تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الأسدية: ولادة المجرم السفاح

10/05/2026 - أحمد برقاوي

في أهمية مدوّنة

10/05/2026 - عمر كوش

حُفرة التضامن... حيث سقطت النخب

10/05/2026 - عالية منصور

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

07/05/2026 - عبد الرحمن الراشد


متى تدخل الأحزاب السورية “لعبة الشارع”؟




تحركات السلطات الانتقالية الحاكمة بقيادة أحمد الشرع لا توحي بأنها تسير باتجاه تشاركية واسعة مع القوى السياسية والمجتمعية السورية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية. كما أن غياب قانون واضح للأحزاب، والشرخ المجتمعي الذي تراكم على مدى عقود، كلها أسباب تجعل التحركات نحو إقامة حياة سياسية متفاعلة مع الشارع بطيئة للغاية


.
 
ترقب السوريون على اختلاف انتماءاتهم السياسية والعقائدية والدينية، كيف ستتحرك السلطة الجديدة في سوريا بما يخص الحياة السياسية عقب هروب بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وجاء التحرك عبر خطوتين أساسيتين، الأولى مبشّرة وهي “الإعلان الدستوري ” في 13 آذار/ مارس 2025، والذي نصّ بشكل صريح في المادة 12 منه على أن “تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته”، وفي المادة 14 أن “تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وفقاً لقانون جديد”.
وبقدر ما تشير المادتان إلى “حياة سياسية حرة مقبلة”، فإن الخطوة التالية هي التي أثارت الريبة والاتهامات، والمتمثلة بإنشاء “هيئة الشؤون السياسية” بعد أسبوعين فقط من صدور الإعلان الدستوري. كما أن تحاشي المسؤولين الجدد ذكر كلمة “الديمقراطية”، أو التأكيد على ديمقراطية كاملة في المستقبل، أعاد إلى الأذهان تحركات حزب البعث العربي الاشتراكي نحو حياة سياسية شكلية وأحزاب خاضعة للسيطرة، حتى مع الأنباء المتواترة أخيراً حول حلّ الهيئة. 
يتقاطع هذا كله مع خلفية الشرع وفريقه السياسية الدينية، بخاصة في الوزارات السيادية، والتي لا تخفي توجهاتها “العقائدية السياسية”، ومع جمع نقاط القوة بيدها، قد لا تبدو فرص الأحزاب السياسية المدنية كبيرة في أي انتخابات مقبلة، بخاصة مع عدم صدور قانون للأحزاب في سوريا، الذي ينتظر انعقاد “مجلس الشعب”.
تحركات السلطات الانتقالية الحاكمة بقيادة أحمد الشرع لا توحي بأنها تسير باتجاه تشاركية واسعة مع القوى السياسية والمجتمعية السورية، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية. كما أن غياب قانون واضح للأحزاب، والشرخ المجتمعي الذي تراكم على مدى عقود، كلها أسباب تجعل التحركات نحو إقامة حياة سياسية متفاعلة مع الشارع بطيئة للغاية. 

