"نصيحة من هالدقن يا غائبين أرجعوا".. بهذه الكلمات اختار الكاتب والمفكر السوري محيي الدين اللاذقاني أن يوجه نداءه إلى السوريين الذين طال غيابهم عن البلاد، في تدوينة نشرها من مدينة دير الزور، مستحضراً مشهد الجسر التاريخي الذي تعرض للتدمير خلال سنوات الحرب، ومعبراً عن أمله في أن تستعيد سوريا مكانتها الحضارية، وأن يعود أبناؤها للمشاركة في نهضتها.
وفي مسار موازٍ، تحدث المنشد والملحن السوري محمد منذر سرميني، المعروف باسم "أبو الجود"، عن الكرامة التي قال إنه افتقدها على مدى عقود، معتبراً أن استعادتها تمثل أحد أعظم مكتسبات ما وصفه بـ "التحرير المبارك"، وداعياً السوريين إلى مساندة المرحلة الجديدة وتقديم النصيحة والبذل والعمل لإنجاحها.
ولا تقف دلالات هاتين الرسالتين عند حدود التعبير عن التفاؤل بالتحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بل تتقاطعان مع عودة أسماء فنية وثقافية سورية غابت طويلاً عن البلاد، من الفنانة أصالة نصري التي عادت إلى الغناء في دمشق في أيلول/سبتمبر 2026 بعد غياب عن المسارح السورية استمر نحو 15 عاماً، إلى المنشد محمد مصطفى، المعروف فنياً باسم "أبو راتب"، الذي عاد مطلع عام 2025 بعد نحو 44 عاماً في الخارج، وشقيقه المنشد والفنان موسى مصطفى.
وتقدم هذه التجارب، على اختلاف مسارات أصحابها ومدارسهم الفنية، صورة عن عودة أصوات ارتبطت في الذاكرة السورية بالأغنية الحديثة والإنشاد الإسلامي والثورة والمنفى، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات إعادة البناء واستعادة الثقة وتهيئة الظروف لعودة مزيد من أبنائها.
في تدوينته، وضع أبو الجود الكرامة في مقدمة ما اعتبره مكاسب التغيير السياسي في سوريا، قائلاً إن من أعظم مكتسباته من "هذا التحرير المبارك" الكرامة التي افتقدها على مدى عدة عقود.
وأشار إلى أن هذا الشعور دفعه إلى الحديث عنه مع أصدقائه كلما التقاهم، مضيفاً أن السوريين يعيشون اليوم، بحسب تعبيره، "حقيقة الإسلام وصورته النهضوية"، رغم ما قد يظهر من أخطاء هنا وهناك.
ولا يكتفي المنشد السوري باستحضار تجربته الشخصية، بل يربطها بمسؤولية جماعية تجاه المرحلة الجديدة، داعياً السوريين إلى عدم إدارة الظهر لما يجري أو التكاسل عن أداء أدوارهم.
وقال إن من يتقاعس عن دوره، أو يضع العراقيل أمام التقدم والنجاح، سيكون أول المحرومين من "سمو هذا التحرير المبارك"، قبل أن يدعو إلى مساندة المرحلة الجديدة بالنصيحة والمال والجهد، كل بحسب استطاعته.
وتعكس هذه الرسالة رؤية تربط استعادة الكرامة بضرورة الانتقال من الاحتفاء بالتغيير إلى المشاركة في بناء المستقبل. فالتغيير، وفق هذا التصور، لا يكتمل بمجرد سقوط نظام سياسي، بل يحتاج إلى مجتمع مستعد للإسهام في إصلاح المؤسسات، ومعالجة آثار الحرب، واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، فإن إشارة أبي الجود إلى وجود أخطاء في المرحلة الراهنة تفتح الباب أمام قراءة لا تفصل المساندة عن النقد؛ إذ إن دعوته إلى النصيحة يمكن أن تشمل المطالبة بتحسين الأداء العام، وتعزيز سيادة القانون، وضمان الحقوق والحريات، ومعالجة أوجه القصور التي قد تظهر خلال المرحلة الانتقالية.
ولا تحدد التدوينة طبيعة الأخطاء التي يشير إليها، لكنها تؤكد أن المسؤولية، في نظره، لا تقع على السلطات وحدها، بل تشمل أيضاً المواطنين القادرين على المساهمة في إنجاح التحول.
أما اللاذقاني، فاختار مدينة دير الزور لتوجيه رسالته، مستعيداً عبارة قال إن أحد مسؤولي النظام السابق أطلقها في مرحلة وصفها بالمظلمة: "نصيحة من هالدقن لا حدا يرجع".
وقابل الكاتب هذه العبارة بنداء معاكس: "نصيحة من هالدقن يا غائبين أرجعوا"، داعياً السوريين الذين طال غيابهم إلى العودة وعدم إطالة الابتعاد عن البلاد.
وكتب أن سوريا "أفاقت من كبوتها، ونهضت تستعيد مجدها، وحضارتها ورقيها، ومكانها السامي بين الأمم المتحضرة"، مضيفاً أنها تنتظر أبناءها لتزهو وتفرح بعودتهم وتزدهر.
وربط اللاذقاني دعوته بما وصفه بفرصة تاريخية بحجم حلم الحرية والكرامة الذي دفع السوريون ثمناً باهظاً لتحقيقه، مؤكداً أن الفرصة المتاحة تنتظر من يبادر إلى اغتنامها.
وتكتسب الرسالة دلالتها من المكان الذي كتب منه اللاذقاني؛ فجسر دير الزور التاريخي، الذي تعرض للتدمير خلال الحرب، لا يمثل مجرد منشأة عمرانية، بل يرتبط بذاكرة المدينة وهويتها، وبما فقدته مناطق سورية واسعة من معالمها وبنيتها التحتية.
ومن هنا، يتجاوز نداء العودة معناه العاطفي إلى سؤال عملي بشأن إعادة بناء البلاد: كيف يمكن استعادة المدن المتضررة، وإعادة تأهيل الخدمات، وتهيئة فرص العمل، وتشجيع أصحاب الخبرات ورؤوس الأموال على العودة والمساهمة في التعافي؟
فالعودة ليست قراراً وجدانياً فحسب بالنسبة إلى ملايين السوريين الذين عاشوا سنوات طويلة في اللجوء أو المنفى؛ إذ ترتبط أيضاً بالأمن والسكن والعمل والتعليم والرعاية الصحية، والضمانات القانونية، وإمكان استعادة الممتلكات، وتوافر الظروف التي تسمح ببدء حياة مستقرة.
وبذلك، يضع اللاذقاني عودة السوريين في قلب مشروع النهضة الذي يتطلع إليه، فيما تظل إمكانية تحويل هذا النداء إلى عودة واسعة ومستدامة مرتبطة بقدرة البلاد على توفير الشروط اللازمة لذلك.
تمثل عودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق إحدى أبرز المحطات الفنية الرمزية في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد.
فبعد غياب عن إحياء الحفلات في سوريا منذ عام 2010، عادت أصالة إلى العاصمة في أيلول/سبتمبر 2026، وأحيت حفلاً في صالة الفيحاء الرياضية بعد نحو 15 عاماً من الابتعاد عن المسارح السورية، في غياب ارتبط بموقفها المؤيد للثورة السورية ومعارضتها نظام بشار الأسد.
ولم تكن عودة أصالة مجرد استئناف لحفلات مؤجلة؛ فقد ارتبطت تجربتها خلال سنوات الثورة بمواقف علنية مؤيدة لمطالب السوريين، بينما تعرضت لانتقادات من وسائل إعلام موالية للنظام السابق، وأُعلن فصلها من نقابة الفنانين السوريين خلال تلك الفترة.
