تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

شعرة معاوية المفقودة

10/10/2026 - سقراط العلو

تهالك البحث العلمي في جامعاتنا

08/10/2026 - فاروق إسماعيل

مصادرة الإسلام

07/10/2026 - خلف علي الخلف


سوريّو الداخل وسوريّو الشتات.. الفجوة الثقافية والقيمية بين العائدين والمقيمين






أنتجت الحرب السورية، خلال عقد ونيّف، ما يمكن تسميته «مجتمعين بذاكرة واحدة». فالتهجير الذي طال قرابة نصف السكان السوريين لم يكتفِ بإعادة توزيعهم على الخريطة الوطنية والعالمية، وإنما أعاد تنشئتهم في سياقات متنافرة، من مدن محاصرة تعيش يومها باقتصاد الكفاف، ومخيمات حدودية عالقة في مؤقّت يطول مع الأردن وتركيا ولبنان، ومجتمعات استقبال في أوروبا وأميركا الشمالية فرضت على القادمين قواعدها وتقاليدها القانونية في العمل والأسرة والفضاء العام.


  وخلال تلك السنوات، نشأ جيل كامل لم يعرف سوريا إلا عبر روايتين؛ رواية من يعيش الحصار والانقطاع والرعب اليومي، ورواية من يُتابعها عبر الشاشات ومجموعات ومساحات المغتربين وأخبار الأقارب المتقطّعة. وكل رواية من هاتين صاغت لأصحابها خريطة ذهنية ووجدانية خاصة، فيها ما يُحتمل وما لا يُغتفر، ومن يُعدّ ضحية ومن يُعدّ ناجياً من تلك المعركة على مدار السنين الماضية.

ومع سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 وبدء موجات العودة، انشغل النقاش العام بالبعد الإجرائي للعودة، فهناك السكن المدمَّر، والوثائق المفقودة، والملكيات المسلوبة والمتنازع عليها، والخدمات التي تكاد تكون معدومة. وهي قضايا ملحّة من دون أدنى شك، غير أن الانشغال بها حجب بُعداً أعمق لا ترصده الاستبيانات والإحصاءات. فأدبيات «هجرة العودة» في الاقتصاد والتنمية دأبت على معاملة العائدين إما بوصفهم مورداً (تحويلات، وخبرات، واستثمارات) أو عِبئاً (ضغطاً على الخدمات وسوق العمل والمراكز الإدارية والحكومية)، في حين تقتضي القراءة السوسيولوجية النظر إلى العودة على اعتبار أنها إعادة تفاوض على المواقع الاجتماعية، وعلى من يملك حق الكلام باسم البلد ومن يملك سلطة تعريف ما جرى فيه.

وهذه المقالة تنطلق من فرضية مفادها أن العودة تمثل اختباراً لقدرة جماعة وطنية متشظّية على إعادة تعريف ذاتها، وأن الصراع المقبل على معنى «السوري» سيدور بين من بقوا ومن رحلوا بالحدّة نفسها التي يدور بها بين القوى السياسية والحزبية والتيارات الفكرية، وإن اتّخذ أشكالاً أقل صخباً وأكثر رسوخاً في فضاء الحياة اليومية.

تتغلغل هذه المواجهة في أكثر الدوائر حميمية، حيث يدخل أطفال يفكّرون بالتركية أو الألمانية أو الإنجليزية أو السويدية فصولاً دراسية لم تُهيَّأ لاستقبالهم، فتغدو اللغة حدّاً رمزياً يفصلهم عن أقرانهم، ويتحوّل ضعف عربيتهم إلى علامة اجتماعية تلاحقهم في الملعب والحيّ.

سوسيولوجيا العائد «الاستغراب والاغتراب في الوطن»

كتب ألفريد شوتز عام 1945 مقالته «العائد»، متأمّلاً الجنود الأميركيين بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهى إلى ملاحظة غدت أساساً لكل دراسة لاحقة في العودة، وقال: «يرجع المرء متوقّعاً أن يستأنف حياته في عالم يعرفه، فيصطدم بأن المسلّمات التي كانت تنظّم علاقته بأهله قد تآكلت في غيابه»، وهذا معناه أن معرفة العائد بوطنه معرفة ضعيفة، توقّفت عند لحظة رحيله، بينما واصل المجتمع إنتاج معانيه وتراتباته وأبجدياته دون أن ينتظر أحداً.

ويجد هذا التحليل في الحالة السورية تجسيداً بالغ الوضوح، فدمشق التي يحملها العائد في ذاكرته هي دمشق عام 2012 أو 2013، بأحيائها وأسواقها وقراها ومزارعها وشبكات معارفها ورموزها وقواعدها الاجتماعية وقيمها الأخلاقية، في حين أن المدينة التي يعود إليها شهدت صعود فئات جديدة راكمت ثرواتها من اقتصاد الحرب، وتبدّلاً في التركيبة السكانية لأحياء بكاملها، وتحوّلاً في المعجم اليومي ذاته؛ إذ دخلت مفردات وأعراف في المعاملات اليومية لم يعهدها، وسقطت أخرى كان يظنّها راسخة. فيكتشف أن ما ظنّه عودة إلى الأصل هو في حقيقته هجرة ثانية، إلى بلد يحمل الاسم نفسه.

ويكشف عبد المالك صيّاد، في تحليله للهجرة الجزائرية إلى فرنسا، الوجه الآخر للمعضلة عبر مفهوم «الغياب المزدوج»؛ فالمهاجر غائب عن الجماعة التي خرج منها، وعاجز عن بلوغ الحضور التام في الجماعة التي استقبلته. ويقلب السوري العائد هذه المعادلة دون أن يفلت من تصنيفاتها، فهو يرجع حاملاً بصمات مجتمع المستقبلين في لغته ومعاييره وثقافته المكتسبة وتوقّعاته من بلد المهجر، فيجد نفسه في وضع «الحضور المنقوص». وكثيراً ما يبلغ هذا الوضع ذروته حين يكتشف العائد أنه كان السوري في بلد المهجر، ثم صار المغترب في بلده، فلا تمنحه أيٌّ من الجماعتين الاعتراف والانتماء والتواصل الكامل.

وقد نبّه المفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد إلى أن المنفى، على قسوته، يورث صاحبه وعياً سماه «طِباقياً»، يرى الوطن والمهجر في آن، ويقارن بينهما باستمرار. وإن هذا الوعي هو رأسمال العائد الأثمن، وهو ذاته موضع الريبة التي يستقبله بها من لم يغادر. فالمقارنة التي يُجريها العائد، ولو صامتاً، بين ما رآه هناك من أمور أبهرته، وما يجده هنا من أمور صدمته، سيعتبرها من في الداخل السوري حكماً ضمنياً على من بقي، ونقداً متعالياً صادراً عمّن لم يدفع ثمن البقاء محاصراً في وطنه.

صراع الرساميل السورية؛ الصمود في مواجهة الخبرة

يتيح الجهاز المفاهيمي لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو قراءة أعمق لما يجري، فالهابيتوس، بوصفه بنية استعدادات مستدمجة تولّد الممارسة من دون قصد واعٍ، تشكّل لدى السوريين في حقلين متباعدين. فقد أنتج حقل الداخل هابيتوس النجاة، أي معرفة دقيقة بالحواجز والوسطاء ومكامن الفساد والقوة والضعف العميق لدى النظام الساقط ولدى الشخصيات والقيادة الجديدة، وثقة بشبكات القرابة تعوّض غياب المؤسسة، وارتياب مزمن من كل ما هو رسمي. وأنتج حقل الشتات هابيتوس المؤسسة، أي انتظار الخدمات مقابل الضرائب، والاحتكام إلى الإجراءات المكتوبة، والنظر إلى الفرد باعتباره وحدة الحقوق الأساسية. ويظهر الفارق في أبسط المعاملات، فحين يحتاج المقيم إلى إنجاز ورقة رسمية، يبدأ بالبحث عمّن «يعرف أحداً» في الدائرة المعنية، بينما يبدأ العائد بالسؤال عن الموعد والنموذج المطلوب، ويستغرب أن يكون الطريق الأقصر يمرّ عبر علاقة شخصية (تزكية أو محسوبيات). وفي كلا النمطين استجابة عقلانية لشروط الواقع الجديد، والمأزق يبدأ حين ينتقل أحدهما إلى حقل الآخر، فيبدو سلوكه المتّسق في سياقه الأصلي شاذاً أو مستفزاً وغير عادي.

وإن هذا اللقاء لا يجري بين ثقافتين متكافئتين، فهو يحدث في سوق رمزية تُسعَّر فيها الرساميل، حيث يحمل العائد رأسمالاً ثقافياً قابلاً للتحويل، مثل شهادات أجنبية، ولغات، وخبرة في المنظمات الدولية، وقدرة على مخاطبة المانحين، وفهم للقانون والأعراف في الشأن العام. ويحمل المقيم رأسمالاً من طبيعة أخرى، أي شرعية أخلاقية مستمدّة من استمراره بالبقاء، ومعرفته بالأرض والناس في الداخل. ويذكّرنا بورديو بأن قيمة أي رأسمال ليست كامنة فيه، فهي تتحدّد بالحقل الذي يُصرف فيه وبالسلطة التي تملك حق الاعتراف به. وفي سوق العمل وورش إعادة الإعمار، يُرجَّح أن تميل الكفّة إلى الرأسمال الأول لأنه يتكلّم لغة المؤسسات المانحة والمستثمرين الأجانب، فيتولّد لدى المقيم إحساس بأن صموده قيد الاستغلال، ولدى العائد إحساس بأن كفاءته محلّ تشكيك دائم. وبين الإحساسين تتشكّل حساسية متبادلة قابلة للتسييس وإثارة الفوضى والمشاكل في أي لحظة.

وتتغلغل هذه المواجهة في أكثر الدوائر حميمية، حيث يدخل أطفال يفكّرون بالتركية أو الألمانية أو الإنجليزية أو السويدية فصولاً دراسية لم تُهيَّأ لاستقبالهم، فتغدو اللغة حدّاً رمزياً يفصلهم عن أقرانهم، ويتحوّل ضعف عربيتهم إلى علامة اجتماعية تلاحقهم في الملعب والحيّ. وتعود نساء خبرن الاستقلال المالي وقوانين أسرة مختلفة، ليلتقين بنساء صرن المعيلات الفعليات لأسرهن بعد غياب الرجال قتلاً أو اعتقالاً أو هجرة؛ صيغتان من التحرّر تتجاوران دون أن تنبعا من المصدر ذاته. ومن المتوقّع أن تكون الأسرة، قبل البرلمان، الساحة الأولى التي تُحسم فيها هذه التوترات، في خيارات الزواج وتربية الأبناء وتقسيم الأدوار داخل البيت والمجتمع في المدن والأرياف والتجمعات السورية.

ويمنح ابن خلدون هذا التحليل عمقه التاريخي حين يقرّر أن «المغلوب مولعٌ أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده». وإن طبيعة هذه الغلبة في السياق السوري الراهن اقتصادية ورمزية، تعزّزها حقيقة أن أسراً كثيرة في الداخل عاشت سنوات على تحويلات أبنائها في الخارج. فإذا احتلّ نموذج العائد موقع «الغالب»، صار المقيم مطالباً بالتشبّه به، واختُزلت تجربة البقاء في تأخّر ينبغي تداركه. والحصيلة المحتملة تراتبية جديدة داخل الجماعة الوطنية؛ مواطنون يحملون جوازات سفر ثانية تمنحهم خيار المغادرة متى شاؤوا، وآخرون لم يملكوا يوماً القدرة على الاختيار الثاني والرحيل.

إن الفجوة بين الداخل والشتات السوري معطى بنيوي ناتج عن تاريخ من التمزّق القسري، وإنه من العبث إنكارها أو المراهنة على ذوبانها التلقائي بمرور الزمن.

الهوية الأصيلة بوصفها صيرورة

يستند كثير من الخطاب السوري المتداول إلى افتراض ضمني بوجود هوية أصيلة سابقة على الحرب، ويُقاس بها انحراف الطرفين. فالمقيم يرى في العائد كائناً تغرّب، وفقد شيئاً من سوريّته وقيمه وانتمائه، والعائد يرى في المقيم مجتمعاً تشوّه بفعل القمع والحرب، وتغيّرت سلوكياته وعقليته. وكلا الحكمين يستبطن صورة مثالية لسوريا لم توجد قط على النحو الذي يُتخيَّل. وهو افتراض لا يصمد أمام النقد السوسيولوجي. فقد اعتبر ستيوارت هول أن الهوية الثقافية صيرورة، وهي تتكوّن في المواقع التي يحتلّها الفاعلون داخل السرديات. ويضيف أمين معلوف أن الهوية تتراكم من انتماءات متعدّدة على امتداد العمر، وأن اختزالها في انتماء واحد هو ما يحوّلها إلى أداة إقصاء. وبهذا المنظور، يملك الإنسان السوري الذي عاش في برلين ولندن واستوكهولم، والسوري الذي عاش في دوما واعزاز وإدلب ودرعا، ويتقاسمان حصصاً متساوية في رسم ملامح المستقبل، إذ لا يُصنع هذا المستقبل إلا بأيديهما معاً.

