.
وتكتسب نتائج لجنة التحقيق أهميتها من إعلانها بصورة صريحة أن التحقيقات أثبتت قيام أحد المحققين بصفع غميرة على منطقة الرقبة، بالتوازي مع إعلان نتائج الخبرة الطبية بشأن سبب الوفاة، ثم إحالة المحقق إلى النيابة العامة والتوسع في التحقيق المسلكي مع مسؤولين آخرين، لتنتقل القضية من دائرة الاتهامات المتداولة إلى مسار قضائي يفترض أن يحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة.
الاعتراف بالتجاوز جزء من الحقيقة
يحمل إعلان اللجنة تعرض غميرة للصفع دلالة مهمة، لأن الدولة لم تنفِ التجاوز الذي أثبته التحقيق، رغم أن الخبرة الطبية، بحسب اللجنة، لم تسجل علامات ظاهرة لعنف أو شدة مرتبطة بالنزف الدماغي، وخلصت إلى أن الوفاة نتجت عن مضاعفات نزف دماغي لدى مريض مصاب بالناعور.
ويفصل هذا الإعلان بين مسألتين ينبغي عدم الخلط بينهما، الأولى تحديد السبب الطبي للوفاة، والثانية مساءلة أي شخص ارتكب مخالفة بحق موقوف، فعدم ثبوت ارتباط الصفعة بالوفاة، وفق النتائج المعلنة حتى الآن، لا يجعلها مقبولة أو يخرجها من دائرة المساءلة، وهذا تحديداً ما تعكسه إحالة المحقق إلى النيابة العامة.
المحاسبة هي الاختبار
تؤكد سرعة تشكيل لجنة التحقيق، ومراجعة الإجراءات المتخذة في قسم شرطة الحفة، والاستعانة بالخبرة الطبية، ثم الإعلان عن النتائج والإحالات القضائية والمسلكية، وجود توجه رسمي لمعالجة القضية عبر المؤسسات، خاصة أن متابعة وزارة الداخلية بدأت قبل إعلان وفاة غميرة واستمرت بعد وفاته، ولم تنطلق الإجراءات نتيجة الوفاة وحدها.
وتبرز أهمية ذلك في بلد يحمل السوريون فيه ذاكرة ثقيلة تجاه أجهزة الأمن في عهد نظام الأسد البائد، حين ارتبط الاعتقال لدى السوريين بالتعذيب والإخفاء والموت داخل مراكز الاحتجاز، وسط منظومة وفرت لعناصرها ومسؤوليها مستويات واسعة من الإفلات من المحاسبة.
ويصبح معيار التغيير في المؤسسة الأمنية، من هذه الزاوية، مرتبطاً بطريقة الاستجابة للتجاوز عندما يقع، فالانتهاكات الفردية يمكن أن تحدث داخل مؤسسات مختلفة، لكن الفارق الحقيقي تصنعه منظومة تمنعها قدر الإمكان، وتكشفها عندما تقع، وتحاسب مرتكبيها، وتراجع مواطن الخلل التي سمحت بحدوثها.
كرامة الموقوف مسؤولية الدولة
كما يعزز تصريح مستشار وزير الداخلية للشؤون القانونية وحقوق الإنسان العميد سامر الحسين هذا المفهوم، عندما أكد أن المحتجز أو نزيل السجن «أمانة»، وأن تقييد الحرية لا يعني المساس بالكرامة، وهي قاعدة يفترض أن تتحول إلى ممارسة ثابتة داخل مراكز الشرطة والتوقيف والسجون.
ويضع ذلك وزارة الداخلية أمام مسؤولية تتجاوز قضية غميرة، تتمثل في تحويل ما أعلنته إلى قواعد واضحة في التدريب والرقابة والمساءلة، لأن حماية كرامة الموقوف تبدأ منذ اللحظة التي يصبح فيها تحت سلطة الدولة، بغض النظر عن الاتهام الموجه إليه.
العدالة فوق الجميع
تعطي قضية غميرة مؤشراً مهماً على طبيعة العلاقة التي تسعى الدولة إلى بنائها بين المؤسسة الأمنية والمواطن، إذ إن الاعتراف بوقوع تجاوز وإحالة مرتكبه إلى القضاء لا يضعف المؤسسة، وإنما يعزز الثقة بها عندما يثبت أن القانون يسري أيضاً على العاملين داخلها.
وتبقى الكلمة الأخيرة للقضاء والتحقيقات الجارية، فهي التي ستحدد ما إذا وقع تقصير أو إهمال إضافي، ومن يتحمل المسؤولية عنه، وما العقوبات المستحقة، ولذلك فإن إعلان النتائج بشفافية واستكمال الإجراءات حتى نهايتها سيكونان الاختبار الأهم لجدية الدولة في هذه القضية.
في المحصلة، تختصر قضية محمد غميرة بذلك مبدأ يفترض أن يحكم المرحلة الجديدة: العدالة فوق الجميع، والموقع الأمني لا يمنح حصانة من المحاسبة، واعتراف الدولة بالحقيقة عندما تكشفها التحقيقات هو بداية العدالة، أما اكتمالها فيكون بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.
