.
بداية نشير إلى أننا لن نرد على ادعاءات روبرت إف. كينيدي الابن، بشكل عاطفي بالدفاع عن العرب والمسلمين، بل سوف نستند إلى رؤية تاريخية وعلمية وفلسفية تكشف الخلل في منطقه وتبرز سطحية فكره وعنصريته وعقليته الاستشراقية الكارهة للعرب والمسلمين وللحضارة العربية الإسلامية مثل الكثير من المستشرقين الغربيين الذين قدموا خدمات كبيرة ومهدوا للاستعمار الأوروبي لمناطق الشرق، حيث كانت حجتهم بأن شعوب الشرق غير قادرة على حكم نفسها وهي عقليا لا تستطيع إنتاج العلوم والفلسفة والأدب والفكر ، وننطلق من طرح سؤال يوضح حقيقة التقدم العلمي والمعرفي لدى شعب ما في مرحلة ما على نحو صحيح: لماذا تزدهر المعرفة في مجتمعات معينة في مراحل تاريخية محددة، ولماذا تتراجع في مراحل أخرى؟
ويبدو أن كلام الوزير الأمريكي الذي كان عليه أن يهتم بصحة الأمريكيين الجسدية قبل كل شيء، أطلق تصريحا وادعاءات غير صحيحة ولا تليق بشخصية حكومية من دولة متقدمة تُعرَف بدعمها للعلم والفكر المستقل والمعتدل، بينما رؤية الوزير كينيدي متطرفة وتتسم بعدم العلمية وبالكراهة والاسلاموفوبيا.
في الحقيقة إن الإنتاج العلمي والأدبي ليس صفة عرقية أو دينية ثابتة، ولا موهبة تحتكرها أمة أو حضارة. إنه نتاج تفاعل معقد بين العقل الإنساني والمؤسسات التعليمية والحرية الفكرية والموارد الاقتصادية والاستقرار السياسي وشبكات تداول المعرفة. والتاريخ نفسه يقدم شواهد حاسمة على ذلك.
وهناك ثلاثة جوانب للموضوع:
- عملية نقد واقع البحث العلمي في البلدان العربية والإسلامية اليوم، وهو نقد مشروع وضروري؛
- عملية إنكار إسهامات العرب والمسلمين التاريخية والمعاصرة، وهو تعميم عنصري استشراقي غير صحيح؛
- وعملية تحويل الفوارق في الإنتاج العلمي إلى حكم على الشعوب أو الأديان أو الأعراق، وهو استنتاج خاطئ لا تسنده المعرفة التاريخية
حقائق تدحض ادعاءات كينيدي:
تصريحات كينيدي، التي أُطلقت في تجمع انتخابي بولاية ميشيغان يوم 26 أكتوبر 2026، لم تكن مجرد تقييم متسرع لأداء البحث العلمي، بل تضمنت ادعاءات عنصرية وغير واقعية يمكن دحضها مباشرة. فقد زعم أن العرب لا ينتجون العلوم والآداب ولا يفوزون بجوائز كبرى، وربط ذلك بتأثير جماعة الإخوان المسلمين. وهل سمع كينيدي بأسماء عباقرة علماء ومفكرين وأدباء مسلمين وعرب مثل:
- مايكل عطية: عالم الرياضيات البريطاني من أصول لبنانية، الحائز على ميدالية فيلدز عام 1966
- محمد عبد السلام: العالم الباكستاني الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979
- نجيب محفوظ: الروائي المصري الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1988
- أحمد زويل: العالم المصري الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999
- محمد البرادعي: المصري الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2005، بالمشاركة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- محمد يونس: من بنغلاديش حائز على جائزة نوبل للسلام عام 2006
- أورخان باموق: كاتب تركي حاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2006
- توكل كرمان: الصحفية اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011، بالمشاركة مع شخصيتين أخريين.
- عزيز سنجار: عالم تركي حائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2015
- عبد الرزاق قرنج: كاتب تنزاني من أصول يمنية حائز على جائزة نوبل في الآداب عام 2021
- منجي الباوندي: عالم تونسي حائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2023
- عمر ياغي: العالم الفلسطيني الأردني الأصل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025، وغيرهم.
