مائة عام على معاهدة فيرساي، الاتفاق الذي لم يكن يرغب فيه أحد



برلين – عندما دخل ممثلو ألمانيا قبل مئة عام صالون المرايا بقصر فيرساي، كان أول ما رأوه، خمسة جنود فرنسيين واقفين مشدودين أمام النوافذ الضخمة. كان غرض رئيس وزراء فرنسا آنذاك، جورج كلمنسو، أن تذكر وجوه الجنود المشوهة بآثار الجراح والإصابات، المفوضين الألمان بمدى فداحة وحجم المعاناة التي تكبدتها فرنسا بسبب ألمانيا جراء الحرب العالمية الأولى (1914-1918). وهكذا وقعت اتفاقية نهاية الحرب بحضور الوجوه المشوهة أو ما يطلق بالفرنسية " gueules cassées" على ضحايا الحرب العالمية الأولى الذين مات الكثير منهم فيما يعرف بوباء الخنادق.


يشار إلى أنه مطلع عام 1919، اجتمع ممثلو 32 دولة في باريس لتقرير مصير ألمانيا، وإعادة هيكلة عالم تدهور توازنه خلال أربع سنوات من الحرب. وانعكس انهيار النظام الإمبراطوري على الجميع: تأزم الوضع في البلقان، والإمبراطورية العثمانية، والصين، ومن ناحية أخرى، انتشرت في المستعمرات الفرنسية والبريطانية والإسبانية سواء في الشرق أو العالم الجديد، دعاوى الاستقلال ونزعات التحرر الوطني. مع انهيار إمبراطورية هابسبورج، التي بسطت سلطانها على أرجاء واسعة من أوروبا على مدار قرون، كانت هناك حاجة إلى خريطة سياسية جديدة لأوروبا، ومن ناحية أخرى، كانت الولايات المتحدة، بسبيلها للتوحد والظهور كقوة عظمى ناشئة جديدة في العالم. في باريس، واجهت القوى المنتصرة مهمة شاقة: يجب أن تتحول الحرب العالمية إلى نظام سلام عالمي، كما يوضح المؤرخ الألماني إيكارت كونز من مدينة ماربورغ، حيث يصف في كتابه "الوهم الكبير" أو " Die große Illusion"، جهود السلام التي بذلت خلال ذلك الاجتماع التاريخي بالعاصمة الفرنسية، مؤكدا: "كانت مهمة شبه مستحيلة". في ذلك الوقت لم يكن هناك نموذج لتنظيم مؤتمر عملاق بهذا الحجم، لذا حسب تقديرات ذلك الوقت استغرقت مدة التحضير له أكثر من عام. في مؤتمر فيينا عام 1815 وخلف الأبواب المغلقة، أعاد الأمراء والوزراء ترسيم حدود أوروبا لمرحلة ما بعد هزيمة نابليون بونابرت. في عصر الجماهير والتأثير الجديد الذي تمارسه وسائل الإعلام ، لم يعد ذلك ممكناً. فقد قام المئات من الصحفيين بعمل تغطية واسعة للأحداث خلال قمة باريس، ونشرت الصحف طبعات خاصة، وتم استقبال رؤساء الدول في الشوارع. عقدت الآمال على الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في ذلك الوقت، وعندما رست سفينته في مدينة بريست الفرنسية للمشاركة في المفاوضات، كان في استقباله الحشود تهتف من أجله. ومع ذلك كان يتعين على السياسي الديموقراطي المسيحي تقديم كشف حساب أمام الكونجرس في واشنطن، تماماً كما كان على رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج أن يفعل ذلك أمام برلمان لندن. وكان لكل منهما رغبات مختلفة. في الوقت نفسه كان يتعين على رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو مواجهة ضغوط الرأي العام. ويجب أن تعكس المعاهدة مع ألمانيا التضحيات الهائلة التي قدمتها فرنسا وجنودها الذين سقطوا خلال الحرب