تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

نوبل و"عبده مشتاق"

15/10/2026 - ابراهيم عبد المجيد

شعرة معاوية المفقودة

10/10/2026 - سقراط العلو

تهالك البحث العلمي في جامعاتنا

08/10/2026 - فاروق إسماعيل


ثلث قرن على رحيل نهاد قلعي.. صانع البهجة الذي غرق في أحزانه وجحود رفاق دربه





ظهيرة يوم الثلاثاء 19 أكتوبر/تشرين الأول 1993 خرجت دمشق في جنازة مهيبة، سار فيها عشرات الآلاف لتودع واحدا من أبنائها ونجومها. وغص شارع بغداد حيث تقع مقبرة (الدحداح) بالمارة والمشيعين الذين تهافتوا لحمل نعش رجل طالما أسعدهم وأشاع البهجة في نفوسهم.
وأمام جامع (لالا باشا) بدمشق، حضر الوسط الفني السوري بنجومه وممثليه ومطربيه وملحنيه وأجياله المختلفة ليودعوا عميدهم الفنان نهاد قلعي


 كنتُ صحفيا في مقتبل حياتي المهنية، حين رافقتُ تلك الجنازة من منزل الفنان الراحل في جادة الشطة بحي المهاجرين، حتى مثواه الأخير في مقبرة (الدحداح) فقد كانت حدثا فنيا واجتماعيا بكل معنى الكلمة، وأحسب أنها الأضخم شعبيا من حيث المشاركة والحضور بين كل الجنازات التي شهدتها دمشق في تسعينيات القرن العشرين، وكأن السوريين خرجوا ليودعوا فنانا شعروا أنه ظلم في أواخر سني حياته، وأنه أعطى أكثر مما أخذ، وأن هذا الظلم الذي تعرض له جاء من أقرب المقربين إليه، رفيق دربه الذي شكل معه الثنائي الكوميدي الأشهر في الوطن العربي: دريد لحام.

خطأ الميلاد الشائع

ينتمي نهاد قلعي لأسرة دمشقية عريقة من حي سوق ساروجة الذي كان يضم خليطا من الأغنياء والموسرين وأبناء الطبقة المتوسطة في المدينة. كان جده واحدا من أثرياء دمشق الذين فقدوا ثروتهم بسبب مراهنتهم اقتصاديا على انتصار ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية عبر شراء العملة الألمانية بالذهب.
والشائع حتى في سجلات نقابة الفنانين، أن نهاد قلعي هو من مواليد مدينة زحلة اللبنانية عام 1928 لأب سوري كان يعمل موظفا في البريد والبرق اللبناني، واختار أن يقرن اسمه باسم عائلة أمه وأبيه معا، فكان هذا الأب هو (محمد رفقي قلعي حقي) لكن الحقيقة التي يصححها ويثبتها عم نهاد، الأديب والسفير الدكتور بديع حقي في كتاب سيرته الذاتية (الشجرة التي غرستها أمي) أن نهاد ولد في دمشق، في دار جده في حي سوق ساروجة، وأنه شهد ولادته بنفسه، إلا أن والد نهاد، سجله في زحلة حيث كان يعمل، فظل يعتقد لفترة من الزمن أنه من مواليد مدينة زحلة. يقول الدكتور بديع حقي في كتابه:
إعلان
"ولقد ولد نهاد في بيت الطفل نفسه، فقد كان عمه بديع يكبره بسنوات قلائل، ولا يزال الطفل يذكر كيف قدمت زوجة أخيه رفقي من زحلة، حيث كان يعمل زوجها موظفا بالبريد، لتضع في دار حميها بدمشق". الشجرة التي غرستها أمي، ص (31).
ارتبط نهاد من جهة الأب بقرابة وصداقة وثيقة مع عمه الذي سيغدو شاعرا وروائيا وقاصا من كبار أدباء سوريا، أما من ناحية الأم فقد ربطته علاقة قربى بأحد رموز الفن في تلك الفترة، خاله الرائد المسرحي توفيق العطري، الذي أوصى عائلة أخته بضرورة أن تدخر لكي ترسل ابنها الموهوب ليدرس التمثيل في معهد الفنون في القاهرة، بعد أن حصل على الشهادة الثانوية.
وبعدما خاض تجارب مهمة في مسرح ثانوية التجهيز بدمشق حيث كان يدرس نهاد قلعي، وحيث تتلمذ فنيا على يد الرائد عبد الوهاب أبو السعود.
ولهذا كان باستطاعة الأهل أن يحققوا لابنهم ذلك الحلم – ولو بصعوبة – لولا أن الأقدار كانت له بالمرصاد. فبعد أن قابل نهاد قلعي مدير معهد التمثيل في القاهرة الفنان زكي طليمات أثناء إحدى زياراته لدمشق، والذي تحمس له وأعلن قبوله في المعهد على مسؤوليته، استطاع نهاد أن يقنعه بإرسال خطاب إلى السفارة المصرية في سوريا طالبا له تأشيرة دخول، لكن على باب السفارة المصرية بدمشق فوجئ بنقوده التي كان قد حولها للجنيه المصري وقد سرقت أو ضاعت. فلم يجد أمامه سوى أن يطوي حلم الدراسة الأكاديمية بالبكاء المر!
لم ينج هذا العرض من بطش المحتل الذي اعتقل ليلة الافتتاح أحد أبطال المسرحية، فاضطر نهاد قلعي لأن يلعب دوره ودور زميله المعتقل إنقاذا للعرض. وخصوصا أنه حفظ كل حوارات المسرحية أثناء التدريبات، فاستطاع إنقاذ العرض أيضا.

