Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile






بريطانيا: التحالف الدولي كان على علم باتفاق "داعش" و الاكراد

21/11/2017 - /ميرفي أيدوغان/الأناضول بي بي سي


عيون المقالات

حكاية التقارب السعودي الإسرائيلي

19/11/2017 - عزام التـميمي

خيار الحريري و«حزب الله»

18/11/2017 - خالد الدخيل

العبارة الذهبية

18/11/2017 - رشا عمران

صورة المملكة السعيدة

17/11/2017 - كوليت بهنا/

عزلة وجودية

15/11/2017 - شرف الدين ماجدولين

ما لا يمكن مع «حزب الله»

08/11/2017 - حازم صاغية


مارتن لوثر صاحب نظرية تحديث الدين بالصدمة




سميت ثورة لوثر 'أهم ثورة في تاريخ البشرية'، فهي التي قلبت المسيحية وافتتحت عصر الإصلاحات في مجالات عدة، وأبرزت وجه ألمانيا ولغتها إلى الصدارة كأكثر اللغات التي ينتشر بها كل من التوراة والإنجيل.


مجلة التايم الأميركية تجزم بأن الراهب الألماني مارتن لوثر الذي علق احتجاجاته على جدار كنيسة فيتنبرغ ذات يوم قبل 500 سنة يحتل المرتبة الثانية في التاريخ بعد المسيح، لجهة عدد الكتب التي كتبت عنه.

برلين - في مثل هذا اليوم الـ31 من أكتوبر من العام 1517، علّق الإصلاحي المسيحي الألماني الكبير مارتن لوثر احتجاجاته الـ95 على باب كنيسة قلعة فيتنبرغ، فتغير وجه العالم. قال لوثر في وقت لاحق لتلاميذه إن الحقيقة البديهية الأساسية أن “البشر مبررون بالإيمان وحده”.

وقال شارحاً فلسفته في ترجمة الكتاب المقدس إننا “يجب أن نسأل الأمهات في بيوتهن،‏ الأطفال في الشوارع،‏ وعامة الناس في السوق،‏ يجب أن نراقب أفواههم لنرى كيف يتحدثون ثم نترجم وفقا لذلك”.

ورغم تلك النظرية التبسيطية إلا أن مجلة التايم الأميركية تجزم بأن لوثر يحتل المرتبة الثانية في التاريخ بعد المسيح، لجهة عدد الكتب التي كتبت عنه، والدراسات التي اشتغلها كبار الباحثين على مدار القرون الماضية وعلى امتداد خارطة العالم.

سميت ثورة لوثر “أهم ثورة في تاريخ البشرية”، فهي التي قلبت المسيحية وافتتحت عصر الإصلاحات في مجالات عدة، وأبرزت وجه ألمانيا ولغتها إلى الصدارة كأكثر اللغات التي ينتشر بها كل من التوراة والإنجيل

في دير إيرفورت العتيق في ألمانيا، والذي أطلق عليه اسم دير القديس أوغسطين، عاش لوثر ودرس حتى سن الثانية والعشرين، بعد أن ولد في آيزلابين في ‏نوفمبر من العام 1473.‏ كان أبوه عاملا في منجم للنحاس،‏ حرص على تعليم ابنه في المدارس والجامعات، فأرسله إلى جامعة فيتنبرغ ليحصل على الدكتوراه في اللاهوت.‏

وفي مكتبة تلك الجامعة شعر لوثر وكأنه يرى الكتاب المقدس لأول مرة. فقال عنه‏ “سرّني الكتاب المقدس جدا وتمنيت لو أحظى يوما ما بامتياز امتلاك هذا الكتاب”.

لكنه سيتذكر هذه الكلمات التي قالها عن هذا الكتاب، بعد سنوات طويلة، حين سيقف بوجه البابا والقيصر ومجلس “ورمز” في روما هامساً “هنا أنا أقف، ولا يمكنني أن أفعل غير هذا، فليساعدني الرب. آمين”.

كان لوثر أحد أبناء ألمانيا الذين رأوا الفساد الذي مثله تحالف السلطتين القيصرية والكنسية، وقد أدرك ذلك جيداً بثقافته وفطنته، وفهم كيف يمكن التخلص من هذا الكابوس الجاثم على صدور الناس، ولذلك فقد اختطّ لنفسه نهجاً مختلفاً مغايراً لما كان سائداً في عصره.

وهو لم يكن بعيداً عن الروح الألمانية التي شعرت بالظلم نتيجة اضطهاد الإمبراطورية لها واستغلالها وإهمالها وفرض الرضوخ عليها بذريعة الانصياع الكنسي. ومن هنا يرى الألمان تطابقا ما بين شخصية لوثر وبسمارك الذي يطلقون عليه لقب “المستشار الحديدي” ويعدّونه مؤسس الدولة الألمانية الحديثة.

