خرج آلاف السوريين إلى الشوارع الأسبوع الماضي في موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الحاشدة ضد إسرائيل، والتي أشعلها إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون مثير للجدل يسمح بعقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين المدانين بالإرهاب. ومن مدينة أنخل الجنوبية في محافظة درعا وصولاً إلى دمشق وحمص وحماة واللاذقية وحلب وإدلب، أعلنت جماعات مسلحة التعبئة العامة ضد إسرائيل. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي متظاهرين يهتفون "الأمة تريد إعلان الجهاد" ويطالبون بفتح الحدود لمواجهة القوات الإسرائيلية. وفي درعا والقنيطرة، تحرك المتظاهرون نحو مرتفعات الجولان السورية المحتلة، مما دفع القوات الإسرائيلية إلى إطلاق قنابل مضيئة لتفريق الحشود.
تصاعدت الاضطرابات إلى ما هو أبعد من مجرد الهتافات في الشوارع. ففي دمشق، استهدف متظاهرون سفارتي الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، مما تسبب في قلق كبير داخل المجتمع الدبلوماسي. وفي بيان رسمي، دعت الإمارات السلطات السورية إلى ضمان الحماية المطلقة للبعثات الدبلوماسية ومحاسبة الجناة. وتحمل هذه الحملة، التي استمرت أربعة أيام متتالية، علامات واضحة لحملة ضغط منظمة تهدف إلى محاصرة الحكومة السورية الجديدة وإرسال إشارة دعم محتملة للنظام الإيراني ووكلائه الإقليميين.
#### **مسؤولون حكوميون أمام الكاميرات**
ما يميز هذه الاحتجاجات عن المظاهرات السابقة هو المشاركة الموثقة لمسؤولين في الحكومة السورية. فقد تم تصوير المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية بين المتظاهرين، كما شوهد أعضاء من القوات المسلحة يشاركون ويحرضون الحشود. يمثل هذا التأييد الرسمي للتعبئة الشعبية تحولاً كبيراً عن نهج الحكومة الحذر سابقاً تجاه المواجهة مع إسرائيل.
وفي عرض لافت للتحريض الذي ترعاه الدولة، قامت الفرقة 60 من الجيش السوري – بقيادة قائد "هيئة تحرير الشام" السابق الموثوق عوض الجاسم – بمسيرة في حلب بالزي العسكري الرسمي مع ترديد شعارات داعمة لغزة. إن مشاركة وحدة عسكرية رسمية في احتجاجات سياسية تشير إلى تآكل خطير في الحدود بين مؤسسات الدولة العسكرية والنشاط الشعبي، وتثير تساؤلات جدية حول تسلسل القيادة وقدرة الحكومة – أو رغبتها – في السيطرة على قواتها المسلحة.
#### **التوقيت والتداعيات الاستراتيجية**
يثير توقيت هذه الاحتجاجات تساؤلات حاسمة حول الجهة المستفيدة من هذه التعبئة. تدير إسرائيل حالياً ضغوطاً هائلة على جبهات متعددة، بدءاً من إيران، مروراً بالعمليات العسكرية في غزة والتوترات مع حزب الله في لبنان. ويمثل ظهور جبهة شعبية معادية على حدود سوريا طبقة أخرى من التعقيد في الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل.
بالنسبة للحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تمثل الاحتجاجات سلاحاً ذا حدين. فمن ناحية، تتيح للإدارة الجديدة تعزيز مصداقيتها كمدافع عن القضية الفلسطينية والنأي بنفسها عن خطاب "المقاومة" الأجوف لنظام الأسد. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي التصعيد غير المنضبط إلى عرقلة تدابير بناء الثقة الهشة مع إسرائيل في جنوب سوريا وتعريض الترتيبات الأمنية الدقيقة التي منعت نشوب صراع أوسع للخطر.
والجدير بالذكر أنه قبل أيام فقط من الاحتجاجات، صرح الرئيس الشرع بأن سوريا ستظل خارج الصراع الإيراني المستمر "ما لم تتعرض سوريا لهجمات مباشرة من أي طرف"، مضيفاً أن "14 عاماً من الحرب كافية لسوريا". وكانت حكومته قد انخرطت أيضاً مؤخراً في مفاوضات غير مباشرة ومباشرة مع إسرائيل، مدعية أنها "وصلت إلى نقاط جيدة" قبل أن تغير إسرائيل موقفها "في اللحظة الأخيرة". ويتناقض هذا الموقف الرسمي المتمثل في ضبط النفس بشكل حاد مع الدعوات في الشوارع لـ "الجهاد".