كما في الـ”فيسبوك” كذلك على الأرض

ظهرت منذ 2011 عشرات التيارات والأحزاب السياسية في المنفى، وبقي تأثيرها ضعيفًا على الأرض بغضّ النظر عمّن يسيطر على المناطق الجغرافية. فيما يفرض سقوط النظام وهروب الأسد واقعًا جديدًا، وأن ينقل هذه الأحزاب والتيارات من بيانات “فيسبوك” إلى العمل على الأرض، بوصفها المكان الأساس والمنطلق للأحزاب، سواء صدر قانون ناظم لعملها أم لا، بعد عام ونصف العام تقريبًا على هروب الأسد. 
ويحاول حزب “أحرار- الحزب الليبرالي السوري” نقل تنظيمه إلى الداخل السوري، مركّزاً في هذه المرحلة على استقطاب الكوادر وبناء تحالفات عابرة للأفكار الأيديولوجية،  ويرى رئيس الحزب، بسام قوتلي، في حديثه لـ”درج”، أن الأولوية الآن هي لتحويل العمل السياسي من “منفى اختياري” إلى قوة حشد حقيقية، معتبراً أن إطلاق الحريات عبر قانون أحزاب عصري هو شرط أساسي لبناء مجتمع صحي يضمن مستقبل سوريا”.
يبدو تحرك الأحزاب خجولًا، ولا تزال تتحسس خطواتها بعد سنوات من المنفى، وانهيار الأحزاب التقليدية سواء بفعل جمودها لسنوات أو عبر سيطرة البعث، لقاءات معلنة هنا وهناك في ظرف انتقالي وشديد الحساسية تمرّ به البلاد، إذ يرى منير الفقير، عضو المكتب السياسي في “تيار سوريا الجديدة” أن التيار “يسعى الى تقوية نفسه سياسيًا عبر زيادة التماسك الداخلي ودعم تشكيل تنظيمات أخرى وإقامة علاقات مع القوى السياسي ولقاءات مع المجتمع المدني، والأهم لقاءات “خارج وسائل التواصل الاجتماعي”.
تبدو الصورة الأولى وردية بالنسبة الى بلد خرج للتوّ من حرب مدمّرة وطويلة ويسعى الى الانتقال السلمي والديمقراطي، لكنها ليست كذلك بالضرورة، لا من السلطة الحاكمة ولا من الأحزاب السياسية المدنية على الأرض.
 ووفق سمير العبدالله، باحث أول في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، فإن ما قامت به بعض الأحزاب الصغيرة أو تلك التي لا تزال قيد التشكيل يمكن وصفه بالخجول، على رغم المساحة المتاحة نسبيًا، فحتى في ظل غياب قانون ناظم للأحزاب، كان بإمكان هذه القوى التحرك بشكل أوسع، عبر عقد لقاءات واجتماعات، أو حتى تعزيز حضورها على وسائل التواصل الاجتماعي.
يربط العبدلله الضعف الحالي بعوامل عدة تتعلق بغياب الرؤية الواضحة للأحزاب تجاه الإدارة الانتقالية في سوريا وطبيعة العلاقة التي ستبنيها معها، بالإضافة إلى تحدّ آخر يتمثل بالنخبوية وعدم قدرتها على الوصول الى شرائح أوسع من المجتمع، فمعظم هذه القوى كانت خارج سوريا لسنوات، في حين أن الأحزاب التي كانت قائمة في عهد نظام الأسد قد تم حلّها، ما يعني أن بناء قواعد شعبية جديدة يحتاج إلى وقت وجهد متراكم.
من جهته، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلاع، أن هذه الأحزاب بدأت بالحركة بشكل أكبر مع مضي النصف الأول من العام، بحثاً عن مساحة حركة أوسع، خصوصاً مع تنامي عمل “هيئة الشؤون السياسية” التي تنظم الحياة السياسية في سوريا، والتي نالت الكثير من النقد، كما كانت هناك مساحات لإبداء وجهة نظر مختلفة. 
ويضيف أن كل هذه الخطوات تصبّ ضمن مرحلة الحراك الأولي، سواء كانت الأحزاب ليبرالية أو محافظة بما تشمله من طيف هائل من التوجهات، كما أن هناك حركات محدودة من ناحية الإعلان عن نفسها.
يرى طلاع أن هناك خطابًا مدنيًا ليبراليًَا ينتشر بشكل كبير، والسلطة لم تعارضه أو تواجهه بأي إجراء تعسفي مع مساحة من النقاشات العامة، ويطلب كمؤشر من مؤشرات العام الثاني، أن يكون هناك تنظيم أكثر للحياة السياسية في سوريا، بحسب رأيه.