باتت قصة “صكوك الغفران” مثيرة للسخرية في أيامنا هذه، ولكنها في أيام لوثر لم تكن كذلك، بل كانت حصانة يمنحها البابا مقابل مبالغ سخية، مما يظهر الدين المسيحي بصورة شديدة الانحطاط لا تختلف كثيرا عن صورة الدين الإسلامي اليوم في نواحي مشابهة لهذه الناحية، وكذلك في ما يتعلق بدافعي التبرعات من أثرياء العرب الذين يفتح أمامهم المشايخ طرقات الجنة بما يضفونه عليهم من تنزيه

استفز الراهب الشاب من تلك المظاهر، وكان أكثر ما أثار حنقه الثراء الفاحش الذي وصلته إليه مرتبة أحد سماسرة صكوك الغفران في زمنه، الذي كان وسيطا ما بين البابا والراغبين في الغفران. إنه يوهان تتزل وكيل رئيس أساقفة ماينتس.‏

كتب لوثر قضاياه الـ95 التي اتهم فيها الكنيسة بانتهاكات مالية وعقائدية وأخلاقية. وككل الثائرين الذين سيجرفهم التيار لم يكن لوثر يرغب بالثورة بداية الأمر، لكنه أراد إصلاح الأحوال قدر الإمكان، فعلّق احتجاجاته على باب كنيسة قلعة فيتنبرغ، وأرسل نسخة منها إلى ألبرت‏ رئيس أساقفة ماينتس،‏ وإلى غيره من العلماء المعروفين في ذلك العصر.‏

وبإرسال لوثر تلك الوصايا والمسائل في خريف العام 1517 اعتبر المؤرخون أن الإصلاح قد ابتدأ بالفعل في أوروبا في تلك السنة

كان يمكن لأفكار لوثر أن تتبدد مثل غيرها فلم يكن هو الوحيد الذي طالب بالإصلاح، سبقه إيرازموس من روتردام وتندل من إنكلترا وجون هس من تشيكيا، وغير هؤلاء ممن تمردوا على التقاليد التي تردت في ذلك الزمن تردياً غير مسبوق.

لكن ما ساعد لوثر على التحول من مجرد مصلح مغمور في ألمانيا إلى ثائر كبير أوروبي وعالمي الأثر أمر آخر ارتبط بالتطور الذي شهدته ألمانيا على مستوى الصناعة والتكنولوجيا وليس الفكر وحسب، فكان اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة حاملاً عظيماً لكلمات لوثر إلى العالم بأسره.

في زمن لوثر كانت قد مرت عقود قليلة جداً على هبة غوتنبرغ للبشرية، فانتشرت عدة مطابع في 60 مدينة ألمانية. وهكذا جرى طبع ونشر قضايا لوثر وانتشرت في كل مكان، وأصبح مارتن لوثر فجأة أكثر الرجال الألمان شهرة.‏

غضبت أركان الكنيسة وهدد البابا ليو العاشر لوثر بالحرمان الكنسي إلا إذا أقرّ علنا بخطئه واعتذر عنه. فكان رد فعل لوثر تصعيدياً. إذ قام بإحراق ذلك المرسوم البابوي أمام الملأ. وواصل نشر كتاباته المنتقدة. وكان يوجهها إلى الإمارات المختلفة لتطبيق الإصلاح الكنسي متجاوزاً موافقة البابا.

نفّذ البابا تهديده وحرم لوثر سنة 1521. فاعترض الأخير على إدانته دون جلسة استماع عادلة،‏ ولذلك استدعاه الإمبراطور شارل الخامس للمثول أمام المجلس التشريعي الإمبراطوري في وورمز.‏

جاء لوثر عبر مدن عديدة شاقا طريقه من فيتنبرغ إلى وورمز. كان الشعب معه، لذلك تحولت رحلته تلك إلى موكب جليل ومظاهرة ضخمة مستمرة.

كان مصيره معروفاً سلفا فقد تم إحراق من سبقه من الإصلاحيين في نفس المكان. لكن لوثر رفض الاعتراف بأيّ خطأ. واشترط أن يقدم له متهموه الأدلة من الكتاب المقدس على أنه لم يكن مصيباً.