وحتى لو افترضنا وجود فجوة كبيرة في الإنتاج العلمي المعاصر، فإن هذه الفجوة لا تثبت وجود عجز في شعب أو عرق أو دين، بل تستدعي دراسة الشروط التاريخية والمؤسسية التي تنتج المعرفة أو تعوقها.
هل صناعة العلم متعلقة بالعرق أم هناك شروط وظروف تاريخية تساهم في ذلك؟
إن المشكلة الأساسية في خطاب الوزير الأمريكي روبرت كينيدي الابن أنه يحوّل ظاهرة تاريخية واجتماعية معقدة إلى حكم تعميمي على مئات الملايين من البشر، وكأن القدرة على إنتاج العلم والأدب صفة عرقية أو دينية ثابتة، تنتقل من جيل إلى جيل، ولا تتأثر بالظروف التي يعيش فيها الإنسان. وهذا استنتاج لا يدعمه التاريخ، ولا يتفق مع ما نعرفه عن طبيعة المعرفة الإنسانية وتطورها.
لا يمكن حصر المعرفة بشعب دون غيره
لم تكن الحضارات الإنسانية متساوية في إنتاج المعرفة في جميع العصور. فقد شهد التاريخ ازدهاراً علمياً وفكرياً في مجتمعات مختلفة، كما شهد فترات من التراجع والاضطراب. ولم يحدث ذلك لأن الشعوب فقدت فجأة قدراتها العقلية، بل لأن الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والمؤسسية التي تسمح للمعرفة بالازدهار تتغير بمرور الزمن.
لقد شهدت مدن الحضارة الإسلامية، من بغداد ودمشق إلى القاهرة وقرطبة، حركة علمية وفكرية واسعة، شارك فيها علماء ومترجمون وفلاسفة وأطباء ورياضيون من أصول دينية ولغوية متعددة. ولم يكن هذا الازدهار معزولاً عن العالم؛ بل قام على الترجمة والنقد والتطوير والتفاعل مع المعارف اليونانية والسريانية والهندية وغيرها.
وقد أسهمت هذه الحركة في تطور الجبر والطب والفلك والبصريات والفلسفة، كما انتقلت أعمال عربية وإسلامية إلى أوروبا عبر حركة الترجمة إلى اللاتينية، وأسهمت في تشكيل مسارات التعليم والبحث في الجامعات الأوروبية. وتوثّق الدراسات الأكاديمية تاريخ هذه التحولات وشبكات انتقال المعرفة بين الحضارات.
فهل كان ازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية دليلاً على تفوق عرقي أو ديني ثابت؟ وإذا لم يكن كذلك، فبأي منطق يصبح اختلاف مستويات الإنتاج العلمي في العصر الحديث دليلاً على عجز العرب أو المسلمين؟
إن المنهج التاريخي يقتضي تفسير التحولات في شروطها، لا تحويلها إلى أحكام مطلقة على الشعوب.
استفادة أوروبا في نهضتها من العلوم العربية؟
لقد قال العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن بأنه اكتشف قوانين كبرى لأنه يقف على اكتاف العظماء الذين سبقوه.
وقد شهدت أجزاء من أوروبا، في مراحل من العصور الوسطى، تخلفا كبيراً في مجالات التعليم العلمي مقارنة بما عرفته مراكز علمية كبرى في العالم الإسلامي. لكن أوروبا لم تكن كتلة واحدة، ولم تكن تلك القرون فترة مظلمة متجانسة؛ فقد شهدت أيضاً تطورات فكرية ومؤسسية وعلمية متفاوتة بين المناطق والمراحل الزمنية. ثم تغيرت الظروف الأوروبية تدريجياً، وتطورت المؤسسات التعليمية والجامعات، واتسعت شبكات تداول الكتب والمعرفة، وتفاعلت التقاليد العلمية الأوروبية مع معارف علمية انتقلت من العالم الإسلامي وغيره.
