تجريم «التحرش الجنسي» في البلاد العربية




انشغل الرأي العام في المغرب ومصر اخيرا بقضايا التحرش الجنسي التي باتت ظاهرة على مقلقة على ما يبدو هناك، وفي الوقت الذي يستعد فيه البرلمان المغربي للتصديق على مشروع قانون يجرم التحرش الجنسي ويعاقب كل من تورط في التحرش بفتاة أو معاكستها،


تجريم «التحرش الجنسي» في البلاد العربية
اطلق ناشطون مصريون حملة «احترم نفسك» كشعار لمكافحة التحرش بالنساء في الطريق العام ووسائل المواصلات. التفاصيل لا تكشف فقط عن تدني المعايير الاخلاقية بين الرجال نحو النساء، بل عن حقيقة عدم احترام الاخر جسدا وروحا في الاساس. كل ذلك، وياللغرابة، في ظل غياب اي تشريع عربي يذكر هذه الجريمة بالاسم أو يجرّمها كفعل يعاقب عليه القانون.
في دراسة اخيرة ملفتة للانتباه اعدها «المركز المصري لحقوق المرأة» تبين ان «ثلثي الرجال المصريين من العينة اعترفوا بتحرشهم بالنساء، بينما أقرت 83 في المئة من نساء العينة، انهن تعرضن للتحرش مرة او اكثر. فمن اين يجيئ الرجل في المجتمع العربي بهذه القيم، وهو ينتمي الى بيئة لا تزال للقيود الدينية تأثير كبير فيها؟ ولماذا تزداد الحالة حدة بالتزامن مع انتشار المظاهر الدينية كاطلاق اللحى والحجاب الذي يغطي غالبية الجسد، بحيث تضعف معها حجة غواية المرأة للرجل بملابسها المكشوفة، كما يردد البعض. بل ان سعارا اصاب مجموعة كبيرة من الشباب في القاهرة قبل سنتين، فهجموا على الفتيات في مركز العاصمة ومزقوا ملابسهن وكانت غالبية الضحايا من المحجبات. حدث ذلك صبيحة عيد الفطر الذي تلا رمضان، شهر التعبد والبعد عن المعاصي.

الظاهرة ليست قاصرة على المجتمعين المغربي والمصري دون المجتمعات العربية الاخرى، ولكن الحراك الاجتماعي فيهما دفعا بهذه القضية الى السطح فصارت محل نقاش وجدل في حملة يساهم فيها اكاديميون واعلاميون ونواب في البرلمان ومثقفون. وعندما نتحدث عن المجتمعات العربية لا نخصها بهذه الوصمة، فالتحرشات ظاهرة موجودة في كل بلدان العالم، خصوصا تلك التي تحدث في اماكن العمل. لكن المجتمعات المتقدمة لم تبق التحرش الجنسي بحدود «الفعل غير اللائق» الفالت من العقوبة، بل تصدت له فعليا وحولته الى جرم يعاقب عليه بالحبس والغرامة، وبدفع تعويض للضحية. في الوقت الذي لا يزال فيه فعل التحرش الجنسي غير مجرّم في اي بلد عربي، وحتى لو حوكم الفاعل فانه يعاقب تحت مظلة قانون «الافعال المخلة بالاداب العامة»، وهذه عقوبتها تترواح ما بين التعزير وعقوبة السجن المخففة.

ان اول ما يتبادر الى الذهن حول سبب التجاهل القانوني، حقيقة استهتار المجتمع بهذا الفعل الشائن، خصوصا التحرش الذي يحدث في الطريق العام، فهو لا يثير كبير استهجان طالما ان الفتاة التي تتعرض له «ليست ابنتنا». انه فعل يتم التسامح فيه مع الشاب بحجج مختلفة منها انه طائش وشاب لا يعيبه «غير جيبه»، ويمضي حياته بعدها بصورة عادية من غير وصمة عار. بل ان اطلاق اللهجة العامية صفة «المعاكسة» على هذا الفعل يخفف ضمنيا من عدوانيته، وهو التعدي على المرأة كجنس آخر أضعف، بحسب ما ينظر لها اجتماعيا.

