ما أثارني هو تعليق ترامب المشتاق إلى نوبل، في منصة تروث الخاصة به، وفي لقاءاته، على فوز الحقوقية "نافي بيلاي" بجائزة نوبل للسلام.
نافي بيلاي، هي قاضية من جنوب أفريقيا، عمرها خمسة وثمانون سنة. أمضت حياتها في العمل القانوني، والدفاع عن حقوق الإنسان. شغلت بيلاي مناصب عديدة وترأست لجانا عديدة، مثل دورها كقاضية من المحكمة الجنائية الدولية، في تقصي أحداث ومذابح رواندا، ومثل رئاستها للجنة التحقيق الدولية المستقلة، التابعة للأمم المتحدة، المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة. وهي اللجنة التي انتهى تقريرها الصادر في سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.
ومما جاء في حديث رئيس لجنة نوبل يورغن واتنه فريدنس، إن بيلاي أدّت "دوراً حاسماً في ضمان ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية قضائياً. وأن التزامها بالمبادئ القانونية العالمية و"بوصلتها الأخلاقية الراسخة" ظلا سمتين ثابتتين طوال مسيرتها المهنية".
لكن هذا كله لم يشفع لها عند ترامب، ففي كل أحاديثه بعد إعلان فوز بيلاي، أكد أنه أهم منها. بل قال إنه لا يعرف شيئا عنها، ولا أحد أيضا يعرفها أو سمع بها، غير أنها تكره إسرائيل بوضوح شديد. وراح يعدد حسب قوله، النزاعات الدولية التي قام بإنهائها، ومن بينها النزاع بين إسرائيل وحماس، وإسرائيل وإيران. متجاهلا ما يحدث في غزة من إبادة جماعية حتى الآن، وأن مؤتمر شرم الشيخ، الذي عقد في أكتوبر من العام الماضي، لتحقيق السلام في غزة، ذهبت نتائجه مع الرياح، وكيف أيضا لم يصل إلى حل مع إيران في أي شيء. عدَّد النزاعات الدولية التي قال إنه أنهاها باعتبارها ثماني نزاعات، ومن ثم هو يستحق ثماني جوائز للسلام. هاجم لجنة الجائزة وأعضاءها، واتهمهم بالتطرف ومعاداة الديمقراطية. وزاد أن ما حدث هو وصمة عار لا تُمحى للنرويج بلد الجائزة.
على الجانب الآخر هاجم نتنياهو الجائزة، وقال إنها فقدت بوصلتها، لأنها ذهبت إلى امرأة تعمل على شيطنة اليهود. طبعا لا يغيب عنه تقرير اللجنة التابعة للأمم المتحدة، الذي أشرت إليه، عما يحدث في قطاع غزة وفلسطين، وترأستها نافي بيلاي، وكيف تم اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في القطاع. ومع نتنياهو أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، أن فوز بيلاي بالجائزة، هو إضفاء لشرعية الكراهية، والتحيز ضد إسرائيل. ترامب لم يكتفِ بما قال، بل قرر فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، التي سبق وأدانت نتنياهو. لم يفكر مثلا هل سيمشي حلفاؤه الأوروبيون جميعا وراءه، أم سيقع الخلاف بينه وبينهم.
هكذا أخذني ترامب بعيدا عن جائزة نوبل للآداب، فهو يجسد لي "عبده مشتاق" كما يقول المثل المصري. ولقد فاق اشتياقه أي "عبده" من أدبائنا. ومن الطريف رد بيلاي الساخر، بين حشد من المهنئين صفقوا كثيرا لها "إذا صفقتم أكثر فقد أقتسم الجائزة مع ترامب".
--------
الشرق


الصفحات
سياسة