لم يقل أحد، بناءً على تلك الفوارق التاريخية، إن الأوروبيين بطبيعتهم عاجزون عن إنتاج العلم، أو إن دينهم أو أصولهم العرقية تمنعهم من الإبداع. لقد انصبّ التفسير التاريخي الجاد على المؤسسات والاقتصاد والتعليم والرعاية السياسية وشبكات المعرفة، لا على اتهام الشعوب في قدراتها الفطرية. والمبدأ نفسه ينبغي أن ينطبق على العرب والمسلمين اليوم. لأن أوروبا إن استطاعت تغيير شروط إنتاج المعرفة، فمن غير المنطقي افتراض أن واقع المجتمعات العربية والإسلامية المعاصر يعكس حدوداً ثابتة في قدراتها العلمية أو الأدبية.
نرفض تصريحات كينيدي ولا ننس التحديات التي تجابه التقدم العلمي في العالم العربي والاسلامي؟
- إن رفض تعميمات كينيدي لا يعني إنكار التحديات التي تواجه البحث العلمي في عدد من البلدان العربية. فهناك أسئلة جدية تتعلق بتمويل البحث والتطوير، واستقلال الجامعات، وجودة التعليم، وحرية البحث والتعبير، واستقرار المؤسسات، والقدرة على استقطاب العلماء والاحتفاظ بهم، وربط المعرفة بالاقتصاد والإنتاج. لكن هذه الأسئلة هي بداية التحليل العلمي، لا نهايته.
- فالمجتمع الذي لا يوفر للباحث مختبراً مناسباً، ولا يمنح الجامعة استقلالاً كافياً، ولا يخصص الموارد اللازمة للبحث، ولا يضمن استمرارية المؤسسات العلمية، لا يستطيع أن يتوقع نتائج مماثلة لنتائج مجتمع يستثمر بصورة مستدامة في هذه المجالات.
- كما أن الحروب والصراعات والنزوح وهجرة الكفاءات وضعف التعاون العلمي قد تعطل تراكم المعرفة، حتى عندما يمتلك المجتمع طاقات بشرية مؤهلة.
- إن القدرة على التفكير والإبداع شيء، والقدرة على تحويلهما إلى إنتاج علمي مستدام شيء آخر. وبين الاثنين توجد منظومة كاملة من الشروط والمؤسسات والسياسات.
لذلك، فإن السؤال العلمي الصحيح ليس: لماذا لا ينتج العرب والمسلمون العلم بصفتهم القومية والدينية بل: ما الشروط التي تمكّن العلماء العرب والمسلمين من إنتاج المعرفة، وما العوائق التي تحول دون استثمار قدراتهم؟
وينبغي ألا يُرتكب الخطأ المعاكس، فنختزل الإنتاج العلمي العربي في أسماء قليلة أو نعتبر الجوائز الدولية المقياس الوحيد لقيمة البحث العلمي. فالمعرفة تُنتج أيضاً في الجامعات والمختبرات والمستشفيات ومراكز الأبحاث، وفي الكتب والأعمال الأدبية والدراسات الإنسانية، سواء حصل أصحابها على جوائز أم لم يحصلوا عليها.
وهل يكفي تفسير التراجع العلمي بعامل واحد؟
إن ربط أوضاع المجتمعات العربية المعاصرة بجماعة سياسية واحدة، وتقديم ذلك بوصفه تفسيراً شاملاً لواقع العلوم والآداب في مئات الملايين من البشر، لا يرقى إلى تحليل تاريخي أو اجتماعي جاد. فالإنتاج العلمي يتأثر بمجموعة من المتغيرات المتداخلة: بنية الدولة، والسياسات الاقتصادية، ونوعية التعليم، والإنفاق على البحث، والحرية الأكاديمية، والاستقرار، والعلاقات الدولية، والقدرة على تداول المعرفة. وقد يكون لبعض الحركات السياسية أو التوجهات الفكرية أثر في سياسات التعليم أو في المناخ الثقافي في سياقات محددة؛ لكن إثبات هذا الأثر يحتاج إلى أدلة وتحليل مقارن، ولا يبرر اختزال تاريخ مجتمع كامل أو الحكم على قدرات شعب بأسره.