والبالغ عددهم مليون و400 ألف. ولهذا اختار الصحفي والسياسي الفرنسي قاعة صالون المرايا بقصر فرساي لتوقيع الاتفاقية. عام 1871 ، بعد حرب قصيرة بين فرنسا ومملكة بروسيا، أعلن وليام الأول، أول قيصر لألمانيا من هذه الغرفة نفسها. ولكن الآن جاء دور الألمان ليشعروا بالهزيمة. من المحتمل أن الظروف القاهرة والمهينة للمعاهدة لم تفاجئ الوفد الألماني بقيادة وزير الخارجية هيرمان مولر، من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ورئيس إدارة المستعمرات الإمبراطورية، يوهانز بيل، من حزب الوسط الكاثوليكي المحافظ. تم تقديم المعاهدة بالفعل إلى ألمانيا في 7 آيار/ مايو، وكانت برلين تعرف ما الذي ينتظرها. كتب العالم اللاهوتي والسياسي الليبرالي إرنست ترويلتش في ذلك الوقت، "ما إن عرفت ألمانيا بالشروط التي تمليها المعاهدة، حتى وجد الألمان أنفسهم فجأة خارج أرض الأحلام التي اعتقدوا أنهم سيعيشون بها بعد الهدنة". وكان الرايخ يعتقد بعد الهدنة التي تم التوصل إليها في الحادي عشر من تشرين ثان/ نوفمبر 1918، أنه سوف يتم التوصل إلى اتفاق منطقي، سيؤهله للاستمرار في الاحتفاظ بمركز قوة. أكد رئيس الرايخ آنذاك، الديموقراطي الاجتماعي فريدريش إيبرت ، للجنود الذين عادوا إلى البلاد أنهم "في ساحة المعركة ظلوا غير مهزومين". ولم يكن أحد يريد تحمل مسؤولية الحرب. وتم الترويج لصيغة في برلين مفادها أن الحرب اندلعت عام 1914 نتيجة "لعيوب في النظام السياسي الأوروبي"، حسب وصف كونز. واستندت المفاوضات إلى اقتراح طرحه الرئيس ويلسون، ووفق خطته الشهيرة المكونة من 14 بندا، أعلن ويلسون حق الشعوب في تقرير مصيرها، وراهن على تكوين عصبة أمم تؤسس لمنظومة سلام عالمية شاملة. استبعد ممثلو ألمانيا من المفاوضات وفُرضت عليهم الشروط مع التهديد باستئناف الأعمال الحربية إذا رفضوا قبولها. وترتب على ذلك فقدان ألمانيا لمساحات كبيرة من أراضيها، ودفع تعويضات، وقيود عسكرية. كانت شروط اتفاق السلام قاسية. وبناء على ذلك أصبح محظورا على ألمانيا الحصول على دبابات أو بناء قوات جوية، وتحديد عدد قوات الجيش بألا تزيد عن 100 ألف جندي مسلح. تخلت ألمانيا، بموجب الاتفاقية عن غرب بروسيا ومنطقة التعدين في سيليزيا العليا إلى بولندا، وعادت منطقة الألزاس واللورين إلى فرنسا، ومستعمرة من نيوكاميرون إلى وسط أفريقيا. أما الامتياز الألماني في منطقة كياو تشو، شمال الصين، فأصبح تحت إدارة اليابان، وتنازلت ألمانيا إلى تشيكوسلوفاكيا عن منطقة هلوتشين جنوب شرق بروسيا. في الوقت نفسه أصبح إقليم ميميل تحت سيطرة الحلفاء ، وأصبحت دانزيج (جدانسك الآن) جزءًا من عصبة الأمم والنظام الجمركي البولندي. وبعد سلسلة من المؤتمرات الدولية، في آيار/ مايو 1921 ، تم فرض ما مجموعه 132 مليار مارك ألماني كتعويضات يتعين على الرايخ سدادها، استنادا إلى البند 231 من معاهدة فرساي الذي طالب ألمانيا وحلفائها بالاعتراف بمسؤوليتهم عن كل الخسائر والأضرار التي تكبدتها حكومات دول الحلفاء في الحرب. سرعان ما بدأت معاهدة فرساي تواجه انتقادات من خارج ألمانيا. بالنسبة للرئيس