يروي المطران داود حداد في كتابه “حركة الإصلاح الديني في ألمانيا” عن تلك اللحظة من حياة لوثر بالقول “وقف لوثر في المجمع أمام الإمبراطور الذي يسود بسلطانه على نصف العالم وأمام أكثر من خمسة آلاف مشاهد. وبعد لحظات من صمت رهيب قال المستشار البابوي بصوت جهوري: يا مارتن لوثر، إن صاحب الجلالة يدعوك للإجابة على سؤالين: أولا هل تعترف بأن هذه الكتب، مشيرا إلى حوالي عشرين مجلدا موضوعة على طاولة، هي تأليفك؟ وثانيا هل أنت مستعد أن تسحب هذه الكتب وما تحتوي عليه، أم تصرّ عليها؟ فأجاب لوثر على السؤال الأول أنه، دون شك، الكاتب لها. أما في ما يتعلق بالسؤال التالي فقد صلى لوثر صلاة تعتبر أثمن وثيقة في تاريخ حركة الإصلاح، جاء فيها: رباه ما أفظع هذا العالم. فقد فتح فاه ليبتلعني أنا المسكين، إذا أنا اتكلت على قوة هذا العالم فقط، فشلت وضاع كل شيء

لقد كان لوثر عارفا بالكتب الدينية وكان يدرك سلفا أنهم لن يتغلبوا عليه. ولذلك فقد أسفرت المحاكمة عن وثيقة سميت “مرسوم وورمز” أعلنت لوثر مهرطقا خارجا على القانون وحظرت تعاليمه.‏

 

 

 

عاد لوثر من تلك الجلسة شخصاً مختلفا. وقبل أن يصل إلى فيتنبرغ تم اختطافه من قبل أمير ساكسونيا، ولكن ليس لإيذائه، بل لحمايته من فرق الإعدام السرية. فعاش في قلعة فيتنبرغ متنكرا بشخصية أخرى، وأطلق لحيته وغير اسمه إلى “جورج الشاب النبيل”.

كانت الفترة التي قضاها لوثر في فيتنبرغ، حسب كتاب التراث العالمي الألماني، “من أكثر الفترات إبداعا وإنتاجا في حياته”.‏ وهناك أنهى ترجمة الأسفار اليونانية إلى الألمانية من النص اليوناني لإيرازموس.‏ ونُشر هذا العمل في سبتمبر من العام 1522 دون ذكر مترجمه. وكان كتاب قيماً للغاية، بلغ ثمنه غيلدرا ونصف الغيلدر،‏ أي ما يعادل الأجر السنوي لخادمة.‏ ومع ذلك،‏ كان الطلب عليه كبيرا.‏ فخلال عام واحد نُشرت 6 آلاف نسخة منه، ولاحقا صدر ما لا يقل عن 69 طبعة أخرى خلال أقل من 15 عاماً لاحقة.

كان تمرد لوثر كاملاً، فقد عارض التقليد الكاثوليكي الذي يرفع من مكانة “التقشف والعفة”، وأكد أن الله أراد من البشر أن يتمتّعوا بالعلاقات الجنسية. فتزوّج بعد أعوام قليلة براهبة منشقة، وأنجب منها. وواصل عمله كمفكر ومترجم، ولهذا فقد وضع الكتاب المقدس الذي ترجمه لوثر الأساس الحقيقي للغةٍ ألمانية مكتوبة وموحَّدة في عموم ألمانيا.

يقول معجم اللاهوت والكنيسة الألماني إن أعمال لوثر تعكس “إفراطاً في الغضب” و”افتقار إلى التواضع والمحبة” إضافة إلى “شعور قوي بواجب النهوض بأعباء مهمته الخصوصية” مع “ذكاء حاد،‏ ذاكرة مذهلة،‏ وتضلّع في اللغة”. ويقال إن لوثر كان فوق كل تلك الصفات، نافد الصبر،‏ هازئا، وعنيفا تجاه ما اعتبره نفاقاً.

تفجرت في زمن لوثر، وعلى الأرجح بسبب أفكاره هو شخصيا ثورة للفلاحين، وقد وقف معها لوثر في بادئ الأمر، وحث الحكام على عدم التعامل بقسوة مع الفلاحين بفضل البعد الأخلاقي واللاهوتي في شخصيته. ولكن عندما رأى كيف بدأت الانتفاضة في الخروج عن السيطرة مما شكل تهديدا للدولة والنظام الكنسي وقف مع الحكام، بتأثير البعد السياسي في شخصيته وولائه للإمبراطورية الرومانية المقدسة وللأمة الألمانية، ورأى أن على “خدّام الله الخضوع للسلطات” وطالب صراحة بقمع الثورة بالقوة

قال لوثر إنه “لا شيء يمكن أن يكون سامًّا أو مؤذيًا أو شيطانيًا أكثر من المتمرّدين”. وقد كلّفه هذا الموقف مصداقيته أمام الشعب المسيحي الذي أيّد أفكاره. وفقد إثر ذلك شعبيته الجارفة، بعد أن اتخذه المتمردون “ملهماً للثورة”، فهرب من مسقط رأسه بمدينة فيتنبرغ مفضلا عدم الانخراط في الثورة.

