لكن المفارقة التي أثارت جدلاً واسعاً هي أن هذا “الشريك المحتمل” لم يكن الجنرال مظلوم عبدي، القائد الأكثر فعالية في الحرب على داعش، بل كان أبو محمد الجولاني، الرجل الذي قاد واحدة من أكثر التنظيمات الإسلامية تشدداً قبل أن يعيد تقديم نفسه بصورة جديدة.
السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم هو: لماذا الجولاني وليس مظلوم عبدي؟
هذا السؤال لا يتعلق بالأخلاق أو التاريخ، بل يتعلق بالبراغماتية السياسية، وبكيفية تفكير القوى الكبرى عندما تختار وكلاءها المحليين.
أولاً: الجولاني أثبت أنه أكثر براغماتية… وأكثر قابلية للتطويع
الجولاني، رغم خلفيته الجهادية، قدّم نفسه خلال السنوات الماضية بصورة مختلفة تماماً:
- تخلى عن الخطاب الجهادي التقليدي
- قدّم نفسه كقائد محلي “واقعي”
- بنى جهازاً أمنياً فعالاً
- ضبط إدلب بقبضة حديدية دون فوضى واسعة
- فتح قنوات اتصال غير مباشرة مع الغرب
- أظهر استعداداً للتكيف مع أي صيغة سياسية تضمن بقاءه
هذه البراغماتية جعلته – في نظر بعض الدوائر الغربية – قابلاً للتطويع، وقادراً على لعب دور “رجل المرحلة” في منطقة معقدة.
الجولاني فهم اللعبة: إذا أردت أن تبقى، فعليك أن تتغير.والغرب فهم الرسالة.
ثانياً: مظلوم عبدي… قائد قوي لكنه غير قابل للفصل عن قنديل
مظلوم عبدي يمتلك نقاط قوة لا يملكها الجولاني:
- شرعية قتالية اكتسبها من الحرب على داعش
- قوات منظمة ومنضبطة
- تجربة إدارية واسعة
- دعم شعبي كردي
- علاقات قوية مع واشنطن
لكن لديه نقطة ضعف واحدة، وهي في نظر الغرب نقطة ضعف قاتلة:
لا يمكن فصله عن قنديل.
الولايات المتحدة حاولت لسنوات أن تصنع منه شريكاً مستقلاً، لكنها فشلت في قطع الخيط الأيديولوجي والتنظيمي الذي يربطه بحزب العمال الكردستاني.
وهذا الارتباط يجعل أي دعم غربي مباشر له مشكلة سياسية مع تركيا، العضو في الناتو، واللاعب الأكثر حساسية تجاه الملف الكردي.
الغرب لا يريد الدخول في مواجهة استراتيجية مع أنقرة من أجل مشروع كردي غير مضمون.
لذلك، رغم احترامهم لعبدي، فإنهم يرونه: قائداً قوياً… لكنه غير قابل للفصل عن منظومته.
وهذه مشكلة في الحسابات الغربية.
ثالثاً: الجولاني لا يهدد أحداً خارج سوريا… بينما عبدي يهدد تركيا:
الغرب ينظر إلى الجولاني كقوة محلية محصورة في إدلب، لا تمتلك مشروعاً عابراً للحدود.
أما مظلوم عبدي، فهو جزء من حركة كردية إقليمية تمتد من جبال قنديل إلى شمال سوريا، وتملك مشروعاً قومياً واسعاً.
الجولاني لا يهدد تركيا.
عبدي – بحكم موقعه – يهددها سياسياً وأمنياً.
وهذا وحده كافٍ لتحديد خيارات الغرب.
رابعاً: الجولاني يقدم “استقراراً أمنياً” في إدلب… والغرب يحب الاستقرار:
الغرب لا يبحث عن الديمقراطية في سوريا، بل عن الاستقرار الأمني.
الجولاني أثبت أنه قادر على:
- ضبط إدلب
- منع الفوضى
- منع تمدد داعش
- إدارة اقتصاد محلي
- التعامل مع المنظمات الدولية
- تقديم نفسه كقوة “معتدلة نسبياً” مقارنة بالماضي
هذه القدرة على فرض النظام جعلته – في نظر بعض الدوائر – شريكاً عملياً.
أما مظلوم عبدي، فمشروعه أكبر من مجرد إدارة منطقة.
هو قائد لقوة لها طموحات سياسية، ولها مطالب قومية، ولها رؤية طويلة المدى.
الغرب لا يحب الطموحات الكبيرة. يحب الشركاء الذين يريدون البقاء… لا التغيير.
خامساً: الجولاني لا يملك قضية قومية… وعبدي يملك قضية.
الجولاني يريد السلطة.
عبدي يريد حقوقاً قومية للكرد.
الغرب يفضّل من يريد السلطة فقط، لأنه يمكن التفاوض معه بسهولة، ويمكن الضغط عليه.
أما من يحمل قضية قومية، فهو شريك صعب، لأنه لا يتنازل بسهولة، ولا يقبل أن يكون مجرد أداة.
خلاصة رأيي:
اختيار الجولاني ليس اعترافاً بفضله، ولا مكافأة على تاريخه، بل هو اختيار مبني على البراغماتية الغربية التي تبحث عن:
- شريك قابل للتطويع
- لا يهدد تركيا
- لا يحمل مشروعاً قومياً
- لا يرتبط بتنظيم إقليمي
- قادر على فرض الاستقرار الأمني
أما مظلوم عبدي، فهو قائد قوي، لكنه مرتبط بحركة لا يريد الغرب الدخول في صراع معها أو تبني مشروعها.
الجولاني اختير لأنه الأكثر براغماتية.
وعبدي لم يُختر لأنه الأكثر ارتباطاً بقضية أكبر من حدود سوريا.
هذه هي الحقيقة القاسية في حسابات القوى الكبرى:
الغرب لا يختار الأفضل… بل يختار الأنسب لمصالحه.
**ملحوظة صغيرة:**
المقال مختصر بطبيعته ولا يمكن تناول كل المحاور فيه، لذلك يُفضَّل قراءة التعليقات أيضاً لاستكمال الصورة بشكل نسبي ومتابعة النقاش من زوايا مختلفة.


الصفحات
سياسة