ضارب آلة كاتبة ومخلص جمركي

بانتهاء حلم الدراسة الأكاديمية لفن التمثيل، كان على نهاد قلعي أن يطوي صفحة الاتكاء على الحضن العائلي، وأن يعيش حياته بعصامية، وخصوصا أن والده كان قد أحيل على التقاعد، فلم يجد نهاد بدا من البحث عن عمل، وكان أول عمل مارسه هو مراقب عمل في أحد معامل المعكرونة في منطقة الميدان بدمشق، ثم استطاع بعد أن كبّر نفسه سنتين في السجل المدني، أن يحصل على وظيفة ضارب آلة كاتبة في جامعة دمشق، وقد أمضى في هذه الوظيفة ست سنوات، تزوج خلالها وأنجب أولادا.
ثم التحق بالوظيفة نفسها في وزارة الدفاع لكن سرعان ما استقال منها، ثم عمل مساعدا لمخلص جمركي لمدة خمس سنوات، آثر بعدها أن يمارس مهنة التخليص الجمركي لحسابه الخاص.
بموازاة كل تلك الأعمال، التي كان يبحث من خلالها عن مورد رزق ثابت للعائلة، كان نهاد قلعي يمارس نشاطه الفني من خلال الأندية والفرق المسرحية الشعبية المنتشرة في دمشق آنذاك. وكان أول نادٍ انتسب له هو نادي أستوديو البرق عام 1946، الذي قدم معه مسرحية (جيشنا السوري) أواخر أيام الاحتلال الفرنسي لسوريا.
ولم ينج هذا العرض من بطش المحتل الذي اعتقل ليلة الافتتاح أحد أبطال المسرحية، فاضطر نهاد قلعي لأن يلعب دوره ودور زميله المعتقل إنقاذا للعرض. وخصوصا أنه حفظ كل حوارات المسرحية أثناء التدريبات، فاستطاع إنقاذ العرض أيضا.
بحلول خمسينيات القرن العشرين كان نهاد قلعي قد حسم أمر بقائه في الفن. وكانت كل المهن التي زاولها هي مجرد نشاط تمويلي على هامش مشروعه الفني. وقد عثر نهاد على أول خيوط هذا المشروع، حين قام مع زملائه سامي جانو وعادل خياطة وخلدون المالح وعدنان عجلوني وزهير براقي ونزار الحسامي بتأسيس (النادي الشرقي) عام 1954، فقد كانت هذه الفرقة هي الانطلاقة التأسيسية له، ونقطة اللقاء الهامة مع زملاء كثيرين سيرافقونه طويلا في مسيرته الفنية وأبرزهم دون شك المخرج خلدون المالح.
دخل نهاد قلعي التاريخ الفني باعتباره أول مدير للمسرح القومي السوري الذي انطلق عام 1960، بل هو المدير المؤسس الذي لم تشغله متاعب الإدارة عن التمثيل والإخراج، فافتتح المسرح القومي موسمه الأول في 25 فبراير/شباط 1960 بعرضين، الأول (براكساجورا) الذي أخرجه رفيق الصبان عن نص اقتبسه توفيق الحكيم من الكاتب الإغريقي أريستوفان، بينما أخرج نهاد قلعي في 26 من الشهر نفسه مسرحية (المزيفون) عن نص لمحمود تيمور وقد لقي هذا العرض جماهيرية أكبر أكدت قرب نهاد كمخرج مسرحي من الجمهور