إن الانتقال من نقد مؤسسة أو حركة سياسية إلى إصدار حكم على العرب أو المسلمين عموماً هو نوع من العنصرية والكراهية والاسلاموفوبيا لأنه ينتقل من التحليل إلى التعميم، ومن البحث عن الأسباب إلى إنتاج الصور النمطية التي رج لها الاستشراق الغربي الاستعماري.
ما الذي ينبغي أن نفعله؟
- إن الرد الجاد على هذه التصريحات لا يقتضي الاكتفاء باستحضار أمجاد الماضي أو تعداد العلماء العرب والمسلمين، على أهميتهما، بل يقتضي تحويل النقاش إلى مشروع للمستقبل.
- نحتاج إلى جامعات مستقلة وقادرة على البحث، ومختبرات مجهزة، وتمويل مستدام، وبيئة تسمح بالنقد والتجريب، وسياسات تحتفظ بالكفاءات العلمية، ومؤسسات تربط التعليم بالاقتصاد والابتكار.
- ونحتاج أيضاً إلى إعادة قراءة تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية قراءة نقدية موثقة، تدرس الإنجازات والإخفاقات معاً، وتبحث في كيفية نشوء المفاهيم العلمية وتطورها وانتقالها بين الحضارات.
- فالحضارة لا تستعيد مكانتها بتكرار أن أجدادها كانوا عظماء، وإنما ببناء المؤسسات التي تتيح للأجيال الجديدة أن تنتج معرفة جديدة.
وأخيراً يمكن القول بأنه لا توجد شعوب محكوم عليها بالتخلف
- إن أخطر ما في تصريحات كينيدي ليس مجرد خطئها في ذكر الوقائع والجوائز ولا سطحيتها، بل المنطق الذي تقوم عليه: تحويل الفوارق التاريخية في الإنتاج المعرفي إلى أحكام عامة على الشعوب وهوياتها.
- إن التاريخ يعلمنا أن مراكز العلم تتغير، وأن الحضارات تتبادل المعرفة، وأن ازدهار البحث يتطلب شروطاً سياسية واقتصادية وثقافية ومؤسسية قابلة للتغيير.
- لقد ازدهرت العلوم في الحضارة الإسلامية في مراحل تاريخية محددة، ثم تغيرت مراكز الإنتاج المعرفي، وبرزت أوروبا وغيرها من المناطق في مراحل لاحقة. ولا يبرر ذلك الحكم على العرب أو المسلمين بالعجز، كما لا يبرر الحكم على الأوروبيين بالتخلف استناداً إلى بعض مراحل تاريخهم.
العلم عالمي وليس ملكاً عرقياً أو دينياً لأحد، والتراجع ليس قدراً وراثياً لشعب، والازدهار ليس امتيازاً أبدياً لحضارة.
وإذا أراد كينيدي أن يفهم واقع العلوم في المجتمعات العربية، فالأجدر به أن يسأل عن الجامعات والتمويل والمؤسسات والحرية والاستقرار والسياسات التي تسمح للمعرفة بالازدهار أو تعوقها، بدلاً من إصدار أحكام على مئات الملايين من البشر. فإن الشعوب لا تُقاس بما حققته في عصر واحد، ولا بما أخفقت في تحقيقه في عصر آخر، بل بما تستطيع أن تبنيه من شروط للمعرفة والإبداع والمشاركة في مستقبل الإنسانية. وهذا هو الفرق بين خطاب يوزع الاتهامات على الشعوب، ومنهج علمي يحاول فهم التاريخ وتفسير الواقع وفتح الطريق أمام المستقبل.
ان تصريحات كينيدي لها رمزية ودلالة فكرية وسياسية وتعكس موقفا استشراقيا معاديا للتراث العربي الاسلامي وحتى الشرقي. علما أن الكثيرين في الغرب أصبحوا يخجلون من هذه التعميمات الجاهلة بحق شعوب كان لها تاريخ مجيد ومؤثر في تقدم أوروبا والغرب نفسه.
----------
أواصر


الصفحات
سياسة