وخلال حفل عودتها، بدت الفنانة متأثرة أمام الجمهور، واستهلت أداءها بأغنية "ارفع راسك فوق.. إنت سوري حر"، في مشهد جمع بين العودة الفنية واستحضار سنوات الغياب والتحولات التي مرت بها البلاد. كما تخلل الحفل عرض مشاهد من مسيرتها الفنية ومقاطع ارتبطت بالاحتجاجات والثورة السورية.
وتكتسب تجربة أصالة أهمية من موقعها في الأغنية العربية الحديثة، ومن كونها فنانة ذات حضور جماهيري واسع، ارتبط اسمها بموقف سياسي واضح خلال سنوات الصراع.
لكن عودتها تظل، من الناحية المهنية، عودة إلى جمهورها وإلى النشاط الفني داخل سوريا، ولا تعني بالضرورة أنها أعلنت مشروعاً مستقلاً لإعادة الإعمار. وتتمثل دلالتها الأوسع في استعادة المجال الثقافي السوري صوتاً فنياً ظل بعيداً عن المسارح المحلية سنوات طويلة.
وتطرح هذه العودة أيضاً سؤالاً بشأن مستقبل العلاقة بين الفن والمجال العام في سوريا: هل يمكن أن تتحول عودة الفنانين إلى فرصة لإعادة بناء الحياة الثقافية على أساس التنوع، بحيث يجد أصحاب التجارب والمواقف المختلفة مكاناً لهم، وتبقى مساحة الاختيار للجمهور؟
إذا كانت عودة أصالة قد اختصرت خمسة عشر عاماً من الغياب عن المسارح السورية، فإن تجربة المنشد محمد مصطفى، المعروف باسم "أبو راتب"، تحمل امتداداً زمنياً أطول.
فقد غادر أبو راتب سوريا في سن مبكرة، وعاش خارجها نحو 44 عاماً، ارتبط خلالها اسمه بالأناشيد الإسلامية والوطنية التي تداولها سوريون في الداخل والخارج، ولا سيما تلك التي تناولت أحداث حماة ومناهضة حكم عائلة الأسد.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، عاد المنشد إلى سوريا، وظهر في دمشق ثم شارك في احتفالية شعبية بساحة العاصي في حماة، حيث أنشد أمام حشد من الأهالي الذين رددوا معه أعمالاً ارتبطت بذاكرة المدينة وتاريخ المعارضة للنظام السابق.
ووصف أبو راتب، في تصريحات نقلتها "الجزيرة"، عودته إلى حماة بأنها لحظة تاريخية، مستذكراً السنوات الطويلة التي قضاها بعيداً عن وطنه.
وتعود خصوصية هذه التجربة إلى أن أناشيده لم تكن مجرد أعمال فنية في ذاكرة جمهورها، بل ارتبطت أيضاً بمرحلة سياسية وأحداث تركت آثاراً عميقة في المجتمع السوري. وتشير تقارير صحفية إلى أن تداول هذه الأناشيد كان محظوراً في عهد النظام السابق، وأن كثيراً من السوريين احتفظوا بها وتناقلوها سراً.
ومن ثم، فإن عودة أبو راتب إلى ساحات المدن السورية وأداؤه أمام جمهورها يحملان دلالة تتجاوز الحضور الفني، إذ يعيدان إلى الفضاء العام صوتاً عاش عقوداً في المنفى، ويرتبط في ذاكرة مستمعيه بتجربة المعارضة والاغتراب.
كما أن مشاركته في الفعاليات العامة تتيح استعادة جزء من الذاكرة الفنية التي حملها السوريون معهم خلال سنوات الغياب، وتعيد وصل الأجيال التي عرفت أناشيده في الثمانينيات والأجيال التي تعرفت إلى أعماله لاحقاً.
إلى جانب أبي راتب، عاد شقيقه المنشد والفنان موسى مصطفى إلى سوريا في كانون الثاني/يناير 2025، بعد سنوات طويلة في الخارج، وشارك في فعاليات فنية وإنشادية داخل البلاد.
وظهر موسى مصطفى في مهرجان "النصر والتحرير" الذي أقيم في ساحة العاصي بمدينة حماة في 17 كانون الثاني/يناير 2025، ضمن مجموعة من الفنانين والمنشدين الذين شاركوا في الاحتفال الشعبي بسقوط النظام السابق.
وينتمي موسى مصطفى إلى عالم الإنشاد، وله أعمال موجهة إلى الأطفال والكبار، كما عُرف لدى جمهور واسع من خلال مشاركته في هذا اللون الفني. وقد أتاح حضوره إلى جانب شقيقه عودة صوتين ارتبطا بذاكرة الإنشاد السوري إلى الفعاليات العامة داخل البلاد.
وتكشف تجربتهما عن جانب من التحولات التي شهدها المجال الفني السوري؛ إذ لم تعد العودة مقتصرة على فنانين ينتمون إلى الأغنية الجماهيرية الحديثة، بل شملت أيضاً منشدين ارتبطت أعمالهم بمرجعيات دينية ووطنية، وبجمهور حافظ على صلته بهم رغم سنوات المنفى.
ولا يعني اختلاف المدارس الفنية أن تجارب أصحابها متطابقة؛ فأصالة تنتمي إلى الأغنية العربية الحديثة، فيما ينتمي أبو راتب وموسى مصطفى إلى تقليد الإنشاد الإسلامي. لكن اجتماع هذه الأصوات في المشهد السوري بعد سقوط النظام السابق يتيح قراءة أوسع لمسألة استعادة التنوع الثقافي وإعادة فتح المساحات العامة أمام تجارب كانت غائبة أو محدودة الحضور.
تلتقي هذه التجارب عند فكرة العودة، لكنها تختلف في طبيعتها وفي ما يمكن أن تقدمه للبلاد. فعودة أصالة إلى دمشق تمثلت في استئناف نشاطها الفني أمام جمهور سوري بعد سنوات من الغياب، فيما ارتبطت عودة أبي راتب وموسى مصطفى بظهورهما في الفعاليات الإنشادية داخل المدن السورية، واستعادة أعمال لها حضور في الذاكرة الثقافية والاجتماعية.
أما أبو الجود فيدعو إلى مساندة المرحلة الجديدة والعمل على إنجاحها، بينما يحث اللاذقاني السوريين الغائبين على العودة والمشاركة في استعادة مكانة البلاد.
ومن المهم هنا التمييز بين العودة إلى الوطن، والعودة إلى المجال الثقافي، والمشاركة المباشرة في مشروعات إعادة الإعمار. فهذه مسارات يمكن أن تتقاطع، لكنها ليست شيئاً واحداً، ولا تتوافر معطيات كافية للقول إن جميع الفنانين المذكورين أعلنوا برامج عملية محددة لإعادة البناء.
ويعتقد المعنيون بقطاع الثقافة أنه يمكن أن تسهم عودة الفنانين والمبدعين في التعافي بطرق متعددة، من بينها تنشيط الحياة الثقافية، وإقامة الحفلات والفعاليات، وإحياء الذاكرة الفنية، وتوفير فرص العمل في القطاعات الإبداعية، والمساهمة في استعادة الثقة بالحياة العامة.
كما يمكن للخبرات التي اكتسبها السوريون في الخارج، في مجالات الفن والتعليم والإعلام والإدارة والأعمال، أن تشكل مورداً مهماً إذا توافرت بيئة تسمح لهم بالعمل والاستثمار والمشاركة بصورة مستقرة.
لكن إعادة بناء سوريا تحتاج، وفق اللاذقاني، إلى جانب المبادرات الفردية، إلى مؤسسات فعالة وسياسات واضحة، وإلى استثمارات في البنية التحتية والخدمات، وضمانات قانونية تحمي الحقوق، وظروف اقتصادية واجتماعية تتيح للناس العودة والاستقرار.
ومن دون هذه الشروط، قد تبقى العودة حدثاً رمزياً مؤثراً، لكنه غير كافٍ وحده لمعالجة التحديات المتراكمة خلال سنوات الحرب.
وفي مسار موازٍ، تحدث المنشد والملحن السوري محمد منذر سرميني، المعروف باسم "أبو الجود"، عن الكرامة التي قال إنه افتقدها على مدى عقود، معتبراً أن استعادتها تمثل أحد أعظم مكتسبات ما وصفه بـ "التحرير المبارك"، وداعياً السوريين إلى مساندة المرحلة الجديدة وتقديم النصيحة والبذل والعمل لإنجاحها.
ولا تقف دلالات هاتين الرسالتين عند حدود التعبير عن التفاؤل بالتحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بل تتقاطعان مع عودة أسماء فنية وثقافية سورية غابت طويلاً عن البلاد، من الفنانة أصالة نصري التي عادت إلى الغناء في دمشق في أيلول/سبتمبر 2026 بعد غياب عن المسارح السورية استمر نحو 15 عاماً، إلى المنشد محمد مصطفى، المعروف فنياً باسم "أبو راتب"، الذي عاد مطلع عام 2025 بعد نحو 44 عاماً في الخارج، وشقيقه المنشد والفنان موسى مصطفى.
وتقدم هذه التجارب، على اختلاف مسارات أصحابها ومدارسهم الفنية، صورة عن عودة أصوات ارتبطت في الذاكرة السورية بالأغنية الحديثة والإنشاد الإسلامي والثورة والمنفى، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات إعادة البناء واستعادة الثقة وتهيئة الظروف لعودة مزيد من أبنائها.
أبو الجود: الكرامة مسؤولية وليست مجرد شعور
في تدوينته، وضع أبو الجود الكرامة في مقدمة ما اعتبره مكاسب التغيير السياسي في سوريا، قائلاً إن من أعظم مكتسباته من "هذا التحرير المبارك" الكرامة التي افتقدها على مدى عدة عقود.
وأشار إلى أن هذا الشعور دفعه إلى الحديث عنه مع أصدقائه كلما التقاهم، مضيفاً أن السوريين يعيشون اليوم، بحسب تعبيره، "حقيقة الإسلام وصورته النهضوية"، رغم ما قد يظهر من أخطاء هنا وهناك.
ولا يكتفي المنشد السوري باستحضار تجربته الشخصية، بل يربطها بمسؤولية جماعية تجاه المرحلة الجديدة، داعياً السوريين إلى عدم إدارة الظهر لما يجري أو التكاسل عن أداء أدوارهم.
وقال إن من يتقاعس عن دوره، أو يضع العراقيل أمام التقدم والنجاح، سيكون أول المحرومين من "سمو هذا التحرير المبارك"، قبل أن يدعو إلى مساندة المرحلة الجديدة بالنصيحة والمال والجهد، كل بحسب استطاعته.
وتعكس هذه الرسالة رؤية تربط استعادة الكرامة بضرورة الانتقال من الاحتفاء بالتغيير إلى المشاركة في بناء المستقبل. فالتغيير، وفق هذا التصور، لا يكتمل بمجرد سقوط نظام سياسي، بل يحتاج إلى مجتمع مستعد للإسهام في إصلاح المؤسسات، ومعالجة آثار الحرب، واستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي الوقت نفسه، فإن إشارة أبي الجود إلى وجود أخطاء في المرحلة الراهنة تفتح الباب أمام قراءة لا تفصل المساندة عن النقد؛ إذ إن دعوته إلى النصيحة يمكن أن تشمل المطالبة بتحسين الأداء العام، وتعزيز سيادة القانون، وضمان الحقوق والحريات، ومعالجة أوجه القصور التي قد تظهر خلال المرحلة الانتقالية.
ولا تحدد التدوينة طبيعة الأخطاء التي يشير إليها، لكنها تؤكد أن المسؤولية، في نظره، لا تقع على السلطات وحدها، بل تشمل أيضاً المواطنين القادرين على المساهمة في إنجاح التحول.