الأمريكي التالي هربرت هوفر، فقد رأى أن "المعاهدة تمت صياغتها بدافع الكراهية والانتقام". كما أقر جون ماينارد كينيز، الاقتصادي الأكثر نفوذاً في ذلك الوقت والمستشار لدى الوفد البريطاني، بأن عبء التعويضات الضخم سينتهي به المطاف إلى تدمير ألمانيا. في فرنسا ، من ناحية أخرى ، كانت هناك أصوات كثيرة من أولئك الذين طالبوا بتدابير أكثر صرامة. دعا المارشال فرديناند فوش إلى حل الإمبراطورية وضم الضفة اليسرى لنهر الراين إلى فرنسا، وإلا فإن السلام المعقود سيكون "مجرد هدنة مدتها عشرين عامًا". أعرب كثيرون عن تخوفهم من استمرار ألمانيا في الاحتفاظ بنفوذها المهيمن مما يمكنها من الشروع في صراع جديد. وفي الواقع ، زودت "فرساي" أعداء جمهورية فايمار الجديدة بالذخيرة اللازمة لمحاربة الديمقراطية. وبالفعل، تمردت النخبة العسكرية الألمانية القديمة، من ناحية، واليسار، من ناحية أخرى، على "إملاءات السلام" و "أغلال فرساي". يشار إلى أن فايمار كانت الجمهورية التي نشأت في ألمانيا في الفترة من 1919 إلى 1933 كنتيجة الحرب العالمية الأولى وخسارة ألمانيا الحرب. وسميت الجمهورية الناشئه باسم مدينة فايمار الواقعة بوسط ألمانيا والتي اجتمع بها ممثلو الشعب الألمانى في العام 1919 لصياغة الدستور الجديد للجمهورية والذي ظل ساريا حتى عام 1933 حين تمكن الزعيم النازي أدولف هتلر من إحكام سيطرته على مقاليد الحكم في برلين بعد توليه منصبي المستشارية ورئاسة الجمهورية. واعتبر المؤرخون هذا الحدث نهاية جمهورية فايمار. غير أن الفرضية القائلة بأن "الهزيمة غير المحسومة"، كما وصفها المؤرخ جيرد كروميش، مهدت الطريق أمام وصول أدولف هتلر إلى السلطة، أصبحت الآن مشكوكا في صحتها واقرب ما تكون إلى خرافة. يقول كونز إن المعاهدة لم تكن بسبب كراهية الجمهورية، لكن يمكن القول إن القوات المناهضة للجمهورية تغذت على حقيقة أن معظم الألمان اعتبروها ظلمًا صارخا. خلال فترة التعويضات، منحت حكومات الحلفاء لألمانيا العديد من القروض وفترات تمديد لمهل السداد. بالإضافة إلى ذلك، تم تنقيح الشروط وإقرار اتفاقات جديدة، إلى أن وصل الأمر في النهاية مع الأزمة الاقتصادية العالمية أو "عصر الكساد العظيم"، إلى خفض المبلغ الواجب دفعه إلى الصفر. ومع ذلك ففي خضم النضال السياسي الداخلي المرير خلال العشرينيات والثلاثينيات، مرت هذه التحولات على ألمانيا مرور الكرام دون أن يلحظها أحد. في عام 1921، رفض الكونجرس الأمريكي التصديق على معاهدة فرساي واتفاق عصبة الأمم وانسحبت البلاد من الشؤون الأوروبية. واليوم بعد قرن من الزمان، لا يمكن إنكار التشابه الكبير بين الموقف في الماضي والوضع الراهن، الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تراهن على سياسة الانعزال، والشعبوية في نفس الوقت، أخذا في الاعتبار تزايد نفوذ رجال السياسة المستبدين ودعاة النزعات القومية. يستلهم كونز عبارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون حينما قال "شياطين الماضي" بسبيلها للعودة.

استيبان أنجل
الاحد 22 سبتمبر 2019


           

تعليق جديد
Twitter