لكن إحدى وظائف الحياة هي أن ترميك في المكان الذي تحاول تجنّبه دائماً، وهذا ما حصل معي منذ فترة الصبا. ففي السابعة عشرة من عمري، انتميت إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، ولو سألتني لماذا قمت بذلك؟ فسوف أجيبك بأنني لا أعرف بالضبط. كنت شاباً متحمّساً يعتقد أن الاستقلالية الفصائلية عيب، أو ربما كان الانتماء لفلسطين وحدها لا يكفي في نظري آنذاك، فاخترت الحزب الشيوعي كانتماء.
أستطيع الآن سماع أحد القراء، ممن يعرفونني عن قرب، وهو يقول: ما أكذبك يا عامر! فوالدك كان شيوعياً وأنت سرت على خطاه لا أكثر. وهنا يمكنني الرد بأن أبي كان قد ترك الحزب قبل انتمائي إليه بعشرين سنة. لكن هذا الرد غير مقنع لمن لا يفرّقون بين الفكر والفصائلية، وهو غير مقنع لي أنا أيضاً، خصوصاً بعد حياة حافلة في دهاليز السياسة والسياسيين، لم تزد إلا قناعتي بلا جدوى النقاش. لذلك فالإجابة الأسلم هي: معك حق.
من أجل دينارين، ثمن فنجان قهوة، عليك أن تستمع إلى فذلكات ليس لها أول من آخر، ولا تمُت للواقع بصلة. ناهيك بمجاراتك مواقف تبدو في ظاهرها فكرية، لكنها في كل مرة تذكرني بزوج خالتي بشرى
المهم أنني كنت شيوعياً في السابعة عشرة من عمري، وتالياً فقد أصبحت ناطقاً باسم العمال والفلاحين ومدافعاً عن مصالحهم. لقد بادرت إلى ذلك من دون أن يقوم هؤلاء العمال، والذين لم أكن أعرف منهم أحداً آنذاك، بتكليفي بهذه المهمة الشاقة. ودون أن يعلم الفلاحون الذين أعيش بينهم أنني أنطق باسمهم دون استشارتهم.
وإن شئت أن أكون موضوعياً، كما علّمتني الشيوعية، فلا بد من الاعتراف بأنني كنت ناطقاً سيئاً، فلم أكلف نفسي عناء التفريق بين مصالح هؤلاء وأولئك، كما لم أجرؤ على النطق باسمهم أمام الجهات التي تستغلهم، واكتفيت أن أمارس مهمتي كناطق "على الضيّق" كما يقال، أي أمام خالتي بشرى وزوجها، وأمام عشرة من أولاد الحارة. لكن للحق كنت أقوم بذلك بحماسة منقطعة النظير. فخالتي وزوجها والأولاد العشرة، الذين كبروا وأصبحوا فلاحين ممارسين، مقتنعون حتى اليوم أنهم مع العمال سيحكمون العالم.
في الثالثة والعشرين صرت طبيباً للفلاحين، افتتحت عيادتي بينهم وصرت أتعامل معهم مباشرة. لكن نظام المقايضة الذي اعتمدوه معي لم يعجبني كثيراً، فليس من المعقول أن أعالج الناس مقابل الجبنة والزيتون والأدعية فقط، أو أن أعالج شخصاً ما وأنتظر بيع محصوله كي يدفع لي مستحقاتي. ففي نهاية القرن العشرين، كنت بحاجة إلى علبتيّ مارلبورو يومياً غير الأكل والشرب، وليس لطيفاً بحقي كطبيب أن أستدين احتياجاتي من الدكان إلى حين يبيع أبو محمود محصوله من التفاح. كما لم تكن تلزمني كل هذه الكميات من الأجبان وكبيس الزيتون في الثلاجة.
بناء على هذه المعطيات وانطلاقاً منها، تركت الفلاحين وافتتحت عيادة للعمال في المدينة. لقد نظّرت لهذا التخلّي بكلام كثير مقتبس من تنظيرات الفيلسوف الألماني كارل ماركس عن العمال. فهُم، لا غيرهم، من سيبني مجتمع "مِن كلٍ بحسب قدرته، ولكل بحسب حاجته" ولا بد، إذاً، من العمل بينهم، وعدم إضاعة وقتي الثمين بين مزارعين لا "هموم جدية" عندهم. صحيح أن خالتي سيأخذ على خاطرها، وصحيح أن زوجها سيتهمني بالوصولية، لكن لا بأس، سأجد طريقة لمراضاتهما.
مع ذلك، ومن أول شهر، اكتشفت أن العمل مع العمال لا يطعم خبزاً ولا يبني بيتاً. راجعت كل كتب الثوري الروسي فلاديمير لينين على أمل أن أعثر ولو على جملة واحدة تقول إنهم يحبون الاستدانة، فلم أجد. في كتب الثوري الماركسي ليون تروتسكي وروايات مثل "الإسمنت" لفيودور غلادكوف، و"الحفرة" لأندريه بلاتونوف، استطعت أن أكوّن فكرة عن أوضاعهم الاقتصادية والتي تبرّر امتلاء دفتري بأسماء تقابلها أرقام بمئات الدولارات، في حين أن جيبي ظل فارغاً.