ثمن الحرية

ومع (النادي الشرقي) تمكن نهاد قلعي من دخول القاهرة حين قدم مع زملائه مسرحية (لولا النساء) التي كتبها سامي جانو. عام 1957، ولاقت إقبالا جيدا، الأمر الذي شجع الفرقة لأن تزور القاهرة مرة أخرى، لتقدم عرضا مهما سيلفت كبار نقاد مصر، وسيكون سببا في ترشيح نهاد قلعي ليكون أحد مؤسسي المسرح القومي لاحقا. فكانت مسرحية (ثمن الحرية) لعمانويل روبلس، التي عرضت على مسرح الأزبكية في القاهرة عام 1958 بعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا.
إعلان
وقد تزامن تقديم العرض السوري لمسرحية روبليس مع عرض آخر قدمه طلبة دبلوم معهد التمثيل في مصر، لكن من دون أي تعديل على النص الأصلي. في حين أن العرض السوري نقل أحداث المسرحية من أمريكا الجنوبية إلى أرض الجزائر التي كانت تعيش معركة تحررية ألهبت وجدان العرب، مع تغييرات درامية أخرى عمقت من شحنة الشعور القومي فيه.
وقد أثار هذا الإعداد حماس النقاد، فكتب الناقد الدكتور محمد مندور: "إني بعد أن شاهدت المسرحيتين أجزم بأن إخواننا الشماليين لم يفسدوا المسرحية، بل زادوها قوة فنية وعمقوا أهدافها في تأييد ثورات التحرر ضد الاستعمار الغاشم".
هذا الجدل النقدي الذي أحدثته المسرحية، دفع بالأمين العام المساعد لوزير الثقافة أن يرسل كتابا في هذا الصدد إلى حكومة الإقليم الشمالي. التي سرعان ما كلفت نهاد قلعي بتأسيس الفرقة القومية للتمثيل، أو ما صار يعرف لاحقا باسم المسرح القومي. وقد شكل نواة الفرقة من أعضاء النادي الشرقي، ونواد أخرى ليس من دمشق وحدها بل من حلب أيضا.
مؤسس المسرح القومي
دخل نهاد قلعي التاريخ الفني باعتباره أول مدير للمسرح القومي السوري الذي انطلق عام 1960، بل هو المدير المؤسس الذي لم تشغله متاعب الإدارة عن التمثيل والإخراج، فافتتح المسرح القومي موسمه الأول في 25 فبراير/شباط 1960 بعرضين، الأول (براكساجورا) الذي أخرجه رفيق الصبان عن نص اقتبسه توفيق الحكيم من الكاتب الإغريقي أريستوفان، بينما أخرج نهاد قلعي في 26 من الشهر نفسه مسرحية (المزيفون) عن نص لمحمود تيمور وقد لقي هذا العرض جماهيرية أكبر أكدت قرب نهاد كمخرج مسرحي من الجمهور.
وعلى مدار خمس سنوات تأسيسية، قدم نهاد قلعي أربعة عروض حملت توقيعه الإخراجي هي: (المزيفون- ثمن الحرية- البرجوازي النبيل- مدرسة الفضائح)، وفي هذه المسرحيات ظهر نهاد ممثلا أيضا، كما اشترك كممثل في بطولة أربعة عروض أخرى هي: (المفتش العام- مروحة ليدي وندرمير- رجل القدر) إخراج الأردني هاني إبراهيم صنوبر و(الإخوة كارامازوف) إخراج أسعد فضة.
كان نهاد قلعي في المسرح القومي رجل العطاء بامتياز، وثمة الكثير من القصص والنوادر التي تشهد بذلك.. منها حادثة كسر قدمه قبيل وقت قليل من موعد رفع الستارة في مسرحية (البرجوازي النبيل) عام 1962، وفي عرض حضره رئيس الجمهورية الدكتور ناظم القدسي، الذي أراد أن يهنئه في الاستراحة على إتقان دوره فاكتشف قدمه المكسورة، فأشار بضرورة الاعتذار عن عدم إكمال العرض، لكن نهاد قلعي رفض ذلك، وأكمل العرض ليحصد الحب والاحترام والتصفيق.

ولادة الثنائي

شكل تأسيس التلفزيون في سوريا عام 1960 نقطة تحول بارزة في مسيرة نهاد قلعي. ففي أستوديو البث الوحيد الذي كانت تقدم فيه نشرات الأخبار والبرامج والاسكتشات التمثيلية على قمة جبل قاسيون التقى نهاد قلعي بدريد لحام من خلال برنامج (الإجازة السعيدة) الذي كان أول برنامج منوعات انطلق مع انطلاقة البث التلفزيوني، وكان يخرجه خلدون المالح، زميل نهاد قلعي المؤسس في (النادي الشرقي) سابقا.
ولا شك أن لخلدون الفضل في جمع هذا الثنائي في أول عمل، قبل أن يكتشفا هما بنفسيهما إمكانية اللقاء المشترك في مشوار درب طويل.
قام نهاد بمشاركة دريد بكتابة برنامج (الإجازة السعيدة) الذي حمل فيما بعد اسم (سهرة دمشق) وكان يحفل بالمشاهد والاسكتشات الكوميدية الخفيفة، والنابضة بالعفوية.
وإذا كان دريد لحام العاشق للفولكلور الإسباني قد تورط في اختيار شخصية (كارلوس) التي لم يتقبله الناس فيها، فإن نهاد قلعي أمسك منذ البداية بشخصية كوميدية تمثل شريحة الطبقة المتوسطة التي ينتمي إليها.. فهو موظف أو مثقف أو صاحب مطعم، مرح وخفيف الظل، قد يغرق في الخطأ، لكنه يتفكّه عليه في الآن نفسه.
إعلان
وسرعان ما صاغ نهاد قلعي عناصر اللعبة الفنية التي ترسم خيوط الثنائي. فاختار لنفسه اسم حسني، وقد أضاف إليه لقب (البورظان) في لحظة ارتجالية كان يمثل فيها مشهدا تلفزيونيا على الهواء فنسي جزءا من الحوار وهو يتحدث على الهاتف ويُسأل عن اسمه، فلمح فرقة موسيقية كانت تستعد لدخول الأستوديو بعد نهاية مشهده، وكان أحد أفرادها يحمل آلة موسيقية مما يطلق عليها في اللهجة الدمشقية (البورظان) فرد على السائل بأن المتكلم هو حسني البورظان، ريثما يستعيد الحوار الذي سيكمل به المشهد.
وقد التقط مع دريد لحام اسم (غوار) من أحد العاملين في مبنى التلفزيون السوري في قاسيون، وعمل على صياغة ملامح شخصية غوار التي نضجت معالمها في مسلسل (مقالب غوار) الذي أخرجه خلدون المالح عام 1963 مثلما نضجت ملامح حسني البورظان وعلاقة المقالب الثنائية التي يقع حسني الطيب والساذج أحيانا ضحية لها.
كان نهاد قلعي يتحدث بطبقة صوت مستعارة خلال أدائه لشخصية حسني تحاكي شخصية الزعيم الوطني فخري البارودي الذي كان يحضر أمسياته في منزله الثاني قرب ساحة الأمويين في الستينيات. ويذكر المحامي والكاتب نجاة قصاب حسن في مذكراته (جيل الشجاعة) أن نهادا "استعار لهجة فخري بك وصوته لشخصية حسني البورظان" ص (311).
قدم نهاد قلعي استقالته من المسرح القومي عام 1964، لكن نشاطه المسرحي في الستينيات، لم يكن محصورا في عروض المسرح القومي فحسب. فقد جمعته مشاريع مسرحية مشتركة مع دريد لحام، كان أبرزها مسرحية (عقد اللولو) والتي عرضت على مسرح نادي الضباط بدمشق عام 1961 في حفل أقيم لمناسبة مرور عام على انطلاقة التلفزيون السوري، ثم مسرحية (مساعد المختار) وهي كوميديا سياسية كتبها نهاد قلعي مع دريد لحام، وقدماها على المسرح عام 1963، ثم تجربة مسرح الشوك في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات التي ابتدع فكرتها عمر حجو، واستطاع دريد ونهاد أن يضيفا زخما قويا لها في الكتابة والتمثيل معا. حيث كان يقدم نهاد قلعي في هذه الأعمال، صيغة المسرح الشعبي التي كانت مفقودة في المسرح القومي.
برغم ما تعرض له من ظلم حين أجبر على التوقف عن العمل في ريعان عطائه وقمة نضجه، وحين ضل النظام الاستبدادي الذي كان قائما في سوريا سبل دعمه وتأمين وسائل الاستمرار الأمثل له، فإن مواقف دريد لحام المناصرة لنظام بشار الأسد الذي أسقطته ثورة الحرية، أسهمت في رد الاعتبار لنهاد قلعي، فقد رأى السوريون أن من ظلم رفيق دربه، وتعامل معه ببرود وإجحاف ليس غريبا أن يظلم ثورة شعب بأكمله وينحاز لجلاديه

