استكمالًا لمقالة نُشرت في موقع تلفزيون سوريا بتاريخ 19 أيلول / سبتمبر 2026، تأتي هذه المقالة تحت العنوان ذاته.
كان الأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؛ إذ تراكبت هويات متعددة فوق بعضها بعضاً، المسلم والمسيحي واليهودي، الدمشقي والحلبي والبيروتي والمقدسي والحوراني، ابن القرية وابن المدينة، العثماني والعربي، ثم، بصورة متزايدة، السوري. لم تكن هذه الهويات متعارضة بالضرورة. كان يمكن للمرء نفسه أن يكون مسلماً وعثمانياً وعربياً ودمشقياً في آن واحد، من دون أن يشعر أن عليه أن يختار واحدة منها ويهجر البقية. ولعلّه خطأٌ كبيرٌ في قراءة تلك المرحلة أن يتمّ إسقاط مفهوم الدولة القومية الحديثة على مجتمع لم يكن قد دخلها بعد.
نشأت جمعيات ومنظمات عربية سرية وعلنية، بعضها طالب بالإصلاح واللامركزية، وبعضها ذهب أبعد في تصور مستقبل عربي مستقل.
كان القرن التاسع عشر يقترب من نهايته، وكانت الدولة العثمانية قد دخلت طوراً جديداً من أزماتها. الإصلاحات التي بدأت مع التنظيمات لم تُنتج فقط قوانين ومؤسسات حديثة، وإنما أنتجت أيضاً مفردات جديدة، المواطن، المساواة، الدستور، التمثيل، الأمة، الحقوق، والتعليم الحديث. ومع انتشار المدارس والصحافة والطباعة، بدأت الأفكار تنتقل بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وبدأت النخب المحلية تنظر إلى السلطة والمجتمع والانتماء بطريقة مختلفة. كان العثمانيون أنفسهم يحاولون الإجابة عن السؤال ذاته. فبعد عقود من محاولات الإصلاح، جاءت الثورة الدستورية عام 1908 لتعيد العمل بالدستور والبرلمان، ولتبعث الأمل بإمكان بناء دولة عثمانية حديثة يكون فيها المسلم والمسيحي والعربي والتركي وغيرهم مواطنين متساوين. في تلك اللحظة لم يكن الخيار القومي العربي قد أصبح بعد بديلاً حتمياً عن العثمانية، بل كان كثير من المثقفين العرب يأملون في إصلاح الدولة العثمانية والمحافظة عليها بصيغة دستورية ولا مركزية.
لكنّ التجربة سرعان ما بدأت تُخنق. فصعود جمعية الاتحاد والترقي، ثم تزايد النزعة المركزية والتتريك في الإدارة والتعليم والجيش، دفعت جميعها قطاعات متزايدة من النخب العربية إلى إعادة النظر في العلاقة بين العروبة والدولة العثمانية. لم يكن اعتراضهم في بدايته دعوةً صريحة إلى الانفصال، بقدر ما كان مطالبةً بالاعتراف بالعرب بوصفهم جماعة سياسية وثقافية داخل الدولة، وبحق الولايات العربية في إدارة شؤونها المحلية، وباستخدام اللغة العربية في التعليم والإدارة، وبإصلاح العلاقة بين المركز والأطراف. وهنا بدأت العروبة تتحول تدريجياً من انتماء ثقافي ولغوي إلى فكرة سياسية. نشأت جمعيات ومنظمات عربية سرية وعلنية، بعضها طالب بالإصلاح واللامركزية، وبعضها ذهب أبعد في تصور مستقبل عربي مستقل. وكان من بين هذه التنظيمات "الجمعية العربية الفتاة" التي تأسست في باريس ثم انتقلت نشاطاتها إلى بلاد الشام، و"جمعية العهد" التي ارتبط بها عدد من الضباط العرب في الجيش العثماني. وفي المقابل، نشطت تيارات أخرى بقيت متمسكة بفكرة الدولة العثمانية، لكنها أرادت إصلاحها وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والولايات.
كان هذا كله يعني أن الهوية السياسية الجديدة لم تكن قد استقرت بعد. كان السوري الذي بدأ يتشكل في الوعي السياسي الحديث يقف في منطقة وسطى بين هويتين كبيرتين، عثمانية آخذة في التراجع، وعربية آخذة في الصعود. وبينهما بدأت تظهر ملامح هوية ثالثة أكثر محلية، مرتبطة ببلاد الشام وبسوريا بوصفها مجالاً جغرافياً وتاريخياً وسياسياً. والسوريون في تلك المرحلة لم يكونوا قد اتفقوا على أن سوريا هي بالضرورة الدولة التي ينبغي أن تقوم بعد سقوط الدولة العثمانية. كان هناك من يتخيل دولة عربية واسعة تضم بلاد الشام والعراق والحجاز، وكان هناك من يفكر في سوريا الطبيعية، وكان هناك من يتمسك ببلاد الشام ضمن إطار عربي أوسع، وكان هناك من يريد اللامركزية داخل الدولة العثمانية. ولم تكن الحدود السياسية التي ستُعرف لاحقاً باسم المملكة العربية السورية، ومن ثمّ الجمهورية قد أصبحت حقيقة سياسية.
