شواطئ الأرجنتين: مقبرة المختفين في عصر الدكتاتورية





بوينوس أيرس - جابرييل تونيث - منذ فترة السبعينيات، تحولت شواطئ الأرجنتين على المحيط الأطلنطي والتي كانت تستقبل في فصل الصيف ملايين المصطافين، إلى مقبرة جماعية تستقبل جثث ضحايا النظام الدكتاتوري العسكري الذي كان يخطف معارضيه، وبعد تعذيبهم يقوم بشحنهم في طائرات وإلقائهم أحياء في المحيط لتبتلعهم الأسماك، وتلقي أمواج المحيط العاتية أشلاءهم على الشاطئ أو تصطدم جثثهم بالمصطافين السابحين في الماء لاهين عن مصير هؤلاء الضحايا المجهولين، الذين بات يطلق عليهم بعد أكثر من ثلاثة عقود المختفين، ولا يزال ذووهم إلى اليوم لا يدرون بما جرى لهم.


 

في تصريحات لـوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) يقول المؤرخ فابيان دومينجيز، مؤلف كتاب "الطائرات السوداء.. الدكتاتورية على سواحل تويو"، والمنشور في آذار/ مارس الماضي، "كان المصطافون يخرجون في الصباح الباكر للتنزه، فتصدمهم مشاهد الجثث الملقاة والتي لفظها المحيط إلى الشاطئ. في البداية كانوا يعتقدون أنها جثث مصطافين غرقى ابتلعهم الماء، ومع الوقت اتضح أنها جثث المعارضين المختفين".

شرع دومينجر في إجراء بحث مفصل عن الوقائع التي شهدها إقليم بارتيدو دي لا كوستا "قسم الساحل"، على الجانب الشرقي من بوينوس أيرس، والمطل على المحيط الأطلنطي، ويوجد به أفضل شواطئ الأرجنتين "التويو"، ضمن 15 بلدة على امتداد 100 كلم على ساحل المحيط، يبلغ عدد سكانها 70 ألف نسمة، وفقا لآخر إحصاء سكاني أجري عام 2010. تستقبل هذه المنطقة الساحلية أكثر من مليون سائح سنويا.

خلال بحثه، جمع المؤرخ الأرجنتيني شهادات العديد من السكان القدامى بالمنطقة، ومن بينهم رجال شرطة، وحماية مدنية، كان يتم استدعاؤهم في كل مرة تظهر جثث على رمال الشاطئ، حيث أوضحوا كيف كانت تجرى عمليات الإنقاذ، لكن أكثر شئ مؤثر في هذه الشهادات كان وصف حالة التفسخ التي كانت عليها الجثث، بسبب بقائها لفترات طويلة في الماء المالح، ورائحة الموت المنبعثة من الأجسام التي التهمت الأسماك أطرافها.

يضيف دومينجيز أنه بعد الانتشال، كانت الجثث تنقل إلى مصلحة الطب الشرعي لتشريحها، ثم يصرح بدفنها في المقابر العمومية بمنطقة جنرال لافال، المجاورة، في قبور بلا شاهد، حتى لا يتعرف عليها أحد، مؤكدا أن مبرر السلطات كان وما يزال، التزام الصمت حيال هذه الحوادث، حرصا على عدم الإضرار بصورة المنطقة، التي تعتبر السياحة مصدر الدخل الأساسي بها خلال موسم الصيف في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية منذ نهاية كانون أول/ ديسمبر وحتى منتصف آذار/ مارس من كل عام. ووفقا لشهادة الشهود، يوضح البحث أن الجثث التي كان يلفظها الماء، كانت لا تزال تبدو عليها آثار التعذيب على أيد الأداة القمعية لنظام فيديلا الدكتاتوري العسكري الذي استولى على السلطة في البلد اللاتيني خلال الفترة بين 1976 و 1983. ووفقا لتقارير الطب الشرعي، جميع الجثث كانت لأشخاص ألقي بهم في الماء أحياء من طائرات عسكرية كانت تحلق بهم فوق المحيط فيما يعرف بـ"رحلات الموت"، والتي كانت تقلع أسبوعيا من قواعد عسكرية في مناطق مختلفة، تقل على متنها بين 15 و100 شخص.

تجدر الإشارة إلى أنه في عام 1995، شرح النقيب السابق بقوات البحرية الأرجنتينية الفريدو شيلينجو أنه شارك في رحلات الموت، مؤكدا أنها كانت ممارسات معتادة في تلك الفترة. "كنا نلقيهم في المحيط عرايا واحدا تلو الآخر، ما بين 15 إلى عشرين شخص في الرحلة الواحدة، الأربعاء من كل أسبوع"، أضاف العسكري السابق في مقابلة مع الصحفي اوراسيو فيربتسكي. كما تشير إفادات أدلى بها شهود أمام العدالة بأن أطباء السجون كانوا يحقنون المخطوفين بالمخدر قبل نقلهم بالطائرات.

عام 2007، حكم على شيلجو بالسجن لمدة تصل إلى 1084 عاما بعد ثبوت إدانته بجرائم ضد الإنسانية في الأرجنتين. تجدر الإشارة إلى أن العسكري السابق، كان قد توجه في وقت سابق إلى الأرجنتين للإدلاء بشهادته طواعية أمام قاضي التحقيق الشهير بالتسار جارثون، الذي حقق من قبل في كثير من الجرائم ضد الانسانية في يوغسلافيا السابقة والبوسنة وفلسطين، قبل إحالته للتقاعد.

يؤكد دومينجز أن رحلات الموت لم تكن محض خيال، لكن حقيقة أثبتتها الأدلة والبراهين على الممارسات القمعية التي كان ينفذها النظام الدكتاتوري بكل أجهزته وأدواته القمعية، مستخدما طائراته، وطيارينه، ومركباته، وأطبائه، وخبراء أبراج المراقبة الذين يشرفون على هبوط وإقلاع هذه الرحلات المشؤمة، فضلا عن رجاله الذين عذبوا في البداية وألقوا بالضحايا في النهاية لمصيرهم المحتوم. لقد كان نظاما رهيبا ومروعا بالكامل".

يوضح دومينجيز أنه من بين آخر جثث تم انتشالها على شاطئ التويو، تم التعرف على الناشطة السياسية انخيلا اجوادا، التي اختطفت بينما كانت تحاول الاستعلام عن مصير زوجها المعتقل من قبل النظام. كانت اجوادا ناشطة في جماعة سانتا كروز، إحدى كنائس بويونس التي كان يجتمع بها ذوو ضحايا الدكتاتورية. وقد اختطفت بين 8 و 10 ديسمبر 1977، من الكنيسة مع العديد من النشطاء الذين أسس ذويهم حركة أمهات ميدان مايو. وقد رافق أجوادا في رحلة التعذيب التي انتهت بالإعدام بهذه الصورة اللإنسانية الراهبتان الفرنسيتان اليس دومون وليونيه دوكيه.

عام 2005 تعرف فريق من خبراء الطب الشرعي والأنثربولوجيا على أشلاء جثة أجوادا، وبعض أمهات ميدان مايو، مثل إيستر باييسترينو دي كارياجا، وماريا أويخنيا بونثي دي بيانكو، وأسوسنا بيافلور دي بيثنتي، والتي كانت قد ظهرت في وقت سابق على شواطئ التويو، وقد لفظهم الموج بعد إلقائهم من طائرات الموت في المحيط، بعد ذلك أقام ذويهم مراسم العزاء اللائقة للضحايا ودفنهم بكنيسة سانتا كروز.

لم تكن هذه هي الجثث الأخيرة التي ظهرت على الشاطئ، بل توالى ظهور غيرها الكثير، فيما يعتقد فابيان أن ممارسات رحلات الموت الرهيبة استمرت حتى أواخر عام 1979 ومطلع 1980، عندما بدأت جمعيات حقوقية ومنظمات دولية تلاحق نظام فيديلا، فاضطر لإغلاق الكثير من المعتقلات السرية، إلا أن آلام ذوي الضحايا وتبعات القمع لا تزال باقية إلى اليوم مع استمرار الصمت المخيم على مصير عشرات الآلاف من الضحايا، على أمل أن يلفظ المحيط أشلاء بعضا منهم فيرتاح بال ذويهم.

جابرييل تونيث
الاثنين 28 غشت 2017


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث