وعزا مدير مؤسسة سد الفرات، هيثم بكور، هذا الضغط إلى واحد من أغزر مواسم الأمطار في سوريا منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، وقد تفاقم بفعل إطلاق تركيا كميات ضخمة من المياه من خزانات السدود الواقعة في أعالي النهر. وغمرت المياه المنازل والأراضي الزراعية ومخيمات النازحين، وواجه الآلاف خطر الإخلاء، وهو، بلغة التجربة المعيشية السورية، نزوح للمرة الثانية أو الثالثة.
إن بقاء اتفاق ثنائي أُبرم عام 1987 الصك القانوني الرئيسي الذي يحكم نظاماً نهرياً يعتمد عليه عشرات الملايين، لهو في ذاته مقياس للفشل السياسي في الحوض.
هذه الأزمة ليست كارثة طبيعية؛ فهي نتاج التقاء ثلاثة إخفاقات متفاقمة: نظام معاهدات ثنائي معيب بين تركيا وسوريا، ورفض تركي للإطار المتعدد الأطراف الملزم في القانون الدولي للمجاري المائية الدولية، ودولة سورية خارجة من الحرب باتت بنيتها التحتية متهالكة إلى حد يعجزها عن استيعاب صدمة هيدرولوجية مفاجئة. وإذا نظرنا إلى كل عامل على حدة، وجدنا أنه ينطوي على خطورة بالغة؛ أما مجتمعة، فهي تؤلف فراغاً قانونياً يحوّل الأحداث الهيدرولوجية القابلة للاحتواء إلى حالات طوارئ إنسانية.
والصك الثنائي الأساسي الذي يحكم تدفق مياه الفرات هو بروتوكول عام 1987 بين تركيا وسوريا، الذي التزمت أنقرة بموجبه بالحفاظ على حد أدنى لمتوسط التدفق يبلغ 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود التركية السورية. كما أنشأ البروتوكول لجاناً فنية مشتركة لتبادل البيانات الهيدرولوجية، وهي آلية كانت لها بعض الفائدة التشغيلية أثناء ملء خزان سد أتاتورك عام 1990، حين أخطرت تركيا سوريا والعراق قبل أشهر من بدء العملية. ومع ذلك، يبقى البروتوكول محدوداً من الناحية الفنية؛ فهو يضع حداً أدنى للكمية، لكنه لا يحدد أي صيغة لتوزيع التدفقات الفائضة، ولا يتضمن آلية لتحديد سقف يمنع التصريف الزائد الخطير، ولا جدولاً زمنياً ملزماً للإخطار يتناسب مع قدرة دول المصب على الاستجابة، ولا آلية لفض النزاعات عبر طرف ثالث. كما أنه لا يأخذ في الحسبان التغير المناخي، ولا الآثار المتراكمة لمشروع جنوب شرق الأناضول التركي (GAP)، الذي يضم 22 سداً و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية على نظامي الفرات ودجلة، ولا سيناريوهات ما بعد النزاع، حيث تقترب القدرة الاستيعابية لدول المصب من الصفر. ويوزع اتفاق سوري عراقي تكميلي لعام 1990 نسبة 42 في المئة من مياه الفرات التي تدخل سوريا إلى دمشق و58 في المئة إلى بغداد، لكنه يعمل هو الآخر من دون آلية قابلة للتنفيذ لفض النزاعات. وإن بقاء اتفاق ثنائي أُبرم عام 1987 الصك القانوني الرئيسي الذي يحكم نظاماً نهرياً يعتمد عليه عشرات الملايين، لهو في ذاته مقياس للفشل السياسي في الحوض.
وإن غياب اتفاق ثلاثي على مستوى الحوض بأكمله كان ومازال الفجوة الأكثر أثراً؛ إذ لا يوجد أي صك ثلاثي ملزم بين تركيا وسوريا والعراق بشأن نظام الفرات ودجلة. وقد نُفذت عمليات بناء السدود وتوسيع شبكات الري وإدارة المياه كلها بصورة أحادية الجانب، مما أدى إلى نشوء ديناميكية قائمة على المحصلة الصفرية، حيث يؤدي التطوير في دول المنبع إلى تقويض حقوق دول المصب من دون قيود قانونية كافية. ولم تحظَ البدائل التي اقترحتها تركيا نفسها، مثل "الخطة ذات المراحل الثلاث للاستخدام الأمثل والمنصف والمعقول"، بقبول سوريا والعراق قط، لأنها دمجت النظامين النهريين بطريقة كانت ستتيح لأنقرة موازنة فائضها في أحدهما بعجزها في الآخر، وهي صيغة تضع دول المصب في وضع غير مؤاتٍ على الدوام.
----------
تلفزيون سوريا


الصفحات
سياسة








