اليمن ... فساد إغاثي يجبر على تعليق المساعدات بصنعاء



صنعاء - -أثار التعليق الجزئي للمساعدات من قبل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، مخاوف من تضرر آلاف الأسر اليمنية المعتمدة بشكل أساسي على العون الإغاثي في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله الحوثية.

وفي 20 حزيران / يونيو 2019 أعلن برنامج الأغذية العالمي تعليق المساعدات الإغاثية المقدمة إلى العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، والتي تعتبر أكبر المدن اليمنية المزدحمة بالسكان.

وقال البرنامج في بيان صحفي، إن القرار اتّخذ بوصفه الحلّ الأخير بعد توقّف مفاوضات مطوّلة بشأن الاتفاق على إدخال ضوابط لمنع تحويل مسار الأغذية بعيداً عن الفئات الأشد احتياجاً.


 
وأفاد البرنامج بأنه لطالما كان يسعى للحصول على دعم من سلطات صنعاء من أجل إدخال نظام التسجيل البيومتري للمستفيدين (نظام البصمة البيولوجية) الذي كان سيحول دون التلاعب بالأغذية ويحمي الأسر اليمنية التي يخدمها البرنامج ويضمن وصول الغذاء لمن هم في حاجة ماسّة إليه، لكن لسوء الحظ، لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق.

وشدد البرنامج على أن "عدم التوصّل إلى اتفاق يجعل نزاهة عملياته مهدّدة كما أنّ مسؤوليته تجاه من يساعدهم أصبحت مقيّدة، مشيرا إلى أن القرار يشمل في الوقت الحالي مدينة صنعاء فقط الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

ولاقى هذا القرار الأممي استهجانا كبيرا من قبل الحوثيين، الذين عقدوا اجتماعات طارئة من أجل مناقشة تداعيات ومخاطر وقف المساعدات بصنعاء.

وقال رئيس اللجنة الفنية للإغاثة الإنسانية(تتبع الحوثيين) عبدالوهاب شرف الدين، إن قرار تعليق المساعدات الإنسانية، سيفاقم من معاناة الآلاف من الأسر الفقيرة والمحتاجة والمتضررة والنازحة.

وأشار في تصريح صحفي، أن عدد المستفيدين من مساعدات الأغذية العالمية في مدينة صنعاء، يصل إلى قرابة 285 ألف أسرة، منهم 96 ألف أسرة نازحة من مختلف المحافظات، إلى جانب 69 ألف حالة من المستفيدين من الضمان الاجتماعي التي زادت بعد المسوحات في كافة مديريات المدينة إلى 85 ألف أسرة.

وأدت الحرب اليمنية المشتعلة منذ أكثر من أربع سنوات إلى خلق واقع إنساني هو الأصعب في العالم، ما جعل أكثر من 24 مليون مواطن يشكلون 80% من السكان بحاجة إلى مساعدات، فيما تشير تقارير أممية إلى أن الملايين من اليمنيين باتوا في حافة المجاعة بسبب استمرار الصراع.

وقال المواطن عبدالله منصور، وهو يقيم بالعاصمة صنعاء، بعد أن نزح من محافظة الحديدة (غربي اليمن) قبل أكثر من عام ، جراء القتال هناك، إن تعليق المساعدات في العاصمة، قرار خاطئ سيكون له تأثيرات سلبية على حياة الكثير من الأسر النازحة والمحتاجة.

وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن القرار كان صادما لنا.. نحن نعتمد بشكل رئيسي على هذه المساعدات من أجل مواصلة العيش، ووقفها سيجعلنا بين خيار الجوع أو التسول.

وتابع منصور الذي يعيل أسرة مكونة من 5 أفراد أنه بهذا القرار تكون حياته قد تحولت إلى جحيم، متسائلا :" كيف سأعيش وأسرتي بعد الآن ؟".

ومضى قائلا" كنت سابقا أتسلم مساعدات غذائية وأقوم ببيع بعضها لتوفير احتياجات غير غذائية من أجل استمرار العيش، أما الآن فلا خيار لنا سوى دعاء الله بأن يفرجها علينا جميعا، وأن يكون هناك حل لهذا الأمر".

وأردف" صحيح هناك الكثير من الناس لا يتسلمون مساعدات، لكن كنت محظوظا بأن تم منحي مساعدات بشكل متكرر".

الحوثيون واتهامات بالفساد الإغاثي

يواجه الحوثيون اتهامات متكررة من قبل منظمات إغاثية دولية ومحلية بشأن بيع المساعدات في الأسواق وتحويلها لمن لا يستحقونها، إضافة إلى اتخاذ الجانب الإغاثي وسيلة لكسب مقاتلين جدد وإرسالهم للجبهات بعد منحهم مساعدات غذائية بشكل شهري.

كما يشكو العديد من اليمنيين، بينهم موظفون في مؤسسات حكومية بصنعاء، بأنه يتم تسجيلهم في كشوفات بزعم منحهم مساعدات، فيما لم يحصلوا على شيء بعدها، أو يتم فقط منح البعض لفترات قصيرة وبشكل متقطع.

ويقول( ع . ج ) وهو موظف في مؤسسة الثورة للصحافة بصنعاء (أكبر المؤسسات الإعلامية في اليمن)، إن هناك فسادا ملحوظا في الجانب الإغاثي يمارسه الحوثيون في المدينة الخاضعة لسيطرتهم للعام الخامس.

وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، مفضلا عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أن إدارة الموارد البشرية للمؤسسة الصحفية طلبت في وقت سابق، صورا للهويات الشخصية للموظفين تحت مبرر تقديمها لبرنامج الغذاء العالمي من أجل منحهم مساعدات إغاثية كونهم لا يتسلمون مرتباتهم الحكومية منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

وأردف أنه" مع مطلع العام 2018، كان الحوثيون المسيطرون على الجانب الإغاثي، يمنحون مساعدات غذائية كل شهر وأحيانا كل شهرين، لخمسين موظفا فقط من المئات الذين تم تسجيلهم كمستحقين للعون، وهو ما يعادل أقل من 10بالمئة ممن تم تسجيلهم ضمن مساعدات برنامج الغذاء العالمي".

وتابع" في كانون اول/ ديسمبر 2018 قرروا صرف مساعدات لـ 450 موظفا مرة واحدة فقط خلال العام.

وفي الشهر ذاته تلقى الموظفون اتصالات من قبل برنامج الغذاء العالمي، لسؤالهم حول ما إذا كانوا قد تسلموا مساعداتهم خلال الشهر السابق (تشرين ثان/ نوفمبر)، وأخبروا البرنامج الأممي بأنهم لم يتسلموا شيئا.

والشيء المفاجئ، حسب المصدر، أن برنامج الغذاء العالمي أخبر الموظفين حينها أنه تم منحه كشوفات خاصة بهم تحمل بصماتهم وبأنهم قد تسلموا المساعدات، "بطريقة تكشف حجم الفساد المنتشر في الجانب الإغاثي الذي يتم تحويل مساره بعيدا عن المستحقين الحقيقيين".

من جانبه، نفى علي القحوم، عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله الحوثيين في تصريح لـ (د.ب.أ)، جميع التهم الموجهة إليهم، مشيراً إلى أن برنامج الغذاء العالمي، وبعض المنظمات خرجت من عملها الانساني المحدد إلى عمل استخباراتي فيه خدمة للعدو (قوات التحالف العربي) وتنفيذ أجندته في الميدان.

وأوضح القحوم، أنهم رفضوا هذا الشيء :"نحن قد ابلغناهم أن عملهم تخطي العمل الانساني، وهم حاولوا إنكار ذلك من خلال تصعيد الاتهامات ضدنا وهي اتهامات سياسية بحته".


وأضاف :"عندما رأوا انهم لن يعملوا في الميدان وجهوا لنا هذه الاتهامات".

