القضية بالغة الأهمية وحساسة في المشهد السياسي والاجتماعي العربي، وهي قراءة أبعاد "ثقافة الاعتذار" عند المسؤولين، والتحليل المبرر لأدوار المقابلات الإعلامية وما يُعرف بـ "الفخاخ الصحفية" التي تصاحب الشخصيات العامة أو المقربين منهم.
تُشير الحادثة إلى إشكالية عميقة تتداخل فيها بساطة الأفراد مع تعقيدات المناصب السياسية:
مقدمة: الفخ الإعلامي وصناعة "الترند"
لم يكن السقوط في فخ التصريحات المثيرة للجدل لوالد السيد الرئيس حسين الشرع مجرد صدفة، بل كان نتيجة هندسة إعلامية متعمدة من المذيعة ديمة ونوس، التي استغلت بساطة وعفوية والد السيد الرئيس لاستدراجه نحو إجابات تحمل أبعاداً تمييزية وعنصرية ضد أهالي الريف ودير الزور. لقد تقصدت المذيعة إحراج وتوريط الرئيس عبر عائلته، ساعيةً وراء الشهرة وصناعة "الترند" على حساب النسيج المجتمعي. وبناءً على هذا الاستدراج الممنهج، برأي تتحمل المذيعة المسؤولية الكاملة عما حدث، بعد أن حوّلت المنبر الإعلامي إلى أداة تحريض وتصفية حسابات سياسية.
أولاً : غياب وحضور ثقافة الاعتذار:
تاريخياً، يُنظر إلى الاعتذار في الموروث السياسي العربي كنوع من "الضعف" أو التراجع، ولذلك غالباً ما تلجأ النخب السياسية إلى صناعة التبريرات.
عندما يُقدم مسؤول أو رئيس على الاعتذار عن خطأ (سواء كان شخصياً أو صادراً عن مقربين منه)، فإن هذا السلوك يُمثل سابقة تُحسب كمحاولة لامتصاص الغضب وتكريس مفهوم المسؤولية الأخلاقية، حتى وإن اعتبرها البعض متأخرة أو لغايات احتواء الأزمة.
لذلك يُعتبر اعتذار السيد الرئيس لأهالي دير الزور خطوة شجاعة كسر بها النمط السياسي العربي التقليدي القائم على المكابرة. هذا الاعتذار الفوري لم يكن لامتصاص الغضب فحسب، بل جاء تأكيداً على التزامه الوطني، وقطعاً للطريق أمام محاولات الاستثمار السياسي والفتنة التي خططت لها المذيعة والقناة. ومن خلال هذا الموقف، أثبت الرئيس أن كرامة المواطن السوري تعلو فوق أي اعتبارات عائلية، مرسخاً ثقافة جديدة ترتكز على الشجاعة والمصارحة وتفويت الفرص على المصطادين في الماء العكر.
ثانياً: عفوية الأقارب مقابل حسابات السياسة:
يقع كبار السن أو الشخصيات العائلية غير المسيسة أحياناً في فخ العفوية والبساطة أثناء الحديث. ما يراه القريب كلاماً عادياً أو نابعاً من موروث مجتمعي قديم، يُترجم سياسياً وإعلامياً فوراً على أنه "فكر تمييزي" أو "إقصائي" يمس مكونات وطنية حساسة (مثل أهالي الريف أو مناطق معينة كـ دير الزور)، وهو ما يخلق حرجاً بالغاً لمن في سدة الحكم.
ثالثاً: ضرورة التدقيق والتحصين الإعلامي:
لم يعد مسموحاً في عصر "الإعلام الموجه" ومواقع التواصل الاجتماعي ترك المقابلات العائلية للصدفة. تحتاج العائلات السياسية إلى دوائر مستشارين إعلاميين تقوم بـ:
1 التدقيق في هوية الجهة الإعلامية وتوجهاتها الإيديولوجية والسياسية.
2 توقع الأسئلة الاستدراجية التي تهدف إلى انتزاع مواقف تثير الجدل والشرخ المجتمعي.
3 إعداد الشخصيات غير المتمرسة سياسياً أو تجنيبها تماماً الظهور في برامج حوارية مفتوحة.
رابعاً: من هي ديمة ونوس؟ (الخلفية المهنية والسياسية)
تُصنف ديمة ونوس في المشهد الثقافي والإعلامي العربي ضمن بيئة محددة تفسر طبيعة الحوارات التي تقودها:
الخلفية العائلية والثقافية: ديمة ونوس (مواليد دمشق 1982) هي ابنة الكاتب والمسرحي السوري الراحل الشهير سعد الله ونوس، الذي يُعد من أعمدة الفكر والمسرح العربي الناقد. هذه الخلفية منحتها حضوراً مبكراً في الأوساط الثقافية السورية ككاتبة وروائية (من أعمالها رواية "الخائفون" و"العائلة التي ابتلعت رجالها").
التوجه السياسي ("المعارضة الدائمة"): عُرفت ديمة ونوس، كجزء من شريحة واسعة من المثقفين السوريين، باتخاذ موقف معارض راديكالي وثابت منذ أحداث عام 2011. وتُحسب مهنياً وفكرياً على المنصات والمؤسسات الإعلامية التي تتبنى خطاباً مناهضاً للنظام البائد والسلطه الحاليه في سوريا بشكل كامل. أي انها تعاني من أزمة أو متلازمة المعارض الدائم الذي يسعى الى الترند والشهره عبر ثقافة معارضه المعارضه للمعارضه .
الأسلوب الإعلامي: ينطلق عملها الإعلامي من خلفية أدبية وسياسية مشبعة بالانتقاد الحاد للقيادة الجديده. لذلك، فإن المقابلات التي تجريها لا تُصنف كحوارات بروتوكولية أو محايدة، بل هي حوارات "مؤدلجة" و"استقصائية هجومية"، تسعى بشكل واضح للبحث عن التناقضات، أو إبراز العيوب البنيوية، أو توجيه الأسئلة نحو نقاط حساسة (مثل التمييز الطبقي أو المناطقي بين الريف والمدينة) لتوظيفها في سياق نقد النظام السياسي والعائلي المحيط به.
خلاصة القول: إن وقوع الشخصيات العفوية في فخ الصحافة المؤدلجة هو نتيجة طبيعية لغياب البروتوكول الإعلامي الصارم، وفي بيئة مشحونة بالاستقطاب السياسي، تصبح الأخطاء اللفظية غير المقصودة بمثابة أسلحة إعلامية تُستخدم لتأكيد مواقف سياسية مسبقة
-------------
مواقع التواصل


الصفحات
سياسة