محيي الدين اللاذقاني: من دير الزور نداء إلى الغائبين
أما اللاذقاني، فاختار مدينة دير الزور لتوجيه رسالته، مستعيداً عبارة قال إن أحد مسؤولي النظام السابق أطلقها في مرحلة وصفها بالمظلمة: "نصيحة من هالدقن لا حدا يرجع".
وقابل الكاتب هذه العبارة بنداء معاكس: "نصيحة من هالدقن يا غائبين أرجعوا"، داعياً السوريين الذين طال غيابهم إلى العودة وعدم إطالة الابتعاد عن البلاد.
وكتب أن سوريا "أفاقت من كبوتها، ونهضت تستعيد مجدها، وحضارتها ورقيها، ومكانها السامي بين الأمم المتحضرة"، مضيفاً أنها تنتظر أبناءها لتزهو وتفرح بعودتهم وتزدهر.
وربط اللاذقاني دعوته بما وصفه بفرصة تاريخية بحجم حلم الحرية والكرامة الذي دفع السوريون ثمناً باهظاً لتحقيقه، مؤكداً أن الفرصة المتاحة تنتظر من يبادر إلى اغتنامها.
وتكتسب الرسالة دلالتها من المكان الذي كتب منه اللاذقاني؛ فجسر دير الزور التاريخي، الذي تعرض للتدمير خلال الحرب، لا يمثل مجرد منشأة عمرانية، بل يرتبط بذاكرة المدينة وهويتها، وبما فقدته مناطق سورية واسعة من معالمها وبنيتها التحتية.
ومن هنا، يتجاوز نداء العودة معناه العاطفي إلى سؤال عملي بشأن إعادة بناء البلاد: كيف يمكن استعادة المدن المتضررة، وإعادة تأهيل الخدمات، وتهيئة فرص العمل، وتشجيع أصحاب الخبرات ورؤوس الأموال على العودة والمساهمة في التعافي؟
فالعودة ليست قراراً وجدانياً فحسب بالنسبة إلى ملايين السوريين الذين عاشوا سنوات طويلة في اللجوء أو المنفى؛ إذ ترتبط أيضاً بالأمن والسكن والعمل والتعليم والرعاية الصحية، والضمانات القانونية، وإمكان استعادة الممتلكات، وتوافر الظروف التي تسمح ببدء حياة مستقرة.
وبذلك، يضع اللاذقاني عودة السوريين في قلب مشروع النهضة الذي يتطلع إليه، فيما تظل إمكانية تحويل هذا النداء إلى عودة واسعة ومستدامة مرتبطة بقدرة البلاد على توفير الشروط اللازمة لذلك.
أصالة نصري.. عودة إلى دمشق بعد سنوات من الغياب
تمثل عودة الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق إحدى أبرز المحطات الفنية الرمزية في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الأسد.
فبعد غياب عن إحياء الحفلات في سوريا منذ عام 2010، عادت أصالة إلى العاصمة في أيلول/سبتمبر 2026، وأحيت حفلاً في صالة الفيحاء الرياضية بعد نحو 15 عاماً من الابتعاد عن المسارح السورية، في غياب ارتبط بموقفها المؤيد للثورة السورية ومعارضتها نظام بشار الأسد.
ولم تكن عودة أصالة مجرد استئناف لحفلات مؤجلة؛ فقد ارتبطت تجربتها خلال سنوات الثورة بمواقف علنية مؤيدة لمطالب السوريين، بينما تعرضت لانتقادات من وسائل إعلام موالية للنظام السابق، وأُعلن فصلها من نقابة الفنانين السوريين خلال تلك الفترة.
وخلال حفل عودتها، بدت الفنانة متأثرة أمام الجمهور، واستهلت أداءها بأغنية "ارفع راسك فوق.. إنت سوري حر"، في مشهد جمع بين العودة الفنية واستحضار سنوات الغياب والتحولات التي مرت بها البلاد. كما تخلل الحفل عرض مشاهد من مسيرتها الفنية ومقاطع ارتبطت بالاحتجاجات والثورة السورية.