#### **سابقة السويداء المقلقة**
تحمل هذه التعبئة الحالية أوجه تشابه غير مريحة مع أحداث يوليو 2025، عندما تبنت الحكومة السورية موقفاً سلبياً ملحوظاً خلال الاشتباكات العنيفة في السويداء، مما سمح للتعبئة القبلية بإلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بالمجتمع الدرزي قبل التدخل. إن هذا النمط من التقلبات المحلية يبدو مألوفاً بشكل مؤلم، حيث يعيد صدى استخدام نظام الأسد السابق للتطرف الديني والاضطرابات العامة كأدوات ابتزاز ليضع نفسه كشريك وحيد قادر على "استعادة النظام".
إسرائيل – التي تضم مجتمعاً درزياً كبيراً – انجذبت إلى ذلك الصراع حينها، وشنت ضربات جوية ضد القوات الحكومية السورية التي كانت تتحرك نحو السويداء. هذه الأحداث عززت وجود إسرائيل في جنوب سوريا، وهو ما أصبح نقطة خلاف عطلت عملية الانخراط السياسي. وبشكل عام، هذا سيناريو لا يمكن لدمشق أن تتحمل تكراره.
#### **منعطف حرج: القيادة أم الانجراف؟**
تواجه الحكومة السورية اختباراً حاسماً. فبدلاً من السماح للجهات غير الرسمية والوحدات العسكرية والعناصر الراديكالية بقيادة الاحتجاجات، يجب على دمشق تبني موقف دبلوماسي براغماتي يتماشى مع الإجماع العربي؛ موقف يرفض عقيدة "المقاومة" المزعزعة للاستقرار التابعة للمحور الإيراني لصالح تحالف سيادي قائم على المصالح.
في هذا الصدد، يوفر الأردن مخططاً استراتيجياً: فرغم الضغوط المحلية الكبيرة، نجحت المملكة الهاشمية في الموازنة بين دفاعها الدبلوماسي عن القضية الفلسطينية وبين اليد الحازمة على جهازها الأمني الداخلي.
يجب على دمشق أن تظل حذرة من أن تصبح بيدقاً في لعبة شطرنج جيوسياسية أوسع؛ فإذا تم التلاعب بالشارع السوري من قبل مصالح خارجية للضغط على إسرائيل، فإن سوريا تخاطر بتضحية مشروعها الوطني من أجل أجندات خارجية. تاريخياً، ثبت أن الحياد هو الاستراتيجية الأكثر فعالية للدول العازلة الهشة المحاصرة في صراعات القوى العظمى.
#### **فرصة غير مسبوقة في خطر**
بالنظر إلى الصورة الأشمل، يمكن القول إن إسرائيل وسوريا تقفان الآن في وضع أفضل من أي وقت مضى. فقد تم دفع إيران – السبب الرئيسي لعداء إسرائيل في سوريا – إلى حد كبير خارج البلاد، مما سمح للجبهة الحدودية بالبقاء هادئة. كما تتشارك سوريا وإسرائيل أجندة مشتركة في كبح نفوذ الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، وإغلاق طرق التهريب. بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح مهمة (نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج) السورية التي يقودها الشرع، والتي تهدف إلى دمج الميليشيات في جيش وطني مهني، هو حجر الزاوية لاستقرار سوريا والمنطقة.
لقد تعلم الإسرائيليون والسوريون معرفة بعضهم البعض بشكل أفضل على مدار الـ 15 عاماً الماضية من خلال مشاركة المجتمع المدني والقنوات الرسمية التي لا تزال قائمة. هناك الكثير مما يمكن الاستفادة منه من أجندة التعاون، ولكن هناك أيضاً الكثير مما يمكن خسارته. إن الاشتباكات الأولية بين الجيش الإسرائيلي وبعض القبائل في درعا لديها القدرة على مزيد من التصعيد الذي سيدفع سوريا نحو حرب لا تحتاج إليها.
يجب على الحكومة السورية أن تقرر ما إذا كانت ستقود هذا الشعور الشعبي أم سيقودها هو. والجواب سيحدد ما إذا كانت أول احتجاجات حاشدة مناهضة لإسرائيل في سوريا ستصبح أداة دبلوماسية أم مقدمة لصراع أوسع.
--------------
صحيفة "جيروزاليم بوست"


الصفحات
سياسة









