وربما شكل القبض على أورال بوابة أمل مفتوحة الهوامش في القبض على رأس الإجرام الأسدي، أو على الرأسين الشقيقين، لأن المقبوض عليه اليوم هو أيضاً من عتاة المجرمين، ومن الشخصيات التي لم يتخيل السوريون أن يمثل بين يدي القضاء بسبب قيمته الإجرامية وقدرته على التنقل والدعم الذي كان يتلقاه من أمثاله من المجرمين، وبات السوريون اليوم على ثقة أنهم سيستيقظون يوماً على خبر عاجل وهام، وهو القبض على بشار الأسد وأخيه.
ربما يشكك الكثيرون بهذه الإمكانية بالنظر إلى الحماية التي تقدمها روسيا للمجرميْن الفارّين بل واستحالتها، غير أن الأسد الذي سقط وهو رئيس لديه قوات حماية خاصة وجيش جرار وميليشيات عابرة للحدود، وحماية عسكرية من روسيا ذاتها التي تحميه اليوم “إنسانياً”، ومن دول أخرى، لن يكون في منأى عن السقوط بيد الدولة السورية الجديدة، وهذا وحده كفيل بتقريب ذلك المستحيل والتعامل معه على أنه سيناريو قابل للتحقق وربما بشكل مفاجئ يشابه سيناريو سقوطه تماماً.
ولكن تحقيق العدالة في مكان واستمرار الظلم في مكان آخر، أمر من شأنه أن يقلل من حجم الإنجاز أو ينسفه بشكل كامل، فثمة الكثيرون من المطلوبين للعدالة وهنا لا نشير إلى أشخاص بل إلى مفاهيم مطلقة، تمارس الإجرام بطريقة أخرى وعلى رأسها الفكر الأسدي الذي لا يزال يعيشه الكثيرون ويتعايشون معه سواء بوعي وتخطيط مسبق، أو بحكم استمرار سيطرة تلك المنظومة داخل النفس في تركيبها الداخلي وعمقها البنيوي، سواء على المستوى الاجتماعي والخطاب المعتمد بين الفئات المختلفة والمتباينة، أو على مستوى الأداء الوظيفي والخدمي والمهني، وفي حركة البلد الأساسية على المستوى التجاري والتعاملات اليومية.
موجع جداً أن نتفق على إدانة الأسد وزبانيته وعصاباته ومحوره وجرائمه، دون أن نغسل بقايا فكره ورواسب منظومته، ودون أن نراقب إن كنا فعلاً قد تخلصنا من تلك المنظومة الفكرية، فكارثة الأسد لا تتوقف عند جرائمه، بل تمتد إلى الغرس الملوث والذي لا يزال يهيمن على الكثيرين منا، وكأننا نتبنى النظرية وندين صاحبها، حيث لا تزال الكثير من الممارسات المتقاطعة مع تلك المنظومة مهيمنة على نمط الحياة والسلوكيات اليومية وطرق التعامل بين السوريين.
إن من يكره الأسد والأسدية فعلاً، لا يمكن أن يقبل بإعادة تعويم الفساد والمحسوبيات والوساطة ولا يمكن أن يقبل بالإقصاء أو الاستفراد بالقرار، واستغلال المنصب والعلاقات من أجل المصالح الشخصية، وكل ما يترتب على ذلك من انعكاسات تؤخر تماسك البنية الوطنية، ولا بهيمنة الفقر والبطالة في بلد مليء بالخيرات وفرص العمل كونه سوقاً جديدة تستوعب كل المهن، ولا بالغلاء الفاحش والمتوحش وهي جريمة بحق شعب لا يزال يعجز عن تأمين قوت يومه.
ومن ملامح الأسدية الأساسية الإنكار والمكابرة والعناد وعدم الاعتراف بمرض الأسدية والتعامل مع الرأي المحب والحريص، على أنه حالة من الاتهام والعداء، وهو أيضاً ما نراه لدى الكثير من السوريين المعادين للأسدية، أو من المفترض أنهم كذلك.
لقد بات واضحاً أن الكثيرين منا نحن السوريين يحددون شكل انتمائهم الوطني من زاوية المصلحة الشخصية الضيقة، فطالما كنت مستفيداً فالوطن بخير ولا ملاحظات أو انتقادات على الأداء الحكومي وشكل توجهات الدولة، بل مديح وشكر وامتنان حتى لو كان الواقع مختلفاً عن ذلك، وطالما كنت متضرراً على المستوى الشخصي، فكل ما تفعله الدولة لا قيمة له وحتى الإنجازات الكبيرة يمكن أن تسخّف.
ولا شك أن الكثيرين من السوريين يتهافتون اليوم على مصالحهم الشخصية والضيقة أكثر من حرصهم على بناء أسس جديدة لا تتلاقى نهائياً مع الأسدية، وهو ما يصب في صميم الفكر الأسدي الذي لا يزال ينهش من لحم سوريا وينخر عظامها.
ورغم العداء العميق للوريث الفارّ والذي لا يخفيه السوريون، إلا أن ذلك يجب ألا يتوقف عند شخص الأسد بل يجب أن يمتد إلى فكره وممارساته ونمط العلاقات الذي أسسه، وما استمرار الفقر والجوع والبطالة والفساد، وهو أمر بات ملموساً في الواقع السوري اليوم، إلا تأكيداً على استمرار الفكر الأسدي، من دون الاحتياج إلى إحصائيات وبحوث واستقصاء.
ومع مراعاة التركة الثقيلة التي خلفها المخلوع والوعي بمدى تعقيدها والوقت الذي نحتاجه للتخلص منها، إلا أننا لا نجد أنفسنا في طور المراجعة والاستشفاء، بل في مرحلة نكوص وارتداد، فالمؤشرات تدل على التمسك بالخلاص الفردي وهو جوهر الفكر الأسدي، وهو ما يمكن أن يعيدنا إلى المرحلة التي سعينا بكل ما أوتينا للتخلص منها.
الفكر الأسدي بكل ما يحمله من محددات وسلوك وطرق تعامل والذي لا يزال حراً طليقاً في المجتمع السوري، هو المطلوب رقم واحد اليوم للعدالة، لأن محاسبة مجرمي الأسد هي محاكمة لجرائم وقعت في الماضي، بينما محاسبة الفكر الأسدي هي فعل واجب يحصّن الحاضر والمستقبل ويمنع إعادة تدوير نفايات ذلك العهد، كما أنه الضمانة الوحيدة للعبور بسوريا إلى منطقة نقيّة تضع الأساسات الصلبة والحقيقية لبناء الإنسان وإعادة إعمار الإنسانية والوطنية التي وضع الأسد خطة ممنهجة لتدميرها من خلال كل تلك القيم الوضيعة التي نشرها في المجتمع.
مسؤولية الفرد في هذا السياق لا تقل عن مسؤولية الدولة، ولكن أدوات الدولة في فرض القيم المضادة لقيم الأسدية هي الضمانة، وكما تلاحق الدولة الأسد المخلوع وفلوله وأتباعه رغم خطرهم الضئيل اليوم، فإن عليها ملاحقة الأسدية كفكر ومفاهيم لأنها تشكل الخطر المستقبلي والذي يهدد السوريين وسوريا معاً.
-----------
صحيفة الثورة


الصفحات
سياسة