وتكتسب تجربة أصالة أهمية من موقعها في الأغنية العربية الحديثة، ومن كونها فنانة ذات حضور جماهيري واسع، ارتبط اسمها بموقف سياسي واضح خلال سنوات الصراع.
لكن عودتها تظل، من الناحية المهنية، عودة إلى جمهورها وإلى النشاط الفني داخل سوريا، ولا تعني بالضرورة أنها أعلنت مشروعاً مستقلاً لإعادة الإعمار. وتتمثل دلالتها الأوسع في استعادة المجال الثقافي السوري صوتاً فنياً ظل بعيداً عن المسارح المحلية سنوات طويلة.
وتطرح هذه العودة أيضاً سؤالاً بشأن مستقبل العلاقة بين الفن والمجال العام في سوريا: هل يمكن أن تتحول عودة الفنانين إلى فرصة لإعادة بناء الحياة الثقافية على أساس التنوع، بحيث يجد أصحاب التجارب والمواقف المختلفة مكاناً لهم، وتبقى مساحة الاختيار للجمهور؟
أبو راتب.. عودة بعد 44 عاماً من المنفى
إذا كانت عودة أصالة قد اختصرت خمسة عشر عاماً من الغياب عن المسارح السورية، فإن تجربة المنشد محمد مصطفى، المعروف باسم "أبو راتب"، تحمل امتداداً زمنياً أطول.
فقد غادر أبو راتب سوريا في سن مبكرة، وعاش خارجها نحو 44 عاماً، ارتبط خلالها اسمه بالأناشيد الإسلامية والوطنية التي تداولها سوريون في الداخل والخارج، ولا سيما تلك التي تناولت أحداث حماة ومناهضة حكم عائلة الأسد.
وفي كانون الثاني/يناير 2025، عاد المنشد إلى سوريا، وظهر في دمشق ثم شارك في احتفالية شعبية بساحة العاصي في حماة، حيث أنشد أمام حشد من الأهالي الذين رددوا معه أعمالاً ارتبطت بذاكرة المدينة وتاريخ المعارضة للنظام السابق.
ووصف أبو راتب، في تصريحات نقلتها "الجزيرة"، عودته إلى حماة بأنها لحظة تاريخية، مستذكراً السنوات الطويلة التي قضاها بعيداً عن وطنه.
وتعود خصوصية هذه التجربة إلى أن أناشيده لم تكن مجرد أعمال فنية في ذاكرة جمهورها، بل ارتبطت أيضاً بمرحلة سياسية وأحداث تركت آثاراً عميقة في المجتمع السوري. وتشير تقارير صحفية إلى أن تداول هذه الأناشيد كان محظوراً في عهد النظام السابق، وأن كثيراً من السوريين احتفظوا بها وتناقلوها سراً.
ومن ثم، فإن عودة أبو راتب إلى ساحات المدن السورية وأداؤه أمام جمهورها يحملان دلالة تتجاوز الحضور الفني، إذ يعيدان إلى الفضاء العام صوتاً عاش عقوداً في المنفى، ويرتبط في ذاكرة مستمعيه بتجربة المعارضة والاغتراب.
كما أن مشاركته في الفعاليات العامة تتيح استعادة جزء من الذاكرة الفنية التي حملها السوريون معهم خلال سنوات الغياب، وتعيد وصل الأجيال التي عرفت أناشيده في الثمانينيات والأجيال التي تعرفت إلى أعماله لاحقاً.
موسى مصطفى.. حضور إنشادي مع عودة شقيقه
إلى جانب أبي راتب، عاد شقيقه المنشد والفنان موسى مصطفى إلى سوريا في كانون الثاني/يناير 2025، بعد سنوات طويلة في الخارج، وشارك في فعاليات فنية وإنشادية داخل البلاد.
وظهر موسى مصطفى في مهرجان "النصر والتحرير" الذي أقيم في ساحة العاصي بمدينة حماة في 17 كانون الثاني/يناير 2025، ضمن مجموعة من الفنانين والمنشدين الذين شاركوا في الاحتفال الشعبي بسقوط النظام السابق.