سكان برلين يتساءلون اليوم؛ ترى هل تستطيع ألمانيا العام 2017 بالفعل الاحتفال مجددا بلوثر؟ لا سيما بعد وقوع الهولوكوست بحق اليهود، وأيضا بوجود ملايين المسلمين من المهاجرين واللاجئين على أراضيها

حاول لوثر وتلاميذه إنشاء كنيستهم الخاصة لتكون دينا لألمانيا كلها، وبالفعل، ففي معاهدة “صلح أوغسبورغ” التي وقعت عام 1555، سمح بند “كويوس ريغيو ـ إيوس ريليغيو” للأمراء الألمان باختيار اللوثرية أو الكاثوليكية كديانة داخل أراضيهم. بعد أن تشكلت على يد لوثر حركة دينية جديدة دُعيت بالبروتستانتية.‏

وانحازت الإمارات الألمانية إما إلى الإيمان الكاثوليكي أو البروتستانتي.‏ فانتشرت البروتستانتية ونالت دعما شعبيا في أسكندينافيا،‏ سويسرا،‏ إنكلترا،‏ وهولندا.‏ واليوم لديها مئات الملايين من الأنصار في أنحاء العالم.

تحمل ألمانيا للوثر احتراما كبيرا، فقد حظي في أواخر حياته بمقام “مستشار”،‏ وكان مبجّلاً عظيم المكانة، يصغي إليه زوّاره من نخب البلاد باهتمام ويدوّنون كل ما يتفوّه به من كلمات أثناء زياراتهم له، وقد تم جمع تلك العبارات التي قالها لوثر مشافهة في كتاب سمي بـ”حديث المائدة”، وهو من أكثر الكتب رواجا باللغة الألمانية بعد الكتاب المقدس.‏

وقد احتفل الألمان بعيد ميلاد بسمارك الـ100 في عام 1915 وبالذكرى الـ400 للإصلاح الديني في عام 1917. وفي أواسط الثمانينات‏ من القرن العشرين احتفلت جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة بالذكرى السنوية الـ500 لميلاد لوثر على أراضيها.‏ وانتشرت عبارات ألمانية تقول “لا يمكن مقارنة لوثر بأحد ممن أتوا بعده” وأيضاً “يصدر كل سنة نحو 500 مؤلَّف جديد عن مارتن لوثر والإصلاح بجميع اللغات الرئيسية في العالم تقريبا”.

تمثل مسارات حياة لوثر تجسيدا حقيقيا لأزمة المصلح الديني، الذي يواجه ضرورات فكرية مرتبطة بحياة الناس، ويجد أن عليه واجب النهوض لإصلاحها دون تردّد. ثم ينظر حوله وإذا به قد تحوّل دون أن يدري إلى “سياسي” باعتباره تحالف مع سلطات سياسية جديدة استندت إلى فكره.

ويبقى قرار المصلح الديني مرتبطا بقدرته على الانسحاب من ذلك الالتباس ما بين السياسي والديني، وعدم الانجرار وراء انتصاره الإصلاحي الديني إلى ما لا نهاية. فجذوة النصر التي حملها لوثر جعلته يخلط في أمور كثيرة لاحقة كموضوع اليهود الذين وضعهم على رأس قائمة أعدائه بسبب عدم قدرته على إرغامهم على القبول بالتحول إلى المسيحية. يضاف إلى اليهود المسلمون الذين اتخذ منهم لوثر موقفا عدائياً بسبب حصار العثمانيين لفيينا في عصره.

ويتساءل اليوم سكان برلين؛ هل تستطيع ألمانيا العام 2017 بالفعل الاحتفال مجددا بلوثر؟ لا سيما بعد وقوع الهولوكوست بحق اليهود، وأيضاً بوجود ملايين المسلمين على أراضيها، سواء من الأتراك الذين يشكلون غالبية المسلمين أم من بقية المهاجرين واللاجئين. مع أن لوثر وحسب ليندال روبر مؤلفة كتاب “مارتن لوثر: المتمرد والنبي” والأستاذة الجامعية في أكسفورد، كان قد كتب ونشر بنفسه مقدمةً لترجمة للقرآن الكريم.
-------
العرب


إبراهيم الجبين
الثلاثاء 31 أكتوبر 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | أنباء الهدهد | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | قضايا وآراء | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث