يكثر أن نسمع المسؤولين في إدارات جامعاتنا خلال المناسبات؛ ولا سيما الندوات والمؤتمرات، وهم يردّدون بأنها صروح علمية شامخة، ويتباهون بمستوى النشر العلمي، ومدى حرصهم على دعمه وتشجيعه. ولكن الواقع يشي بخلاف ذلك؛ فالطابع الإعلامي الشكلي غالبٌ فيها، والمجلات العلمية ضعيفة المستوى والانتشار، والسرقات العلمية شائعة في الرسائل العلمية، ومستلزمات البحث العلمي في مكاتب العمل غائبة، والإجراءات الإدارية المعقدة فائقة، مما يجعل ذلك الوصف مجرّد شعار نظري مستهلك مُملّ.
لا جدوى من التباهي، خلافاً للواقع؛ بالمؤتمرات إن لم تُنشر بحوثها في مجلدات ورقية وإلكترونية -خلال مدة زمنية مناسبة- بالمجلات العلمية المحكّمة إن ظلّت حبيسة رفوف مكاتب معينة. البحث العلمي في جامعاتنا ضعيف متهالك، ومعظم الباحثين فيها لا ينشرون إلا الأقل اللازم للارتقاء في المرتبة العلمية، فقد اطّلعت على بحث إحصائي قيّم في مستواه العلمي، منشور في مجلة جامعة اللاذقية – سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية (2024)، يتضمن أرقاماً مذهلة عن الوضع البحثي في تلك الجامعة.
ويبدو لي أن ذلك يزداد أكثر بعد أن يحقق الوصول إلى مرتبة “أستاذ”، في الوقت الذي يُفترض أنه بداية الكفاءة والتمكّن والقدرة على البحث العلمي الرصين. تشير الدراسة التحليلية الإحصائية التي تتناول بحوث العلوم الإنسانية المنشورة في مجلة الجامعة خلال تسع سنوات (2015-2023) إلى معطيات مؤسفة، على الرغم من أنها كانت مجلة متساهلة في النشر خلال تلك الفترة.
من أبرز هذه المعطيات أنه بلغ عدد البحوث المنشورة 1687 بحثاً؛ أي بمعدل نحو 188 بحثاً في السنة الواحدة، في أحد عشر قسماً تعليمياً يعمل فيها أكثر من مئة. معظم الباحثين لم ينشروا سوى بحث وحيد في مجلة جامعتهم خلال تسع سنوات، إذ بلغت نسبتهم أكثر من 52 بالمئة. هناك أقسام نشرت أقل من أربعة بحوث في السنة، مثل أقسام (الأدب الإنكليزي، الصحافة والإعلام، المكتبات)، وأخرى أقل من ثمانية بحوث (الأدب الفرنسي، الجغرافيا) معظمها لمؤلف واحد. ولم يتميز بينها سوى قسم التربية والتعليم الذي نشر نحو خمسين بحثاً في السنة.
لم يتميز سوى باحث واحد، إذ نشر أكثر من 12 بحثاً خلال تسع سنوات؛ هذا يعني أنه أنجز بحثاً واحداً كل تسعة شهور، وهي حالة فريدة. ويفيد جدول يعرض الدوريات التي استشهد الباحثون ببحوث منشورة فيها إلى أن العاملين في جامعة اللاذقية لا يطلعون على البحوث المنشورة في مجلات جامعة حلب إطلاقاً. واطلاعهم على جامعة حمص قليل جداً. وهو أمر غريب، يثير التساؤل.
تؤكد هذه الملاحظات وغيرها ضعف الإنتاج البحثي للعاملين في الجامعة، ولا تختلف الحال في الجامعات الأخرى، بل ربما يكون أسوأ، فما الأسباب، ومن يتحمل المسؤولية، وما المؤمّل والممكن؟
الباحثون العاملون في الجامعات لا يحتاجون إلى التوعية بأهمية البحث العلمي، بل إلى توفير الظروف المناسبة والتشجيع والمتابعة، والمحاسبة أيضاً. والمسؤولية تقع على إدارة الجامعة والوزارة أولاً، ثم المدرّس الجامعي الباحث. لندع الجانب المالي جانباً، ولندع الباحث يتولى تأمين حاسوب خاص به بنفسه؛ ألا يحتاج إلى مكان صغير نظيف، تتوافر فيه إمكانية الاتصال بالمواقع الإلكترونية الداخلية والخارجية بسهولة؟!
الوزارة ليست للتعليم فحسب؛ بل للبحث العلمي بدرجة مماثلة. والحرص على التطوير والتجديد يتطلب توفير الظروف المناسبة. لقد باتت الجامعات تفرض الدوام اليومي في المكاتب، فماذا يفعل المدرّس خلالها، باستثناء احتمال مقابلة بعض الطلبة العابرين؟ كيف يمكن أن نطلب منه تطوير إمكاناته البحثية والمعرفية، ونحن لا نوفر له أدنى المستلزمات؟
عندما يتحقق ذلك؛ يمكن أن نطالبه بإنجاز بحثين في السنة على الأقل، ويمكن أن نحاسبه بوسائل عديدة. لتبدأ الإدارة بواجباتها، ثم تطالب، بل يمكن أن تنقذ كثيرين من الزملاء المتمكنين الراسخين في العلم والبحث، الذين هدّت قواهم ظروف الحياة القاسية التي مروا بها خلال الفترة الماضية العصيبة
----------
ثورة .


الصفحات
سياسة








