هذا الحضور يجعل من أي تفصيل مهما كان صغيراً محط أنظار العالم، من هنا تحاول الدول المتأهلة تقديم أفضل ماعندها سواء في اللعبة أو حتى إظهار وجهها الثقافي والحضاري من خلال جماهيرها، كما تحاول الدولة المستضيفة جعل هذا المهرجان العالمي فرصة لتقديم نفسها سياحياً واقتصادياً وحضارياً، كرة القدم ليست مجرد رياضة وإنما هي حدث استثنائي.
في هذا المونديال برز مثالان واضحان على قوة البلاد وحرصها على تقديم أفضل ما لديها، قبل 11 حزيران 2026 لم يكن الكثير قد سمع بدولة اسمها كاب فيردي أو الرأس الأخضر، دولة عدد سكانها أقل من مليون نسمة وبمساحة لاتزيد عن 4000 كم مربع في تقديرات عديدة واقتصاد متواضع، ولكن وخلال أيام بات العالم أجمع يعرف ما هذه الجزيرة أو مجموعة الجزر التي تقع في المحيط الأطلسي قبالة الساحل الغربي لأفريقيا، وعلى بُعد نحو 570 كيلومتراً من سواحل السنغال.
السبب الرئيس في هذه القفزة المعرفية يعود إلى 11 لاعباً ومدربهم والطاقم الاحتياطي والفني، والذين قدموا مستوى عالٍ في كرة القدم وقارعوا منتخبات لها باع في كرة القد،م مثل إسبانيا والأورغواي والسعودية، ومن ثم قدمت مباراة كبيرة أمام بطل العالم في النسخة السابقة المنتخب الأرجنتيني، حيث احتاجت الأرجنتين إلى وقت إضافي للفوز، من هنا جاء إنجاز دولة صغيرة بحجم جزر كاب فيردي.
الملفت كان تصرف مدربها ففي بداية كل مباراة كان يهدي مدرب المنتخب الآخر هدية هي عبارة عن خارطة لدولته، إضافة إلى شروحات حولها، وبذلك تكون قد دخلت التاريخ ببساطة ومن باب الرياضة.
بالمقابل استندت دولة، مثل البرازيل إلى تاريخ كروي حافل، حيث تحمل 5 كؤوس عالم و 9 مرات فازت ببطولة كوبا أميركا، وهي المرشح الدائم لأي بطولة تدخلها، ومع كل هذا التاريخ وأرقام فلكية يحملها لاعبوه، إذ يكاد مجموع أسعار لاعبي المنتخب البرازيلي في كأس العالم والذين يلعبون في الأندية الأوروبية، يعادل الدخل القومي لدولة كاب فيردي، ومع ذلك لم تحقق البرازيل الأثر المطلوب وخرجت من ذات الدور الذي خرجت منه البرازيل أمام فريق متوسط في أوروبا هو النروج.
الغرض من هذه المقارنة يعيدنا ربما إلى علم الاجتماع السياسي وكيفية قدرة الأمم على صناعة أثرها في جميع المجالات دون الركون فقط إلى التاريخ أو انجازات الغير، وإنما العمل الجاد والمنتج هو ما يجعل للدول موقعها بين الدول، وينطبق هذا المثال على جميع المسارات السياسية والاقتصادية والثقافية.
حيث يبني أبناء الوطن دولهم بدرجة أولى بإيمانهم بها وممارسة حقهم في المواطنة وتسخير قدراتهم لخدمتها، لكن بالمقابل يجب أن توفر الحكومات الفرصة الحقيقية لكي يبدع أبناؤها في جميع مجالات البناء، فالعمل الجاد والمنتج هو ما يجعل للدولة موقعها بين الدول.
-----------
صحيفة الثورة


الصفحات
سياسة