غياب قانون الأحزاب ليس حجّة

تلعب قوانين الأحزاب دورًا في تنظيم الحياة السياسية، وتمنع التلاعب والأحزاب الوهمية وتراقب التمويل السياسي، لكن غيابها لا يمنع السياسيين من العمل السياسي ومحاولة ترتيب البيت الداخلي والوصول إلى أكبر شريحة من الجمهور وإثبات وجودهم على الأرض.
حتى الآن، لا يبدو أن الأحزاب السورية تعمل بشكل كبير على الأرض، على رغم أن عشرات منها، إلى جانب تيارات أخرى، نشأت في المنفى وكوّنت علاقات مع سياسيين وأحزاب وتيارات أخرى أيضًا، إلا أن الكثير منها بقي حبيس “وسائل التواصل الاجتماعي”.
ووفق كتاب “الانبثاقات السياسية خلال الثورة السورية “، للباحث ساشا العلو، الصادر في 2018، عن “مركز حرمون للدراسات المعاصرة” و”دار ميسلون للطباعة والنشر”، نشأت حركات وأحزاب وتيارات ذات خلفية إسلامية خلال الثورة السورية، منها “التيار الوطني السوري” و”حركة سوريا الأم” و”حزب وعد”، فيما نشأت أحزاب وتيارات ذات خلفية وطنية، أي أنها لا تستند إلى أديولوجيا معينة، منها “حزب الجمهورية” و”تيار بناء الدولة” وغيرهما، بالإضافة إلى أحزاب وهيئات قومية للكرد والتركمان وغيرهم.
حتى اليوم، لم يصدر قانون الأحزاب، الذي ينتظر انعقاد مجلس الشعب ثم إصداره إلى جانب قوانين أخرى منتظرة تتعلق بها أيضًا، كقانون الانتخابات على سبيل المثال. ولا يعدّ غياب قانون الأحزاب حجّة للسياسيين، بخاصة مع المواد الدستورية (12- 14) التي تنصّ بشكل صريح على الحق بممارسة العمل السياسي، وعليه فإن الحرية على الأرض متاحة، على الأقل وفق الإعلان الدستوري.
يقول سمير العبدلله، الباحث الأول في في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، إن غياب قانون الأحزاب “لا يمكن اعتباره عائقًا حقيقيًا أمام العمل السياسي في هذه المرحلة”، بل ربما يتحول لدى البعض إلى ذريعة لتبرير عدم الفاعلية أو الاكتفاء بانتقاد الحكومة.
وأضاف أن إقرار قانون متكامل للأحزاب يفترض أن يستند إلى دستور دائم، وهذا بطبيعته يحتاج إلى وقت، وفي المقابل تتوافر حاليًا مساحة يمكن استثمارها من الراغبين في العمل السياسي، سواء عبر التنظيم أو الحوار أو حتى المساهمة في النقاشات المتعلقة بقانون الأحزاب نفسه، ما قد يساهم في تسريع إصداره.غياب القانون حتى الآن يجعل الرؤى حول العمل على الأرض بين الأحزاب والتيارات السياسية السورية مختلفة. ويرى القوتلي، في إجابته عن سؤال “درج”، أن غياب قانون الأحزاب يلغي أحد أهم حوافز التنظيم السياسي لدى المواطنين، وهو إمكانية التأثير في السياسات العامة للدولة أو التنافس معها فكرياً، كما يثير الخوف لدى الكثيرين من تبعات العمل السياسي على سلامتهم. فذكريات مرحلة الأسد والقمع الوحشي الذي تعرضت له المعارضة السياسية ليست بعيدة عن ذاكرة السوريين. ويشدد على أن إطلاق الحريات السياسية يتطلب قانون أحزاب عصرياً غير تقييدي الطابع، بحسب وصفه. فيما قال منير الفقير لـ”درج” إن عدم صدور قانون الأحزاب يجعلها لا تعمل بشكل قانوني، ولا يمكنها الحصول على مقرّ رسمي أو حسابات بنكية أو ذمة مالية أو شخصية قانونية يمكنها الادعاء باسم التيار، بينما لا يمكن إلغاؤها دستوريًا وفق المادتين 12 و14. 