وتكتسب نتائج لجنة التحقيق أهميتها من إعلانها بصورة صريحة أن التحقيقات أثبتت قيام أحد المحققين بصفع غميرة على منطقة الرقبة، بالتوازي مع إعلان نتائج الخبرة الطبية بشأن سبب الوفاة، ثم إحالة المحقق إلى النيابة العامة والتوسع في التحقيق المسلكي مع مسؤولين آخرين، لتنتقل القضية من دائرة الاتهامات المتداولة إلى مسار قضائي يفترض أن يحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة.
الاعتراف بالتجاوز جزء من الحقيقة
يحمل إعلان اللجنة تعرض غميرة للصفع دلالة مهمة، لأن الدولة لم تنفِ التجاوز الذي أثبته التحقيق، رغم أن الخبرة الطبية، بحسب اللجنة، لم تسجل علامات ظاهرة لعنف أو شدة مرتبطة بالنزف الدماغي، وخلصت إلى أن الوفاة نتجت عن مضاعفات نزف دماغي لدى مريض مصاب بالناعور.
ويفصل هذا الإعلان بين مسألتين ينبغي عدم الخلط بينهما، الأولى تحديد السبب الطبي للوفاة، والثانية مساءلة أي شخص ارتكب مخالفة بحق موقوف، فعدم ثبوت ارتباط الصفعة بالوفاة، وفق النتائج المعلنة حتى الآن، لا يجعلها مقبولة أو يخرجها من دائرة المساءلة، وهذا تحديداً ما تعكسه إحالة المحقق إلى النيابة العامة.
المحاسبة هي الاختبار
تؤكد سرعة تشكيل لجنة التحقيق، ومراجعة الإجراءات المتخذة في قسم شرطة الحفة، والاستعانة بالخبرة الطبية، ثم الإعلان عن النتائج والإحالات القضائية والمسلكية، وجود توجه رسمي لمعالجة القضية عبر المؤسسات، خاصة أن متابعة وزارة الداخلية بدأت قبل إعلان وفاة غميرة واستمرت بعد وفاته، ولم تنطلق الإجراءات نتيجة الوفاة وحدها.
وتبرز أهمية ذلك في بلد يحمل السوريون فيه ذاكرة ثقيلة تجاه أجهزة الأمن في عهد نظام الأسد البائد، حين ارتبط الاعتقال لدى السوريين بالتعذيب والإخفاء والموت داخل مراكز الاحتجاز، وسط منظومة وفرت لعناصرها ومسؤوليها مستويات واسعة من الإفلات من المحاسبة.
ويصبح معيار التغيير في المؤسسة الأمنية، من هذه الزاوية، مرتبطاً بطريقة الاستجابة للتجاوز عندما يقع، فالانتهاكات الفردية يمكن أن تحدث داخل مؤسسات مختلفة، لكن الفارق الحقيقي تصنعه منظومة تمنعها قدر الإمكان، وتكشفها عندما تقع، وتحاسب مرتكبيها، وتراجع مواطن الخلل التي سمحت بحدوثها.
كرامة الموقوف مسؤولية الدولة
كما يعزز تصريح مستشار وزير الداخلية للشؤون القانونية وحقوق الإنسان العميد سامر الحسين هذا المفهوم، عندما أكد أن المحتجز أو نزيل السجن «أمانة»، وأن تقييد الحرية لا يعني المساس بالكرامة، وهي قاعدة يفترض أن تتحول إلى ممارسة ثابتة داخل مراكز الشرطة والتوقيف والسجون.
ويضع ذلك وزارة الداخلية أمام مسؤولية تتجاوز قضية غميرة، تتمثل في تحويل ما أعلنته إلى قواعد واضحة في التدريب والرقابة والمساءلة، لأن حماية كرامة الموقوف تبدأ منذ اللحظة التي يصبح فيها تحت سلطة الدولة، بغض النظر عن الاتهام الموجه إليه.
العدالة فوق الجميع
تعطي قضية غميرة مؤشراً مهماً على طبيعة العلاقة التي تسعى الدولة إلى بنائها بين المؤسسة الأمنية والمواطن، إذ إن الاعتراف بوقوع تجاوز وإحالة مرتكبه إلى القضاء لا يضعف المؤسسة، وإنما يعزز الثقة بها عندما يثبت أن القانون يسري أيضاً على العاملين داخلها.
وتبقى الكلمة الأخيرة للقضاء والتحقيقات الجارية، فهي التي ستحدد ما إذا وقع تقصير أو إهمال إضافي، ومن يتحمل المسؤولية عنه، وما العقوبات المستحقة، ولذلك فإن إعلان النتائج بشفافية واستكمال الإجراءات حتى نهايتها سيكونان الاختبار الأهم لجدية الدولة في هذه القضية.
في المحصلة، تختصر قضية محمد غميرة بذلك مبدأ يفترض أن يحكم المرحلة الجديدة: العدالة فوق الجميع، والموقع الأمني لا يمنح حصانة من المحاسبة، واعتراف الدولة بالحقيقة عندما تكشفها التحقيقات هو بداية العدالة، أما اكتمالها فيكون بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته أمام القضاء.


الصفحات
سياسة