كما اتهم القحوم، برنامج الغذاء العالمي، بتوزيع مواد غذائية فاسدة وغير مطابقة للمواصفات والمقاييس و لا تنفع ان تقدم كمساعدات انسانية".

وأكد القحوم، أن جماعته لا علاقة لها بعملية المسح الميداني وتوزيع المساعدات، هي فقط تقدم الإذن لتلك المنظمات للقيام بعملها الإنساني :"نحن فقط نطالب المنظمات بأن تعمل على الجانب انساني وتلتزم بالأطر الانسانية".

أسواق تبيع المساعدات

حتى على الجانب الشعبي، هناك الكثير من المواطنين يؤكدون رواية بيع المساعدات في الأسواق بالعاصمة صنعاء، بعد تحويل مسارها الصحيح، واستغلالها للتكسب المالي رغم أن الملايين من المواطنين باتوا بحاجة ماسة للعون.

وتقول أم ميّ وهي مواطنة يمنية في صنعاء، إنها لمست بشكل متكرر بيع المساعدات في العديد من أسواق العاصمة صنعاء، من دقيق وحليب وزيت طبخ وغيرها.

وأضافت في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ)، أن العديد من الأسر لم تتسلم نصيبها من المساعدات، بسبب الفساد المنتشر في هذا الجانب.

وبينت أنها تعيش في العاصمة صنعاء منذ سنوات، ولم تحصل على أي مساعدات غذائية سوى مرة واحدة فقط عندما تم منحها كيلو من التمر هي وعديد من الأسر المجاورة من قبل عاقل الحارة(المسؤول الاجتماعي في الحي) المحسوب على الحوثيين.

وذكرت أن تعليق المساعدات سيكون له تأثير سلبي على بعض الأسر فقط، التي كانت بالفعل تتسلم هذه المواد الغذائية، فيما المتضرر الحقيقي هم تجار هذه المواد والذين يستخدمونها من أجل التربح المادي وكسب الولاءات، في إشارة إلى الحوثيين.

آلاف الأسر ستتضرر

على الرغم من الاتهامات التي يواجهها الحوثيون بخصوص نهب المساعدات وعدم توزيعها لمستحقيها الأساسيين، هناك من يرى أن آلاف الأسر ستتضرر من قرار وقف المساعدات، لا سيما أن هناك أسرا تتسلم مساعدات، حتى وإن كان عددها قليلا مقارنة بكميات الإغاثة التي يتحول الكثير منها إلى مسارات أخرى.

وترى الصحفية اليمنية المختصة بالشؤون الإنسانية عفاف الأبارة، أن إعلان إيقاف المساعدات الإنسانية من قبل برنامج الأغذية العالمي، سيكون له آثار إنسانية كبيرة بعد أن أصبحت الآلاف من الأسر تعتمد بشكل كبير على المعونات التي يقدمها البرنامج وغيره من المنظمات الإغاثية لإنقاذها من الجوع والفقر الذي خلفته الحرب داخل البلاد.

وأضافت لـ (د.ب.أ) أن" قرار تعليق المساعدات غير صائب، كون القيادات الحوثية وغيرها لن يكونوا المتضررين في المقام الأول".

وتابعت" من سيدفع الثمن الأسر الفقيرة والمحتاجة التي كانت تقتات ببعض ما يصل إليها من المساعدات".

ولفتت الأبارة إلى أن العبث بالمساعدات الإنسانية قائم منذُ العام الأول للحرب، حيث سبق أن حذر العشرات من النشطاء وبعض المنظمات العاملة في اليمن من هذا الأمر.


وأردفت" بعد خمس سنوات من العبث يتم تعليق المساعدات..كان الأحرى ببرنامج الغذاء العالمي أن يصل إلى أي حلول أو اتفاق وسط يضمن وصول المواد المنقذة للحياة لمستحقيها".

د ب ا
الثلاثاء 9 يوليوز 2019