واذ يفسر بعض المتابعين الظاهرة بانها ناتجة عن الكبت الجنسي والقهر الاقتصادي وصعوبة فرص الزواج بين الشباب العرب، نضيف سببا اخر هو كبت طاقة الشباب الممنوع من كل شيئ تقريبا، فلا اراؤهم تسمع ولا نشاط يستوعب طاقاتهم المتفجرة، ذهنيا وجسديا، ما يدفع ببعضهم الى ردود فعل مخربة تتراوح بين التطرف والتسكع. ولكن المشكلة في اساسها من منظور حضاري تكمن بوجود خلل في النظرة للاخر في مجتمعاتنا، اذ ليس في ثقافتنا الاجتماعية ما يحترم «حدود» هذا الاخر. لا المناهج التربوية تركز على العلاقة بين فرد وفرد في المجتمع، ولا الاعلام ولا المشرعون ايضا، لان المسؤولين الاكارم مشغولون بوضع مسافة من الرهبة بين الفرد وبين السلطة بتجلياتها المتعددة. اما البحث في العلاقة بين الافراد، فهي حالة متأخرة ومتخلفة لا تشغل بال الدساتير والتشريعات العربية، وان مرت، خطأ، نقلا عن دساتير اخرى عالمية، فهي حبر على ورق ولا ترجمة فعلية لها على ارض الواقع. لهذا السبب نشهد ظواهر شاذة على نهج التحرش، مثل اهانة الخدم والعمالة الرخيصة والتطاول على اي فرد في الطريق العام. ولا ننسى الاهانة التي يرتكبها رجال الامن نحو الافراد باستخدام العنف البدني واللفظي لأتفه سبب. ضرب المتظاهرين في التظاهرات السلمية او تعذيب السجناء السياسيين نوع من الاهانة لجسد الفرد المعترض، وفي حالة المرأة يبدو أثر الفعل مضاعفا. كثيرون لا يزالون يذكرون حادثة تمزيق ملابس صحافية عربية كانت ضمن تظاهرة سياسية في بلدها، وكان الفعل نوعا من العقاب الشرقي بامتياز الذي يعتقد انه يهين المرأة بصورة مضاعفة عندما يعريها، وهو نوع من التحرش الجنسي الذي ينفذ من قبل ممثل السلطة على مواطنة حرة.

كل تلك المظاهر السلوكية تجتمع تحت عنوان غياب احترام الاخر، وهو في الخطاب الرسمي العربي للجموع التي تذكر في الخطابات الرسمية كنوع من العتاد وتوصف بالعظمة، ولكن «الخطاب العملي» ينظر الى الافراد متفرقين كرعايا لا كمواطنين.

التحرش بأنواعه، سواء تم داخل الاماكن المغلقة أو في الطرق العامة، يجب التصدي له بالقانون، ولا يمكن الاكتفاء بحملة النداءات عبر الانترنت وموقع اليوتيوب وبرامج التوعية الاعلامية، رغم التأثير الايجابي للشخصيات العامة في بعض القضايا، غير أنه تأثير يظل مؤقتا ومحدودا ولا يحمي الافراد في حالات التجاوز. ان الاتجاه لتجريم فعل التحرش الجنسي هو الخطوة الصحيحة للحدّ من فعل يتجاوز حدود الاخر ويعتدي على ملكيته الخاصة المتمثلة بجسده هذه المرة، وهذا ما ينتظر بحثته قريبا في البرلمان المغربي وما ستسعى اليه الحملة في مصر. وعسى ان تكون تشريعات من هذا النوع مقدمة لتشريعات عربية اخرى تحمي الافراد وتعلم المعتدي ان الاخر، والمرأة بالذات، ليس ملكية مرمية على الطريق خارج اي حماية قانونية، وان لكل فرد مجال حيوي يخصه ويحيط به يماثل المجال الجغرافي للدول برا وبحرا وجوا، مجرد تجاوزه يثير المساءلة وويتطلب انزال العقوبة.

غالية قباني | الحياة
الخميس 4 سبتمبر 2008