بين المدنية والدينية… لمن الفرصة؟

صوّر الأسدان، حافظ وبشار، حكمهما باعتباره “حكمًا علمانيًا” كصورة يقدمها للعالم مكافحًا لـ”التطرف والإرهاب”، على رغم أن قوانين سورية محلية كثيرة لا تتقاطع نهائيًا مع هذه الصورة، على رأسها مواد الدستور التي تشير إلى مصادر التشريع وديانة رئيس الدولة.
هذه الصورة استغلها المعارضون للأسد من التيارات الإسلامية التي تهاجم العلمانية كفكرة للحكم سواءً في سوريا أو غيرها، وحوّلت الأفكار الأيديولوجية الى تهمة جاهزة للأحزاب غير الإسلامية، بتشبيهها ولو بشكل غير مباشر بحكم الأسد.
تضع هذه التهمة، وتحديدًا في ظلّ الظروف الحالية في سوريا وتوجهات وخلفيات السلطات الانتقالية، الأحزاب المدنية على اختلاف خلفياتها وتوجهاتها في موقف صعب أمام الشعبوية وخطابات المنابر، وربما تقلل من فرصها في أي انتخابات مقبلة. 
وعلى الرغم من أن فرص الأحزاب المدنية قد تبدو أقل من نظيراتها التي تتبنى عقيدة سياسية إسلامية أو ذات توجه محافظ، إلا أن معن طلاع لا يتفق تماماً مع هذا الرأي، ويرى في حديثه لـ”درج” أنه حتى الأحزاب ذات الخلفية الدينية والعقائدية، التي تنسجم في مكان ما مع توجهات السلطة، تمر بمرحلة انتقالية، إذ إنها لم تنجح في الانتخابات كأشخاص، كما أن الانتخابات لم تقرّ مبدأ القوائم، والأشخاص المحسوبين على أحزاب في دمشق مثلاً لم ينجحوا. 
ويبدو أن المشكلة الأساسية التي يعانيها كلا الطرفين، وبمعزل عن خلفياتها، ترتبط اليوم، وفق طلاع، بأنها أحزاب تقليدية بعد مرحلة من “التصحر السياسي”. 
ويوضح أن هذه الأحزاب تتبنى نظريات لا برامج، وسيكون هناك اغتراب على الأرض، لكن مساحة العمل المدني والليبرالي تتوسع وتنخرط في استحقاقات الدولة في هيئة العدالة الانتقالية أو المفقودين أو تلك الخاصة بعودة اللاجئين، لكن هذا الانخراط ليس منظمًا وبلا عنوان واضح، باستثناء الحزب الليبرالي السوري الذي ينشط كفعاليات وأشخاص، وذلك بسبب غياب قانون الأحزاب، وفق رأيه.
من جهته، يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أن هناك قوى تدفع باتجاه إحياء العمل المدني، ولو بشكل تدريجي، إلا أن تعثر إجراء انتخابات نقابية مستقلة، واستمرار تعيين شخصيات محسوبة على السلطة – غالبًا وفق اعتبارات الولاء لا الكفاءة – يحدّان من فرص تشكل بنى تمثيلية حقيقية، ويبقيان المجال العام تحت السيطرة الإدارية المباشرة.
يبدو منير فقير متفائلًا بأداء تياره خلال الفترة المقبلة، وقال لـ”درج” إن لديهم “فرصة كبيرة”.
وأضاف: “صوتنا وحضورنا يزيدان بين الناس على رغم ضعفهما حاليًا، ونرى أن خطابنا وبرنامجنا ورؤيتنا سيكون لها مستقبل في سوريا، وهي من وجهة نظرنا تلبي احتياجات الناس كبرامج وطرح فكري”.
رئيس حزب “أحرار- الحزب الليبرالي السوري” بسام قوتلي، قال لـ”درج” إن الدور الرئيسي لحزبه حاليًا هو الضغط لإطلاق الحريات السياسية، وغيابها يعني بقاء السوريين في صراع عبر أدوات لا سياسية وتكتلات هوياتية بدلًا من التجمع حول مصالحهم المشتركة.
يبدو القوتلي متفائلًا، إذ يرى أن هناك تحولًا تدريجيًا من مجموعات مختلفة من المجتمع السوري لتبني الأفكار الليبرالية على اختلافها.
“قد نلتقي مع بعضها ونختلف مع بعضها الآخر، لكن هذا التنافس الفكري صحي وسيسمح بنمو تيار سياسي ليبرالي لم يكن موجودًا سابقًا ككتلة واضحة في سوريا، على الرغم من وجود التوجهات الليبرالية في المجتمع منذ فترة الاستقلال”، وفق القوتلي.
برأي  سمير العبدالله، تمتلك الأحزاب المدنية، وبخاصة تلك التي ترفع شعارات مدنية بصياغات مرنة، فرصة حقيقية للعمل والتأثير.
لكن يشترط العبدلله نجاح هذه الأحزاب بالحذر في استخدام المصطلحات، والقدرة على مخاطبة المجتمع بلغة قريبة منه، فالمجتمع السوري ليس كتلة واحدة، وهناك شريحة مهمة تبحث عن بدائل مدنية في العمل السياسي. لكن في المقابل، تبرز إشكالية أخرى، تتمثل في احتمال تشتت الجهود في حال تشكّل عدد كبير من الأحزاب المتشابهة في الأهداف والتوجهات، ما قد يضعف من تأثيرها بدل أن يعززه، وفق رأيه.
هناك واقع اجتماعي يشير إليه الكاتب السياسي درويش خليفة خلال حديثه مع “درج”، يصفه بـ”المتصدّع الذي ازداد تعقيدًا بعد سقوط النظام، إذ تعمّق الشقاق بين المكوّنات، وتبادلت الاتهامات، في ظل فشل مسارات الحوار الوطني وغياب تمثيل فعلي يعكس تنوع المجتمع داخل المؤسسات التشريعية. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة إطلاق مسار وطني جامع يضمن مشاركة سياسية متكافئة، بمعزل عن الانتماءات المذهبية أو القومية أو الفكرية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب خطوات متبادلة: انفتاحًا من السلطة، واستعدادًا من القوى السياسية لتقديم صيغ واقعية وقابلة للتطبيق”. 
--------
درج

يامن المغربي
السبت 23 مايو 2026