صح النوم. درة عقد الكوميديا السورية

استمر تعاون دريد ونهاد تلفزيونيا، ليحقق ذروته الأجمل والأكمل في مسلسل (صح النوم) بجزأيه و(ملح سكر) التي حملت جميعها توقيع خلدون المالح الإخراجي، وانطلقت بالمسلسل التلفزيوني السوري إلى آفاق الوطن العربي قبل أن يكون للدراما السورية أي حضور خارجي.
والواقع أن مسلسل (صح النوم) ينتسب نصا إلى نهاد قلعي وحده بحكم الرؤية والصياغة، برغم أن دريد لحام كان يزعم في حواراته مشاركته بالكتابة، والدليل على ذلك أن هواية الكتابة استمرت مع نهاد حتى بعد دخوله محنته المرضية وانفصاله عن دريد حين أخذ يكتب للأطفال في مجلة (سامر) اللبنانية، كما كتب مسلسلا تلفزيونيا، وعددا من المسلسلات الإذاعية، في حين أن دريد حتى بعد انفصاله عن الماغوط، لم يقدم إسهاما كتابيا مستقلا في سياق تجربته الفنية اللاحقة، برغم تقطع السبل به وهو يبحث عن كاتب يعوض غياب نهاد ثم انفصاله عن الماغوط.
في مسلسل (صح النوم) نجد بصمة نهاد قلعي الكاتب، في مدرسة السهل الممتنع، وقد أثمرت قصصا وعلاقات ومناخا وشخصيات نمطية صارت علامة فارقة في مسيرة الممثلين الذين أدوها، وفي ذاكرة الجمهور والفن السوري. ونجد صورة نهاد قلعي المثلى: (الضاحك الباكي) تتجلى في فضاء هذه الكوميديا البيضاء، التي صارت اليوم ذكرى أثيرة وخالدة من عصر جميل مضى.
حمّل نهاد قلعي في (صح النوم) شخصية غوار الطوشة كل أبعادها الشعبية والاجتماعية والفلسفية البسيطة والمعقدة. وجعل من حارة كل مين أيدو إلو (رغم مباشرة التسمية، وتبسيط الفكرة النقدية إلى حد الاختزال) عنوانا للأنانية الاجتماعية التي تغلق باب التوبة والصلاح في وجه مرتكبي الجنح وخريجي السجون. والتي تنتقد بعقلية متنورة بعض العادات والتقاليد التي تحكم الحارة الدمشقية فترسم وصمة عار تحت كل ما يمس بند السمعة الشخصية، دون أن تفتح أفقا للصفح والبدء من جديد.
إعلان
فكان بذلك يمد بساط المحبة تحت أقدام شخصياته التي أحبها الناس، والتي أبدع الممثلون في استثمار مناخها الآسر. بدءا من فطوم حيص بيص. ومرورا بأبي عنتر وياسينو وأبي كاسم وأبي رياح وانتهاء ببدري أبو كلبشة في أجمل حضور تلفزيوني للرائد المسرحي عبد اللطيف فتحي، الذي كان نهاد قلعي معجبا به وهو طفل، وظل يحتفظ له بصورة على جدار مكتبه حتى آخر سنوات عمره!
وظهر نهاد قلعي في (صح النوم) في دور الصحفي الذي يكتب مقالا لا ينتهي في البحث عن الحقيقة: "إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب أن نعرف ماذا في البرازيل" وكأن الرغبة في المعرفة قد أضحت تيمة كوميدية لضياع الحقيقة بدل العثور عليها.. ولعل سذاجة حسني البورظان هي دائما هكذا: تجمع النقائض من أجل أن تقلّب الحقيقة على وجوهها.. فهي سذاجة لا تصل حد الغباء، ولا تصل بالمشاهد إلى درجة الغيظ من غفلة الضحية، بل هي سذاجة ماكرة.. تتصنع الغفلة كي تشرب المقلب. وتشرب المقلب كي تسامح في النهاية!
شكل تأسيس التلفزيون في سوريا عام 1960 نقطة تحول بارزة في مسيرة نهاد قلعي. ففي أستوديو البث الوحيد الذي كانت تقدم فيه نشرات الأخبار والبرامج والاسكتشات التمثيلية على قمة جبل قاسيون التقى نهاد قلعي بدريد لحام من خلال برنامج (الإجازة السعيدة) الذي كان أول برنامج منوعات انطلق مع انطلاقة البث التلفزيوني، وكان يخرجه خلدون المالح، زميل نهاد قلعي المؤسس في (النادي الشرقي) سابقا