وينتمي موسى مصطفى إلى عالم الإنشاد، وله أعمال موجهة إلى الأطفال والكبار، كما عُرف لدى جمهور واسع من خلال مشاركته في هذا اللون الفني. وقد أتاح حضوره إلى جانب شقيقه عودة صوتين ارتبطا بذاكرة الإنشاد السوري إلى الفعاليات العامة داخل البلاد.
وتكشف تجربتهما عن جانب من التحولات التي شهدها المجال الفني السوري؛ إذ لم تعد العودة مقتصرة على فنانين ينتمون إلى الأغنية الجماهيرية الحديثة، بل شملت أيضاً منشدين ارتبطت أعمالهم بمرجعيات دينية ووطنية، وبجمهور حافظ على صلته بهم رغم سنوات المنفى.
ولا يعني اختلاف المدارس الفنية أن تجارب أصحابها متطابقة؛ فأصالة تنتمي إلى الأغنية العربية الحديثة، فيما ينتمي أبو راتب وموسى مصطفى إلى تقليد الإنشاد الإسلامي. لكن اجتماع هذه الأصوات في المشهد السوري بعد سقوط النظام السابق يتيح قراءة أوسع لمسألة استعادة التنوع الثقافي وإعادة فتح المساحات العامة أمام تجارب كانت غائبة أو محدودة الحضور.
من الفن إلى إعادة البناء.. كيف تتحول العودة إلى مساهمة عملية؟
تلتقي هذه التجارب عند فكرة العودة، لكنها تختلف في طبيعتها وفي ما يمكن أن تقدمه للبلاد. فعودة أصالة إلى دمشق تمثلت في استئناف نشاطها الفني أمام جمهور سوري بعد سنوات من الغياب، فيما ارتبطت عودة أبي راتب وموسى مصطفى بظهورهما في الفعاليات الإنشادية داخل المدن السورية، واستعادة أعمال لها حضور في الذاكرة الثقافية والاجتماعية.
أما أبو الجود فيدعو إلى مساندة المرحلة الجديدة والعمل على إنجاحها، بينما يحث اللاذقاني السوريين الغائبين على العودة والمشاركة في استعادة مكانة البلاد.
ومن المهم هنا التمييز بين العودة إلى الوطن، والعودة إلى المجال الثقافي، والمشاركة المباشرة في مشروعات إعادة الإعمار. فهذه مسارات يمكن أن تتقاطع، لكنها ليست شيئاً واحداً، ولا تتوافر معطيات كافية للقول إن جميع الفنانين المذكورين أعلنوا برامج عملية محددة لإعادة البناء.
ويعتقد المعنيون بقطاع الثقافة أنه يمكن أن تسهم عودة الفنانين والمبدعين في التعافي بطرق متعددة، من بينها تنشيط الحياة الثقافية، وإقامة الحفلات والفعاليات، وإحياء الذاكرة الفنية، وتوفير فرص العمل في القطاعات الإبداعية، والمساهمة في استعادة الثقة بالحياة العامة.
كما يمكن للخبرات التي اكتسبها السوريون في الخارج، في مجالات الفن والتعليم والإعلام والإدارة والأعمال، أن تشكل مورداً مهماً إذا توافرت بيئة تسمح لهم بالعمل والاستثمار والمشاركة بصورة مستقرة.
لكن إعادة بناء سوريا تحتاج، وفق اللاذقاني، إلى جانب المبادرات الفردية، إلى مؤسسات فعالة وسياسات واضحة، وإلى استثمارات في البنية التحتية والخدمات، وضمانات قانونية تحمي الحقوق، وظروف اقتصادية واجتماعية تتيح للناس العودة والاستقرار.
ومن دون هذه الشروط، قد تبقى العودة حدثاً رمزياً مؤثراً، لكنه غير كافٍ وحده لمعالجة التحديات المتراكمة خلال سنوات الحرب.


الصفحات
سياسة