ما العمل إذاً؟ لا بد من أن أتخلّص من العمال أيضاً، وهكذا كان. بعت عيادتي وانتقلت إلى حيّ يسكنه أرباب العمل والمستغِلّون والقليل من الإمبرياليين. لكنني اكتشفت أن هذه الطبقة لا تمرض تقريباً. وإن مرضت فأمراضها غير مُكلِفة. صحيح أنني صرت أقبض "كاش" وبدون تسجيل على الدفتر، إلا أنني صرت أشتغل لعدد أقل من المرضى.
في بدايات القرن الحادي والعشرين قرّرت أن أغيّر طبيعة عملي الطبي كلياً، فدرست التجميل واتجهت إلى العمل مع نساء أرباب العمل والمستغِلين. ولأنني كنت من أوائل من أدخَلوا الفيلر والبوتوكس وبعض تقنيات التجميل إلى فلسطين، فقد سطع نجمي سريعاً. يا سلام! ما أروع التجميل وما أكثر أمواله! فتعديل وجه واحد خلال نصف ساعة من الزمن تقبض عنه ألفي دولار.
يوماً بعد يوم، وألف دولار فوق ألف أخرى، اكتشفت أنني صرت أنتمي إلى البرجوازية العفنة التي تتحدّث عنها طبقة البروليتاريا، وصرت أخجل حين ألتقي بخالتي بشرى أو زوجها. لقد رمت خالتي جملتها العنيفة في وجهي دون تحفّظ: "أنت منسلخ عن طبقتك يا عامر". الذين عاشوا فترة المد الشيوعي يعرفون كم تؤذي هذه الشتيمة. حاولت أن أدافع عن نفسي، بجمل من قبيل أن العالم تغيَّر، وأن أولادي بحاجة لأقساط جامعة، إلا أن خالتي لم تقتنع، وقاطعتني.
كلام خالتي ونميمة العمال والفلاحين عني، وتخرّج أولادي في الجامعة وحصولهم على عمل جيد، وقلّة مصاريفي، كل ذلك جعلني أفكّر كثيراً بالأيام الخوالي التي كنت أريد فيها تغيير العالم. لا بد، إذاً، من وجود مدخل ما للعودة إلى طبقتي واهتماماتها.
سنةً بعد أخرى، صرت أشعر أنني أفقد نفسي تماماً، ولأنه لم يبق من العمر أكثر مما مضى، فقد قرّرت أن أنسلخ ليس فقط عن طبقتي، بل عن الناس في العموم. فبعت المقهى ثم انزويت مع حاسوبي وامتهنت الكتابة
بعد تفكير طويل، قرّرت ترك العمل مع نساء المستغلين -ويا خسارة- والاتجاه إلى العمل مع شريحة الأنتلجنسيا -شريحة المثقفين والمتعلمين. فهذه الشريحة مدخل جيد للعودة إلى طبقتي القديمة، لكن هي في حد ذاتها تحتاج إلى مدخل للانخراط فيها. أيام وليالٍ وأنا أفكّر كيف لي أن أقتحم الأنتلجنسيا في عقر دارها، دون أن يبدو هذا الاقتحام مصطنعاً. وأخيراً، اهتديت إلى فكرة عظيمة أن أفتتح مقهى للمثقفين، ظناً مني أنني بهذا سأعود إلى طموحي القديم في التغيير للأفضل، ودون أن أعْلَق في دائرة مقايضات الفلاحين وديون العمال ونكد العمل مع نساء البرجوازية.
لا أريد الإطالة عليكم أيها العمال والفلاحون والمستغلّون والبروليتاريا الرثّة وصغار الكسبة، لكن اللعنة على النخبة المثقفة والعمل معها ما أكثر تعبه. من أجل دينارين ثمن فنجان قهوة عليك أن تستمع إلى فذلكات ليس لها أول من آخر، ولا تمُت للواقع بصلة. ناهيك بمجاراتك مواقف تبدو في ظاهرها فكرية، لكنها في كل مرة تذكرني بزوج خالتي بشرى.
سنةً بعد أخرى، صرت أشعر أنني أفقد نفسي تماماً، ولأنه لم يبق من العمر أكثر مما مضى، فقد قرّرت أن أنسلخ ليس فقط عن طبقتي، بل عن الناس في العموم. لهذا فقد بعت المقهى ثم انزويت مع حاسوبي وامتهنت الكتابة. فيا أيها المنتمون إلى الطبقات والشرائح بأنواعها، لقد كنت في ما مضى أحاول النطق باسمكم. أما الآن، فلا أنطق إلا باسم نفسي، وهذا على قلّته أشعر بأنه زائد على الحاجة
------------
رصيف٢٢.


الصفحات
سياسة