ملابسات محنته المرضية

ختم نهاد قلعي صفحة تعاونه التلفزيوني مع دريد لحام بمسلسل (صح النوم) وملحقه (ملح وسكر) فكانت النهاية هي ذروة التعاون الناجح.. وقد دفع نجاح هذا العمل إلى تحويله إلى فيلم سينمائي أخرجه خلدون المالح عام 1975.
وكانت السينما مجالا آخر لإبداع نهاد قلعي الكتابي وللحضور التمثيلي المتكامل مع رفيق دربه دريد لحام، بعد أن دخلا السينما عام 1964 بفيلم (عقد اللولو) الذي كان أول فيلم كوميدي في تاريخ السينما السورية، وقدما أكثر من 20 فيلما اخترقا من خلالها سقف النجومية العربية حيث شارك في أفلامهما كبار نجوم ونجمات مصر وسوريا ولبنان، وكان آخر فيلم شارك فيه نهاد هو (عندما تغيب الزوجات) عام 1978 وفيها ظهر ويده مربوطة إلى عنقه وآثار المحنة المرضية بادية عليه.
حقبة السبعينيات التي شهدت تألق نهاد قلعي الأبرز في كتابة وبطولة (صح النوم) و(ملح وسكر) ثم انضمام الكاتب البارز محمد الماغوط للثنائي دريد ونهاد من خلال أول أعمالهما المسرحية (ضيعة تشرين) عام 1974 شهدت ذروة مأساته، ففي صيف عام 1976 وحين كان يقدم مع لحام والماغوط ثاني أعمالهم المسرحية (غربة) سقط نهاد قلعي صريعا على المسرح إثر مضاعفات حادثة جرت معه قبيل أيام من العرض. أثناء سهرة خاصة مع بعض الأصدقاء في (النادي العائلي) بمنطقة القصاع، وبخ نهاد أحد السكارى الذين تطاولوا عليه أمام ضيوفه، فما كان من الأخير إلا أن ضربه بكرسي على رأسه ما استدعى نقله على الفور إلى المشفى.
أصر نهاد بعد أيام قليلة أن يتابع تقديم عروض مسرحية (غربة) على مسرح اتحاد نقابات العمال بدمشق، دون أن يدرك أن هذا سيؤدي إلى تفاقم حالته المرضية. انتشر خبر سقوط نهاد على المسرح في سوريا كلها، وتوقفت (فرقة تشرين) وهو الاسم الذي أطلقه دريد على فرقته المسرحية، بعد أن صرح بأنهم لا يمكن أن يقدموا العرض من دون الأستاذ نهاد.
لكن سرعان ما استأنف دريد عروض مسرحيته من دون رفيق دربه، مكتفيا بإطلاق اسم نهاد قلعي على الفرقة لبعض الوقت ثم العودة لاسم "تشرين" تقربا من "بطل التشرينين" حافظ الأسد، وأحضر الفنان المخضرم تيسير السعدي ليلعب دور (أبي ريشة) الذي كان يؤديه نهاد في المسرحية.
في الأثناء تهامس السوريون سرا حينها، أن من ضرب نهاد قلعي هو ضابط في (سرايا الدفاع) التي كان يقودها رفعت الأسد شقيق الرئيس السوري حافظ الأسد، التي كان ضباطها وعناصرها فوق أي قانون يعيثون في الشارع السوري إرهابا وبطشا وانتهاكا للكرامات. لكن المقربين من الوسط الفني نفوا هذه المعلومة (سرا كذلك) إذ لم يكن بالإمكان حتى تداول نفيها في العلن!
توقف نهاد قلعي عن العمل الفني وهو دون سن الخمسين تماما، ومضى دريد لحام يتابع مشواره الفني غير عابئ برفيق دربه وشريك نجاحاته، مكررا سؤاله الاستنكاري كلما سئل عن هذه المسألة: "هل كان علي أن أتوقف عن العمل الفني وفاء للأستاذ نهاد؟" ومكررا كذلك المن على رفيق دربه أنه لم يقبل تصوير مسرحية (غربة) للتلفزيون إلا بوجود الأستاذ نهاد، رغم أن مرضه -كما يقول دريد- كلفه نفقات إضافية كمنتج كان يصور مسرحيته في أستوديوهات التلفزيون الأردني، بسبب بطء التصوير

ما الذي لم يقدمه دريد لنهاد؟

أرسل نهاد قلعي على نفقة الدولة للعلاج من بوادر شلل نصفي في لندن، وكانت تترجم عبارة "على نفقة الدولة" باعتبارها "نفقة رئيس الجمهورية" ومكرمة منه.
وخشى الأطباء من أن أي عمل جراحي ربما يعقد الأمر بسبب إصابة الفنان بمرض السكري، فقرروا علاجه فيزيائيا. وقد أثرت الصدمات النفسية التي تعرض لها نهاد في الفترة نفسها في حالته الصحية، وخصوصا حين قام حافظ الأسد إثر عرض مسرحية (غربة) بمنح دريد لحام وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، وقد قلده إياه وزير الثقافة فوزي كيالي بالنيابة، في حين أن الكثيرين كانوا يرون أن نهاد قلعي مؤسس المسرح القومي السوري، والممثل والمخرج المسرحي، وأحد مؤسسي التلفزيون السوري، والعنصر الأقوى في شراكة الثنائي الكوميدي ككاتب رسم لدريد لحام شخصيته الكوميدية النمطية التي اشتهر بها هو وآخرون، هو الذي يستحق هذا التكريم قبل دريد أو معه على الأقل.
توقف نهاد قلعي عن العمل الفني وهو دون سن الخمسين تماما، ومضى دريد لحام يتابع مشواره الفني غير عابئ برفيق دربه وشريك نجاحاته، مكررا سؤاله الاستنكاري كلما سئل عن هذه المسألة: "هل كان علي أن أتوقف عن العمل الفني وفاء للأستاذ نهاد؟" ومكررا كذلك المن على رفيق دربه أنه لم يقبل تصوير مسرحية (غربة) للتلفزيون إلا بوجود الأستاذ نهاد، رغم أن مرضه -كما يقول دريد- كلفه نفقات إضافية كمنتج كان يصور مسرحيته في أستوديوهات التلفزيون الأردني، بسبب بطء التصوير.
لكن ما لا يعترف به الأستاذ دريد، أن إصراره على وجود نهاد قلعي كان هدفه ضمان تسويق أفضل للنسخة التلفزيونية، فغياب الثنائي في تلك الفترة كان مغامرة يمكن أن تحد من انتشار المسرحية وبيعها للمحطات التلفزيونية العربية، كما أن الفنان تيسير السعدي الذي لعب دوره بالنيابة، لم يكن يمتلك شهرة نهاد قلعي عربيا.
من الثابت أن نهاد قلعي اشتكى في حوار نشر معه في مجلة (هنا دمشق) بتاريخ 1/3/1978 من صغر مساحة الدور الذي منح له في مسرحية (غربة) ما يعني أن دريد كان يسعى للتفرد بمساحة حضور أكبر بعد الحضور اللافت الذي حققه نهاد قلعي في مسرحية (ضيعة تشرين).
كما أن من الثابت أن دريد، حين أرسل له نهاد قلعي نص مسلسل (عريس الهنا) الذي كتبه أثناء محنته المرضية وأنتج عام 1985 عارضا عليه المشاركة فيه، لم يرد عليه كما قال في أحد حواراته، مع أن الوفاء يقتضي أن يشاركه تجربته الفنية كنوع من الدعم له ورد الجميل خلال مرضه. وقد ظهر مسلسل (عريس الهنا) الذي أنتجه المهندس فيصل مرعي وأخرجه محمد الشليان، بصورة ركيكة بسبب بدائية إخراجه وبطء إيقاعه، وبالتأكيد كان يمكن لدريد أن يمنحه قيمة وتسويقا أكبر لو شارك به.
لكن حال دريد لم يكن بأفضل في الأعمال التلفزيونية التي قدمها بمفرده. وباستثناء مسلسل (وين الغلط) الذي عرض في موسم رمضان عام 1979 وحقق نجاحا جماهيريا واسعا، فإن كل أعمال دريد لحام التالية بدءا من (وادي المسك) ومرورا بـ (الدغري) وليس انتهاء بـ (عودة غوار) و(أحلام أبو الهنا) لم تحقق أي إضافة لدريد، وبدا الجمهور السوري ساخطا من حضوره وأدائه حتى ذهب بعضهم إلى اعتباره المشكلة في العمل وليس الرافعة له.
بعد ثلث قرن على رحيل نهاد قلعي، يبدو هذا المسرحي والكوميديان المؤسس والكاتب الذي عكس روح البيئة الشعبية الدمشقية بظرف وذكاء، حاضرا في وجدان السوريين بقوة وصفاء. أعماله التلفزيونية واسكتشاته المسرحية وأفلامه السينمائية لا تزال تحقق مشاهدات على الشبكة العنكبوتية لتنتقل بسخريتها وضحكاتها وأفكارها الانتقادية من جيل إلى جيل.
وبرغم ما تعرض له من ظلم حين أجبر على التوقف عن العمل في ريعان عطائه وقمة نضجه، وحين ضل النظام الاستبدادي الذي كان قائما في سوريا سبل دعمه وتأمين وسائل الاستمرار الأمثل له، فإن مواقف دريد لحام المناصرة لنظام بشار الأسد الذي أسقطته ثورة الحرية، أسهمت في رد الاعتبار لنهاد قلعي، فقد رأى السوريون أن من ظلم رفيق دربه، وتعامل معه ببرود وإجحاف ليس غريبا أن يظلم ثورة شعب بأكمله وينحاز لجلاديه. صحيح أن هذا الحكم فيه قدر كبير من التسييس. لكن من قال إن دريد لحام لم يكن ابنا للسياسة في المسرح والفن والحياة وجنى الكثير من ثمارها.
---------
الجزيرة نت 

محمد منصور
الاربعاء 21 أكتوبر 2026