تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

يونيو 1967 وهذه الغابة السوداء

23/06/2026 - إبراهيم عبد المجيد

السعار العقاري في سوريا بين المضاربة والفوضى

19/06/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

من يضلل من؟ في قضية الذكاء الإصطناعي

12/06/2026 - رزان نعيم المغربي

"الترند" والمشكلة.. وماذا بعد؟

04/06/2026 - مضر رياض الدبس

كتيبة الليث حجو تقطع الحبل السري للثورة

04/06/2026 - د.عبد القادر المنلا


خليل معتوق… الحاضر الذي لا يغيب






رغم الإعلان عن استشهاد صديقي وأستاذي المحامي خليل معتوق منذ أشهر، إلا أنّ حضوره لم يغادرني يوماً. لم أستطع أن أنساه حتى ولو ليوم واحد. كيف يُنسى رجلٌ كان له الفضل الأكبر في انخراطي بقضايا الدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته، قبل أن أتدرب في مكتبه؟ كيف يُنسى من فتح لي باب الوعي على معنى أن تكون محامياً في بلدٍ يُعاقَب فيه الإنسان على رأيه، وتُصادَر فيه الكلمة الحرة كما لو كانت جريمة؟


  كانت البداية في إحدى ليالي صيف 1992. عندما طلب مني خليل أن أرافقه إلى مكتبه القريب من ساحة الشهبندر بدمشق لكتابة مذكرة دفاع عن عشرة معتقلين اتُّهموا بتشكيل "لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا". جلست أمام آلة كاتبة يدوية صغيرة، وهو يملي عليّ نص المذكرة، كلمة كلمة، وأنا أخطّها بأصابع ترتجف من الخوف. كانت الكلمات التي ينطق بها تحمل جرأة لم أسمع مثلها من قبل، جرأة تُشبه كسر جدار صامت. ومع كل سطر كنت أكتبه، كان الخوف يتراجع خطوة، وتكبر داخلي دهشةٌ جديدة: دهشة اكتشاف عالمٍ آخر، عالم المعتقلين وأصحاب الرأي الحر، وعالم المحامي الذي لا يخاف أن يقول الحقيقة في وجه سلطة لا ترحم. تلك الليلة لم تكن مجرد كتابة مذكرة، بل كانت لحظة ولادة وعي سيلازمني طوال حياتي.
وبعد انتقال مكتبه إلى حيّ الدويلعة، بدأت أتردد إليه يومياً. حيث كان مكتبه لا يبعد عن منزلي أكثر من ثلاثين متراً، لكن المسافة الحقيقية التي قطعتها كانت أكبر بكثير: مسافة بين محامٍ يتلمّس طريقه، وبين محام خبرَ السجون والمحاكم الاستثنائية، وكرّس حياته للدفاع عن معتقلي الرأي والضمير. كان الشهيد "خليل" يطلعني على بعض ملفات المعتقلين أمام محكمة أمن الدولة العليا سيئة الصيت. هناك رأيت حجم المأساة: معتقلون ومعتقلات من كل التيارات والانتماءات عرب وأكراد، أرمن وآشوريون، مسيحيون ومسلمون، شيوعيون وناصريون، إسلاميون وبعثيون، نشطاء حقوق إنسان سوريون وعرب من فلسطين ولبنان والأردن والعراق.
كان خليل يدافع عن الجميع بلا استثناء، بلا تمييز، وبلا خوف. كان يؤمن أن الإنسان هو القيمة العليا، وأن الدفاع عن الحرية لا يتجزّأ.
ثم جاء "ربيع دمشق" بعد توريث بشار الأسد الحكم عام 2000، حيث انتشرت المنتديات السياسية في مختلف المحافظات، وكان من أبرزها منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، ومنتدى الحوار الوطني لرياض سيف، ومركز حقوق الإنسان الذي أسّسه الشهيد"خليل" في منزله. لم تحتمل السلطة هذا الهامش القصير من الحرية، فأغلقت المنتديات واعتقلت رموز المجتمع المدني حينها: د.عارف دليلة، الراحل المحامي حبيب عيسى، فواز تللو… وغيرهم.
وتولّى الدفاع عنهم ثلّة من المحامين والمحاميات، وكان خليل في مقدمتهم، إلى جانب أنور البني وجيهان أمين وحسن عبد العظيم وهيثم المالح والراحل بهاء الركاض وإبراهيم ملكي ورزان زيتونة وفيصل بدر، وغيرهم… وكنت بينهم.
في تلك الفترة أعلن خليل انسحابه من الحزب الشيوعي واعتزاله العمل السياسي نهائياً، مكرّساً نفسه للدفاع عن حقوق الإنسان. قال يومها جملة لا أنساها: "العمل يا ميشال في مجال حقوق الإنسان يجب أن يكون منزّهاً عن أي ميل أو هوى سياسي. وكان يشدد دوماً أن استقلالية المدافع عن الإنسان هي مصدر قوته، وأن الانحياز الوحيد المقبول هو الانحياز للكرامة والحرية.
لاحقاً، شارك الشهيد "خليل" في الدفاع عن معتقلي "إعلان دمشق – بيروت"، ثم عن معتقلي قيادة "إعلان دمشق" بعد حملة الاعتقالات الواسعة التي طالتهم. ومع بداية الثورة السورية عام 2011، تضاعفت الضغوط على هيئة الدفاع، واشتدت الاعتقالات اليومية. ورغم المرض الذي ألمّ به، لم يتوقف خليل عن الدفاع عن المعتقلين. كان يذهب إلى المحاكم، يكتب المذكرات، يزور العائلات، ويُنسّق مع زملائه، وكأن المرض مجرد تفصيل لا يستحق الالتفات.
وفي صباح 2 تشرين الأول 2012، جاء الخبر الذي لم نكن نريد سماعه: اعتقال خليل معتوق وصديقه محمد ظاظا بعد خروجهما من منزله في صحنايا باتجاه مكتبه في البرامكة. فتحوّل الشهيد"خليل" من مدافع عن المعتقلين إلى معتقل يحتاج إلى من يدافع عنه. ومنذ ذلك اليوم، دخل اسمه في سجلّ عشرات بل ومئات الآلاف من المختفين قسراً، الذين سعى للدفاع عنهم حتى اللحظة الأخيرة. إلى أن أعلنت عائلته استشهاده رسمياً في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025
إن الحديث عن خليل معتوق هو حديث عن ضمير سوريا، عن رجلٍ انحاز منذ نعومة أظفاره للمظلومين والمضطهدين. رجلٌ لم يساوم، ولم يهادن، ولم يطلب شيئاً لنفسه. كان يؤمن أن المحامي الحقيقي هو الذي يقف مع الضعفاء، لا مع الأقوياء.
أنه "أيقونة الحق والشجاعة في مهنة المحاماة". كما وصفته الصديقة الدكتورة هيقاء بيطار.
خليل معتوق ليس مجرد ذكرى. إنه حضورٌ مستمر، وبوصلة أخلاقية، ومرجع لكل من يؤمن بأن الحرية حق، وأن العدالة ليست ترفأ، وأن الدفاع عن الإنسان هو أسمى ما يمكن أن يفعله محامٍ في حياته.
 موقع سوريات 

ميشال شماس
السبت 27 يونيو 2026