وتزداد الصورة تعقيداً إذا استحضرنا مفهوم الجماعة المتخيَّلة عند بندكت أندرسون، والذي يرى أن الأمة متخيَّلة لأن أفرادها لن يعرفوا معظم مواطنيهم أبداً، ومع ذلك يحمل كل منهم في ذهنه صورة عن جماعته. ولقد تخيّل سوريو الشتات وطنهم طوال عقد عبر وسائل التواصل والأخبار والحنين، وبعد التحرير من خلال الزيارات الخاطفة واللقاءات العابرة، بينما عاشه سوريو الداخل واقعاً مادياً يومياً، وصارت لديهم صور ذهنية مختلفة، وتمثل العودة لحظة يصطدم فيها التخيّلان، ويُضطرّ كل منهما إلى تعديل صورته عن الآخر وعن الوطن معاً.

ومن استحضار الأطر النظرية في هذه العلاقة، يظلّ تعريف إرنست رينان للأمة، في محاضرته عام 1882، الأقرب إلى الحالة السورية: الأمة «استفتاء يومي» على إرادة العيش المشترك. وبالتالي، فإن السؤال المطروح على السوريين يتعلّق بالشروط التي تجعل هذا الاستفتاء ينتهي بالموافقة، أكثر مما يتعلّق بمن هو الأحقّ بالوطن. ويقتضي ذلك تدخّلاً مؤسسياً مقصوداً، وذلك من خلال سياسات تعليمية تعتبر التعدّد اللغوي والثقافي للأطفال السوريين العائدين مورداً عظيماً، وتحدّد معايير توظيف عامة تدرج خبرة الذين صمدوا وبقوا في الحساب إلى جانب الشهادات والخبرات العائدة، والعمل على ترسيخ ذاكرة عامة في المتاحف والمناهج والإعلام تحفظ للتهجير وللصمود موقعين متجاورين ومتكاملين في السردية الوطنية الجديدة.

نحو عقد للعيش المشترك

إن الفجوة بين الداخل والشتات السوري معطى بنيوي ناتج عن تاريخ من التمزّق القسري، وإنه من العبث إنكارها أو المراهنة على ذوبانها التلقائي بمرور الزمن. فالتجارب المقارنة في مجتمعات ما بعد النزاع تُظهر أن الشروخ المتروكة دون معالجة تتحوّل إلى خطوط انقسام سياسي تُستثمر عند أول أزمة، ويتلقّفها من يبحث عن رصيد اجتماعي يحشده ضد خصومه. ولكن الحالة السورية تملك ما لم تملكه تجارب كثيرة. فنحن عندنا كتلة بشرية في الخارج راكمت رساميل معرفية ومهنية واسعة، وكتلة سكانية في الداخل تحتفظ بالشرعية والمعرفة والخبرة المحلية، ومشروع إعادة البناء رهين بتحويل هذا التمايز إلى تواصل واعتراف وتعايش دائم. وهو موجود في فلسفة الفيلسوف البريطاني إميل دوركهايم، ما سماه بـ«التضامن الآلي»، وهو يقوم على التشابه بين الأفراد في القيم وأنماط العيش والعادات، و«التضامن العضوي»، والذي يقوم على الاختلاف والتكامل في تقسيم الأدوار الاجتماعية. وإن شرط تحقق هذا التضامن أن تكون هناك حماية قانونية تؤطّر الشعب كله على الاعتراف المتبادل بشرعية تجاربهم المختلفة، وعلى كتابة سردية وطنية يجد فيها كلٌّ منهم مكانه دون أن يُطلب منه التنكّر أو الإقرار بما شهده وعاشه.
-------------
تلفزيون سوريا


طالب الدغيم
الاربعاء 14 أكتوبر 2026