لذلك لم يكن تشكل الهوية السورية مساراً مستقيماً من العثمانية إلى السورية، وإنما كان مساراً متعرجاً مرّ بالعروبة، وبالمدينية، وبالإقليم الشامي، وبالمواطنة العثمانية، وبالطائفة والمذهب، وبالانتماءات المحلية التي لم تختفِ لمجرد ظهور الأفكار القومية. ولعلّ مؤتمر باريس العربي عام 1913 كان واحداً من أكثر التعبيرات وضوحاً عن هذه المرحلة الانتقالية. فقد اجتمع ممثلون عن تيارات عربية مختلفة للمطالبة بالإصلاح واللامركزية والاعتراف بالحقوق العربية، ولم يكن المؤتمر في جوهره إعلاناً للحرب على العثمانيين بقدر ما كان محاولة للضغط باتجاه إعادة صياغة العلاقة بين العرب والدولة العثمانية.
مع اتساع الفجوة بين المركز والمجتمع، بدأت الدولة التي كانت تمثل الإطار السياسي الجامع تفقد قدرتها على أن تكون إطاراً مقنعاً للانتماء.
لكنّ الزمن كان يمضي. اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، ودخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا. وهنا تغيّر كل شيء تقريباً. لم تعد الخلافات السياسية قابلة للنقاش بالوتيرة السابقة. أصبح الشك في النخب العربية أكبر، وأصبح الجيش أداة أكثر حضوراً في إدارة الولايات العربية، بينما أخذ جمال باشا، قائد الجيش الرابع وحاكم بلاد الشام الفعلي، يتعامل مع النشاط القومي العربي باعتباره تهديداً عسكرياً وسياسياً في زمن الحرب. ثم جاءت الإعدامات. في عامي 1915 و1916 أُعدم عدد من المثقفين والسياسيين العرب في بيروت ودمشق. وتحوّل هؤلاء، في الذاكرة العربية والسورية لاحقاً، إلى رموز للشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمناً للمطالبة بالحقوق العربية. والمفارقة التاريخية أن بعض الذين أُعدموا لم يكونوا يطالبون في بدايات نشاطهم باستقلال عربي كامل، بل كانوا يدافعون عن اللامركزية والإصلاح داخل الدولة العثمانية.
لكنّ الذاكرة لا تحفظ دائماً بدايات الأفكار؛ بل تعلق بها لحظة الدم. ومن هنا بدأت صورة العثماني في الوعي القومي العربي تتغير بصورة عميقة. لم يعد العثماني عند قطاعات متزايدة من العرب هو الخليفة أو الدولة التي حكمت بلادهم قروناً فحسب، وإنما أصبح، في السردية القومية الناشئة، هو السلطة التي قمعت النشطاء العرب وأعدمتهم وأخضعت البلاد لسلطة عسكرية قاسية. وهذه واحدة من اللحظات التي يصعب فيها فصل صناعة الهوية عن صناعة الذاكرة. فالأمم لا تبني نفسها من الوقائع وحدها، بل من الطريقة التي تتذكر بها الوقائع. والموت السياسي، خصوصاً عندما يكون علنياً، قادر على تحويل فكرة لم تكن مكتملة إلى جزء من هوية جماعية كاملة.
ثم جاءت الحرب نفسها لتفعل ما لم تستطع الأفكار وحدها أن تفعله. المجاعة، والتعبئة العسكرية للسفر برلك، والنزوح، والدمار، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الإدارة العثمانية، جعلت العلاقة بين السكان والسلطة المركزية أكثر هشاشة. ومع اتساع الفجوة بين المركز والمجتمع، بدأت الدولة التي كانت تمثل الإطار السياسي الجامع تفقد قدرتها على أن تكون إطاراً مقنعاً للانتماء. وهنا، تخلّق من رحم الماضي مولود جديد سيعيش في أجواء التفاؤل والنجاح تارة، وتحت وطأة الانتداب والانقلابات العسكرية والخيبات تارات أُخرى، وهذا ما سنتابع قراءته في الجزء الثالث من هذه السلسلة.
----------
تلفز يون سوريا


الصفحات
سياسة








