم يحملون عقدة الخوف من الخصاء وبما أن الكتابة كانت قديما كالخصيتين من علامات الذكورة فقد تركتها لهم وتحايلت على خلق مناخ آخر أكثر سحربدأ بمستمعين أثنين شهريار ودنيازا دثم تطور واتسع ليصبح عنوان المتعة والمسامرة في العالم كله لذا لا عجب أن يصبح هذا الكتاب أشهر كتاب في العالم بعد الكتب المقدسة بل أن هناك من يزعم دورا قداسيا له ومن هؤلاء تودوروف القائل :
( اذا كانت جميع الشخصيات لا تنفك عن القص فهذا يعني تقديسا ساميا لهذا الفعل فأن تقص مساوي لأن تعيش والمثل الأكثر صدقا على ذلك هو شهرزاد التي لا تعيش الا اذا استطاعت أن تستمر في القص ) .
وتنويعا على هذه القداسة المفترضة هناك من يعتقد أن الف ليلة وليلة هو رقم مقصود بذاته ليعني دورة متكاملة تشمل الحمل والولادة ثم فترة الرضاعة تصديقا لما جاء في الأية الخامسة عشرة في سورة الاحقاف من القرآن الكريم ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وما تلك المحاولة الا واحدة من محاولات عديدة تحاول أن تعطي لذلك الأثر الأسطوري تفسيرات رمزية ومجازية لتوحي أن أسرار الابداع كأسرار الخلق فيها حمل وولادة ورضاعة ليس للاطفال وحدهم بل للرجال الكبار فشهريار نفسه الذي عاملته شهرزاد كطفل حتى روضت الوحش الدموي العنيف الذي بداخله لم يحن فطامه الا بعد أكثر من ثلاثين شهرا أنتجت ثلاثين مجلدا من روائع اقصص التي فتنت البشرية وما تزال وما اختيار مهرجانكم في البرازيل لهذه الثيمة الا دليل آخر يضاف الى مئات الأدلة التي تثبت يوما بعد آخر رسوخ هذا الكتاب وأهميته عند جميع الشعوب بالرغم مما يلصقه به الغربيون انقاصا لقيمته فبعضهم يقول أن الليالي العربية تناسب ذوي العقول الصغيره وبعضهم ممن يرى اهتمام العقول الكبيرة به يحاول نفي نسبته الى الثقافة العربية كما فعل مؤلف كتاب (الحكاية الخرافية )فريدريك فون ديرلاين الذي أراد العودة به الى أصول هندية وفارسية وصينية .
ان ما يحببنا بككم في البرازيل وبثقافة أميركا اللاتينية عموما أنها فوق تعاطفها مع قضايانا وثراثنا مبرأة من أغراض الغرور والتعالي والحط من ثقافات الآخرين في سبيل اعلاء الثقافة –النموذج التي يجب أن تكون بالضرورة غربية متحدرة من جذور أغريقية ورومانية تنفي كل ما قبلها وكأن العالم لم يولد الا حين ولدت تلك الثقافات التي تقوم على نفي الآخر بنرجسية غريبة تنافي كل المفاهيم الأصيلة والنبيلة للمفاهيم الثقافية كما استقرت عبر العصور فالثقافة كونية الطابع وذات طابع متسامح ان فقدته خانت روحها وأجمل ما فيها .
لقد علمنا باولو كويلو في( السيميائي )أن كل انسان كنزه تحت عتبة داره لكن لابد أن يسافر ويتعلم ويحب حتى يفهم قيمة كنوزه ثم عاد في ( الظهير) ليؤكد من خلال تجربة الأندلس ذاتها التي يجمعنا حبها وتقديرتراثهاعلى أننا دون تسامح شاسع لا نستحق انسانيتنا .
وبحضور هذه المفاهيم الراقية في الثقافة البرازيلية لا أحس نفسي غريبا في البرازيل ولا بعيدا عن قارئها فقد ولدت تلك المفاهيم في دمشق البلد الذي اقيمت فيه اول كنيسة في المسيحية واول دولة في الاسلام .
ودعوني اختم بالتذكير بوصية الشاعر القروي الذي كان أول من حدثني بشغف عن البرازيل فقد مات ذلك الشاعر في لبنان الذي تسمعون اسمه في الأخبار كثيرا هذه الايام لكنه وهو المسيحي الارثوذكسي أوصى بعد أن تشرب بالثقافتين العربية والبرازيلية بأن يصلي عليه شيخ وقس وأن تتلى على قبره فاتحة القرآن الكريم الى جانب الصلوات المسيحية ثم أن يقام على قبره شاهد خشبي يتعانق فيه الصليب والهلال .
بهذه المفاهيم التسامحية والانسانية الشاسعة والاخلاص للحلم والأيمان بالانسان نستطيع معا أن نقيم جسور الالفة والمودة والمحبة فكل شئ يبدأ كما علمتنا شهرزاد من الحب والاقناع العقلي
----------------------------------------
اللوحة للفنان الأسباني سلفادور دالي

د . محيي الدين اللاذقاني
الاحد 16 يوليوز 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | أنباء الهدهد | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | قضايا وآراء | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث