عام ترامب الاول.. شقاق مع الخارج وانقسام في الداخل

17/01/2018 - ميشائيل دونهاوزر وجريتل جونستون

الغارديان: ما في مصر الآن هو ديمقراطية مزيفة

16/01/2018 - الغارديان - ترجمة عربي21




كيف انهارت الوحدة المصرية السورية ؟




يقول اللواء جمال حماد: "كان الضباط المصريون يعاملون الضباط السوريين بنوع من التعالي والتكبر, لأنهم اعتادوا على هذه الطريقة في التعامل ولم يعرفوا أن السوريين غير معتادين عليها, أيضا يقول إن قوانين التأميم التي تم تطبيقها على أصحاب رؤوس الأموال في مصر لم تكن لتصلح لتطبيقها في سوريا, وأن تطبيقها في سوريا كان من الأخطاء التي وقعت فيها قيادة الوحدة, أما (الغلطة الكبرى) فكانت عدم وجود حكومة في دمشق, فكان نائب رئيس الجمهورية أكرم الحوراني يظل ثلاثة أيام أو أربعة أيام على باب مكتب عبد الناصر ولا يستطيع مقابلته,


ناصر والقوتلي يوقعان اتفاقية الوحدة
ناصر والقوتلي يوقعان اتفاقية الوحدة
 أيضا كان عبد الحميد السراج رئيس المخابرات رقما صعبا في انهيار الوحدة, فقد تم استبعاده حين شكلت حكومة مركزية في القاهرة, ولم تكن في دمشق حكومة تنفيذية, أي كان بمصر وزير للدفاع ولم يكن في سوريا وزير للدفاع, والوزير الموجود بمصر لا يعلم شيئا عن سوريا فكان قيام انقلاب في سوريا أمرا يسيرا جدا, ويقول عبد اللطيف بغدادي كان أسلوب عبد الناصر في الحكم وغفلة عبد الحكيم عامر في سوريا وترك الأمر لمساعديه من أسباب انهيار الوحدة, وأكد ذلك جمال حماد وضرب مثلا بشمس بدارن الذي كانت كل معلوماته العسكرية لا تؤهله إلا لقيادة فصيلة من ثلاثين عسكري إذا به يعين قائدا للجيش المصري, وخلاصة القول إن الوحدة قامت على أسس غير سليمة, ولذلك لم تصمد الوحدة أمام أول اختبار لها, فقد قاد الانقلاب على الوحدة مجموعة من الضباط السوريين الذين استغلوا سوء إدارة القيادة المصرية, وسوء معاملة الضباط المصريين للضباط السوريين, واستطاعوا أن يستولوا على مقر القيادة في دمشق وأعلنوا انفصال سوريا عن مصر, ونصبوا أنفسهم حكاما على البلاد, وكانت المعلومات التي وردت إلى القاهرة تفيد بأن حامية اللاذقية لم تنضم إلى قادة الانفصال في دمشق, لذلك فكر القادة في القاهرة في إرسال قوة إلى سوريا تعيد الأمور إلى نصابها, وتكون اللاذقية هي المركز الذي تنطلق منه هذه القوة, وبالفعل أرسلت قوات عسكرية عن طريق الجو تلحق بها قوات أخرى عن طريق البحر, ولكن قبل أن تصل طلائع هذه القوة إلى سوريا وردت أنباء أخرى إلى القاهرة تفيد بأن حامية اللاذقية انضمت إلى زعماء الانفصال, فأصدرت القيادة في القاهرة قرارا إلى القوات المتجهة إلى سوريا بعودتها إلى مصر مرة أخرى. يقول جمال حماد: "حينما قام الانقلاب في 28 سبتمبر 1961 أرسل عبد الناصر الرائد جلال هريدي على رأس قوة من قوات الصاعقة وكانت قوات مدربة تدريبا كبيرا على اعتبار أن حامية اللاذقية سوف تنضم للوحدة بين مصر وسوريا, فأُرسلوا إلى اللاذقية في محاولة للانقلاب على الانقلابيين أو صدهم. وبينما كانت الطائرات في الجو متجهة إلى اللاذقية أعلنت حامية اللاذقية انضمامها إلى الانقلابيين، وحينما نزلوا في المطار طلب جمال عبد الناصر من هريدي باللاسلكي أن يسلم نفسه للسوريين. لأنه كان في الطائرات الثلاث أو الأربع الأمامية التي لم يصلها الأمر بالرجوع, كان في تلك الطائرات حوالي مائتي جندي وحوالي عشرين أو ثلاثين ضابطا, وفي اللاذقية وجد جلال هريدي أن المطار مضيء, وهناك تلقى أمرا من عبد الناصر بأن يسلم نفسه لكاظم زيتونة قائد اللاذقية، وقد عامل السوريون الجنود والضباط المصريين أسوأ معاملة, وأرسلوهم إلى سجون رديئة جدا في الصحراء, بينما أرسل جلال هريدي إلى سجن المزة بدمشق, وجلال هريدي هذا ضابط شجاع محترف وهو الذي أسس الصاعقة بالجيش المصري, وفي سجن المزة جيء له بضابط سوري كان تلميذه في مصر, فتبادلوا الأحضان ثم أدخل جلال هريدي والضابط السوري غرفة بها جهاز تسجيل وهو لا يعرف, واستدرجه الضابط في أحاديث عن عامر وعبد الناصر, وهو كان محبا لعبد الحكيم عامر ولكنه كان يمقت عبد الناصر فأكثر من السباب لعبد الناصر وقال عنه كلاما يسيء إلى شخصه, وهو لا يعلم أن كلامه هذا مسجل, بعد ذلك أخذ قادة الانقلاب هذا التسجيل وأذاعوه في إذاعة سوريا, وكتبوه في كتيبات تم توزيعها على البلاد العربية ليعرف الناس ما يقوله ضابط مصري عن عبد الناصر, وبالطبع هو ليس ضابطا عاديا, إنه قائد الصاعقة, وحين يسب قائد الصاعقة عبد الناصر فهو إنما ينقل مشاعر طائفة من ضباط الجيش نحو عبد الناصر رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة".
بهذه (الطرفة) نختتم حديثنا عن انهيار الوحدة بين مصر وسوريا, وبانهيار الوحدة تحطم التمثال الذي صنعه الإعلام المصري لعبد الناصر أمام السوريين حين اقترب منهم وعرفوا حقيقته, فعلى غير توقع من الجانب المصري انقلب الجيش على عبد الناصر وعلى الوحدة وأيده الشعب في انقلابه تأييدا مطلقا, حتى حامية اللاذقية التي ظن عبد الناصر أنها لن تؤيد الانقلاب انضمت إليه ضد عبد الناصر الذي تعامل هو وأتباعه مع السوريين كأنهم محتلون لأرضهم, مغتصبون لديارهم, وظنوا أن مقاليد الأمور قد آلت إليهم, فأكثروا فيها الفساد, فكان لابد من الثورة عليهم وردهم على أعقابهم خائبين خاسرين, لتصبح تجربة الوحدة مع سوريا مثلا واضحا لضيق أفق حكام مصر في ذلك الوقت وسوء نواياهم, ففي حسبانهم أن الحكم مغانم ووسيلة لإشباع الغرائز والشهوات, فطغوا وتجبروا, وتجاهلوا تطلعات الشعب السوري في الوحدة, فثار عليهم وطردهم من أرضهم شر طردة,,,
الشعب المصري وانهيار الوحدة مع سوريا:
لم يشعر الشعب المصري بقيام الوحدة المصرية السورية ليشعر بانهيارها, فقد اعتاد على إعلام يتغنى بزعيمه في أية خطوة يخطوها, والوحدة لا تعدو أن تكون خطوة خطاها (الزعيم), ولكن لا أثر لها على أرض الواقع إلا في نطاق محدود للغاية لم يصل إلى السواد الأعظم من الشعب, والجدير بالذكر أن الأسباب التي دعت الشعب السوري إلى الانقضاض على هذه الطغمة الفاسدة من الضباط المصريين وعلى رأسهم عبد الناصر هي نفس الأسباب التي كان ينبغي أن تدعو الشعب المصري إلى الانقضاض على حكامه والثورة عليهم, ولكن حملة التضليل الإعلامي كانت قد حققت في ذلك الوقت نجاحا لا بأس به وبات الشعب أسير حالة من التضليل المتعمد, نتيجة للأكاذيب التي كان الإعلام يلح عليه بها ليل نهار, وكان الإعلام يركز على وعود براقة في غد أفضل لكل أفراد الشعب, ووعود أخرى بعودة فلسطين لأهلها, فلم يكن يخل خطاب لعبد الناصر من ذكر إسرائيل مهددا ومتوعدا, وطال التهديد في كثير من الخطابات من هم وراء إسرائيل, أي أمريكا والغرب, وكان الشعب يصدق أن (الزعيم) قادر على تنفيذ هذه الوعود وهذه التهديدات بعدما صدق أكذوبة أنه انتصر على ثلاث دول, ولذلك لم يكن يهم الشعب المصري أن تنهار الوحدة بين مصر وسوريا مادامت وعود الزعيم بحياة كريمة وبعودة فلسطين قائمة, وبات هذا الشعب المضلل يترقب ما يعده به (الزعيم) من انتصارات في الميادين المختلفة, فلعله يحقق انتصارا على العدو الذي اغتصب أرض فلسطين كما يردد في خطاباته, وفي مصر مثل يقول «خليك مع الكداب لحد باب الدار», فهو مثل تجتمع فيه جل صفات الشعب المصري, فهو يصبر حتى على من يعرف أنه يكذب إلى أن يثبت كذبه, ولكن في هذه الحالة للأسف الشديد ظل هذا الشعب الذي كان قد أخذ التضليل منه كل مأخذ مع عبد الناصر حتى بعد أن ثبت كذبه, وانطلت عليه تمثيلية التنحي كما سنرى في سابقة لم تحدث في التاريخ قديمه وحديثه, ولا في أية بقعة من العالم.
هل حققت الوحدة أهدافها:
لم يظهر من البداية أن للوحدة أهدافا ظاهرة يعمل القادة في البلدين على تحقيقها باتحادهم غير إحكام القبضة على دولة الصهاينة, أو هذا ما كان يتردد في وسائل الإعلام وقتها, وبالطبع هذا الهدف يدغدغ مشاعر الشعبين العربيين في كل من مصر وسوريا, بل الشعوب العربية كلها, وقد طنطن الإعلام في مصر بكلمات رنانة ذات مفاهيم تتسع لكل معاني الوطنية والقومية وكل ما يملأ الناس بالعزة والفخر, واستمدت خطابات عبد الناصر من ذلك الحدث ما يلهب مشاعر الجماهير المتعطشة للثأر من أعداء الأمة العربية الذين استباحوا حرماتها وأخرجوا شعبا من شعوبها من أرضه وأسسوا عليها دولتهم, وكان ظن هؤلاء الجماهير أن النصر آت لا محالة, وأن (الزعيم) الذي انتصر على ثلاث دول لن يعجز أمام هذه العصابات التي اغتصبت أرض فلسطين بالقوة وبمساندة دول الغرب الاستعمارية, وقد رأت الجماهير في تلك الوحدة خطوة على طريق الخلاص, الخلاص من عار الهزيمة التي منيت بها الأمة العربية فيما عرف بنكبة 1948, والخلاص من هذه العصابات التي أتت من كل بقاع العالم لتستولي على أرض فلسطين, ومرت السنة الأولى من عمر الوحدة ولم يتحقق شيء, وكذلك مرت السنتان الثانية والثالثة فتأكد السوريون أن الوحدة ليست إلا كلمة مهذبة للاحتلال المصري لسوريا, فعملوا على تفكيكها, ساعدهم على ذلك ممارسات الضباط المصريين غير المسؤولة في سوريا, وقبل أن تنتهي السنة الرابعة كانت الوحدة قد لفظت أنفاسها الأخيرة, وعاد الضباط المصريون إلى بلدهم يجرون أذيال الخيبة والعار, واستقبلهم الإعلام المصري بأكاذيبه وافتراءاته وإلقاء اللوم على الطرف السوري الذي أبى أن ينصاع للغطرسة المصرية على أرضه. انتهت الوحدة دون أن يتحقق الهدف المعلن منها أو حتى تتخذ خطوة واحدة في سبيل تحقيقه, انتهت الوحدة دون أن يحدث أي تقدم في قضية فلسطين والشعب الفلسطيني إلا ما امتلأت به خطابات (الزعيم) من تهوين لهذه القضية وتهديد ووعيد لإسرائيل ومن وراء إسرائيل. أما الهدف غير المعلن, فقد تحقق دون إبطاء أو تأجيل, وهو نقل الاستراتيجية المتبعة في مصر إلى سوريا, فمذ وطأ القادة المصريون وعلى رأسهم عبد الناصر أرض سوريا بدأ التضييق على الإخوان المسلمين في سوريا, ثم وصل الأمر إلى اعتقالهم, وتشريد أسرهم, حتى اضطر بعضهم إلى ترك سوريا, والعيش بعيدا عن الوطن, وشيئا فشيئا ازداد التضييق ليس على الإخوان المسلمين فحسب, ولكن امتد إلى كل من يثبت تمسكه بتعاليم دينه, وكل من يحافظ على الصلوات الخمس في المسجد, بل إلى كل ما هو إسلامي فهجرت المساجد, وخفتت أصوات المآذن, وصار الإسلام طريدا في وطنه, تماما كما كان يحدث في مصر في تلك الحقبة البغيضة, حقبة الحكم الناصري. من ناحية أخرى باتت حدود إسرائيل مع سوريا آمنة, وسوف نرى لدى حديثنا عن كارثة يونيو كيف تم تسليم الجولان لإسرائيل دون أن تكلف إسرائيل نفسها عناء قتال, تماما كما سُلمت سيناء لإسرائيل حين أصدر عبد الناصر قرارا بانسحاب القوات المصرية إلى غرب القناة. أما الهدف الذى كان يسعى عبد الناصر إليه وهو تحقيق مجد شخصي له فقد تكفل بتحقيقه الإعلام المصري, كجزء من حملة التضليل الإعلامي التي استهدفت الشعب المصري مذ تولى عبد الناصر الحكم, بل مذ كتب مصطفى أمين مقاله (سر الضباط التسعة), قبل أن يتولى عبد الناصر مقاليد السلطة.
بعد الانفصال:
بعد أن تحدث بغدادي عن انهيار الوحدة مع سوريا بدأ بالحديث عن المشاكل التي ترتبت على الانفصال والاجراءات التي اتخذتها القيادة السياسية بغرض حماية الثورة, وقد رأيت أن أعرض بإيجاز لأحداث تلك الفترة من خلال مذكرات بغدادي لأنها تتضمن معلومات هامة تبين كيف كانت تحكم مصر في ذلك العهد الذي مازال له مناصرون بعد أن تكشفت الحقائق وظهر للقاصي والداني ما آلت إليه الأمور في نهايته. يذكر أنه كان قد مر على قيام الثورة في ذلك الوقت أكثر من تسعة أعوام, فهل كانت الثورة لا تزال في حاجة إلى حماية, لقد تم توجيه ضربة قاصمة للإخوان المسلمين عام 1954, بغرض حماية الثورة, وأبعد محمد نجيب عن الحياة السياسية بل عن الحياة كلها بغرض حماية الثورة, وارتكبت أبشع الجرائم في حق المعارضين بغرض حماية الثورة وظل تعبير حماية الثورة مبررا للبطش والقمع طيلة سنوات حكم عبد الناصر, حتى استبدلت به تعبيرات أخري في الأعوام التي تلته حتى قامت ثورة 25 يناير 2011,.. ما علينا, يقول بغدادي: "مما لا شك فيه أن انفصال سوريا وتلك الأحداث السريعة والمتتابعة كان له تأثيره المباشر على فكر القيادة السياسية في مصر وبالتالي على الوضع الداخلي فيها. وقد ترتب على هذا الانفصال بعض المشاكل الأمر الذي اضطر تلك القيادة إلى اتخاذ بعض الإجراءات. ولقد اتخذ البعض منها بغرض حماية مسيرة الثورة وتأمين أهدافها والبعض الآخر تنظيمي",
تعليق:
أعتقد أن أكبر مشكلة واجهت عبد الناصر بعد الانفصال تمثلت في اهتزاز صورته ولو أمام نفسه, ذلك لأن الإعلام قام بالدور المنوط به في تحسين صورة عبد الناصر أمام الناس وإلصاق التهم جزافا بآخرين تسببوا فيما جرى, ولكن ماذا يفعل الإعلام في اهتزاز صورة الإنسان أمام نفسه وشعوره بأن مجده الشخصي الذي عمل على بنائه بكل الطرق يتهاوى على حين غفلة, لقد كان أمرا حتميا أن يقوم عبد الناصر بإجراءات تثبت أنه مازال يمسك بزمام الأمور, وأول قرار كان الإبقاء على اسم الدولة كما هو (الجمهورية العربية المتحدة), وظل هكذا خاليا من كلمة (مصر) إلى أن تغير في عهد السادات, وقد تحدث بغدادي عن الإجراءات الأخرى التي اتخذت بالتفصيل لما كان لها من أهمية في ذلك الوقت في نظره, ولكني هنا أشير إليها في عجالة لأنها تشرح الظروف التي بدأت فيها حرب اليمن. يقول بغدادي " كان جمال قد اتصل بي تليفونيًّا يوم الأحد 8 أكتوبر 1961 وطلب أن نلتقي في منزله مساء نفس اليوم. وعندما التقيت به دار الحديث بيننا حول الموقف الداخلي في مصر بعد انفصال سوريا. وقال: إننا متفقون على ضرورة إعادة التنظيم ولكن البند الأول فيه هو الجيش. ولا يمكن لي أن أبدأ باتخاذ أي إجراء قبل أن نحل مشكلة الجيش. ثم تكلم عن حالة عبد الحكيم النفسية، وتعب أعصابه، وأنه فقد الثقة بنفسه، وأصبح غير قادر على القيادة، ولا يمكنه مواجهة الضباط ولا الجنود. وذكر أنه - أي جمال - قام بعمل بعض الاتصالات مع بعض من الضباط، وعرف منهم ما يتردد داخل الجيش عن شمس بدران، والشئون العامة للقوات المسلحة، وعن اللواء عبد العزيز مصطفى وكيل وزارة الحربية. وأن كل ما يقال مركز أساسًا حول القيادة في الجيش وتصرفاتها، وأنه لابد من معالجة الأمر ولكنه يلمس الحساسية الموجودة بيننا. ومن الضروري إيجاد حل. وإذا لم نحل هذه المشاكل فمن الذي سيحلها.",
تعليق:
هذه العبارات التي نقلها بغدادي عن عبد الناصر تدل على أن الجيش كان قد وصل إلى حالة ليست بالهينة من التدهور والسوء, فما علاقة ذلك بالانفصال؟ وهل ما حدث كان بسبب الوحدة أم بسبب الانفصال؟ إن مؤسسة الجيش هي أهم مؤسسة في الدولة, وحين تصل إلى هذه الدرجة من السوء في الوقت الذي كان عبد الناصر يهدد ويتوعد إسرائيل فيه بحرب تكون فيها نهايتها, ولا يكاد يخلو خطاب له من التهديد والوعيد فبماذا يمكن أن نصف ما كانت عليه مصر من حال في ذلك الوقت؟ وكيف أرسل عبد الناصر كتائب من هذا الجيش لتحارب في اليمن بعد عدة أشهر من وقوفه على تلك الحالة من السوء التي كان قد وصل إليها الجيش؟ وإذا كان عبد الحكيم عامر هو سبب المشكلة لسوء حالته النفسية وتعب أعصابه وفقدان ثقته بنفسه وعدم قدرته على القيادة, فكيف ظل قائدا للجيش طيلة هذه السنوات حتى تم التخلص منه بقتله أو كما قيل بانتحاره في أعقاب هزيمة يوينو 1967؟, أسئلة لا تقودنا الإجابة عنها إلا إلى حقائق مرة كشفت عنها الأيام والأحداث بعد ذلك. كانت الصورة أكثر قتامة مما رسمته كلمات بغدادي, ولكن هل كان كل ما يهم عبد الناصر ألا يهتز الكرسي من تحته, يقول بغدادي: "ولقد بدأ جمال في ذكر الحل بقوله: (إن البلد كلها إشاعات، من يقول إن عبد الحكيم محدد إقامته، ومن يقول إن البغدادي زعلان، ومن يقول أنني مريض جدًا إلى آخر تلك الإشاعات). وهذا صحيح ولقد سمعتها أيضًا. ثم استطرد قائلا: (إن الرجعيين والحزبيين قد نشطوا جدًا في هذه الأيام، هل تعرف أن فؤاد سراج الدين عندما ذهب للتعزية في وفاة المرحوم حجازي وقف له جميع المعزين هناك عند دخوله عليهم لابد أن يكون هذا قد رتب من قبل مع بعض المقربين إليه، وعلى أن يبدأوا هم بالوقوف فيندفع وراءهم باقي المعزين بالوقوف كذا)",
تعليق:
تنقل هذه الصورة رعب عبد الناصر لمجرد وقوف الناس لتحية فؤاد باشا سراج الدين في سرادق عزاء, ثم يتهمه بترتيب ذلك, أكاد أجزم أن عبد الناصر عاش عمره خائفا ممن يسميهم بالرجعيين, ولو استطاع لفعل بهم كما فعل بالإسلاميين من اعتقال وتنكيل وتعذيب وتشريد وبالفعل وقع بعضهم ضحية لخوفه منهم, فأذلهم بسطوة حكمه وبسياط زبانيته من ضباط الأمن الذين كانوا طوع يمينه يفعلون ما يأمرهم بفعله دون نقاش, حتى محمد نجيب الذي عزله عن العالم وأخفاه عن الدنيا حتى لم يعد يسمع به أحد ظل مصدر خوف يتهدده طيلة حياته, والغريب أنه لم يجرؤ أن يقتله, وهذا لغز سنحاول الوقوف عنده بعد حين, يقول عبد اللطيف بغدادي: " واستطرد عبد الناصر قائلا: (الصورة التي نحن عليها اليوم هي نفس صورة سنة 1954 أيام أزمة محمد نجيب، والأسلوب الذي اتبع في سوريا من الرجعيين والرأسماليين وترديد الإشاعات هو نفس الأسلوب المتبع حاليًا في مصر والهدف هو تحقيق ما تحقق في سوريا. وثورتنا ثورة برجوازية وقد جمدت من سنة 1956، وانعزلنا وانغمس كل منا في الروتين، وآن الأوان أن نحولها إلى ثورة جماهيرية. وكما قال لينين لابد من القضاء على الرجعيين والرأسماليين ونزع سلاحهم بمصادرة ممتلكاتهم لأنه حاول في بداية الثورة البلشفية التعاون معهم ولكنه فشل ولم يفلح واضطر إلى القضاء عليهم. وكنت أعتقد أنه مخطئ ولكن قد تبين لي الآن أنه كان على صواب وأنا المخطئ. وليس أمامنا من حل غير القضاء عليهم وذلك باعتقالهم جميعًا ووضعهم في منطقة الوادي الجديد، وتجميد أموالهم وذلك عن طريق تحويل سندات الأراضي والشركات التي أخذت وأممت منهم إلى الديْن العام وعدم صرف الفائدة لهم. وعمل مجلس ثورة جديد من خمسين عضوًا لأن الناس في انتظار ثورة فلنقم نحن بها، والناس عايزة هزة أو صدمة حتى تفُوق، والمجلس الجديد سيتكون منا ومن الوزراء ومن أشخاص آخرين ارتبطوا بنا من بداية الثورة، لأنه عندما تعلق لنا المشانق ستعلق لهم أيضًا. ونعطي اختصاص رئيس الجمهورية لمجلس الثورة الجديد، ونعمل مجالس ثورية في كل قرية وفي كل مصنع، ونبدأ نعمل بروح ثورية، ونرفع الناس التي ستعمل معنا إلى مستوانا لنزيد عدد أعضاء مجلس الثورة الجديد بعد سنة إلى مائة عضو ثم إلى مائة وخمسين ثم إلى مائتين عضوًا حتى يصبح في النهاية مجلس الثورة مثل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وكل فرد في هذه الحالة سيسعى للوصول إلى عضوية مجلس الثورة، وسأقوم بإلقاء بيان أوضح للشعب فيه هذه الصورة, ثم قال: طبعًا أنت فوجئت بهذا الحل لأن كل الناس بتقترح إعادة تنظيم الإتحاد القومي ومجلس الأمة وإعطاء حريات، وأنا أعتقد أن هذه ليست بحلول مجدية. وأنت تتذكر سنة 1953 لما عملنا محكمة الثورة وكانت الإشاعات في ذلك الوقت كما هي الآن فعملنا المحكمة وقضينا على نشاط الرجعيين والانتهازيين.)",
تعليق:
هذا الكلام الذي نقله بغدادي عن عبد الناصر يعكس الحالة التي كان عليها عبد الناصر في أعقاب الانفصال, إن الرأسماليين السوريين الذين كانوا وراء الانفصال, جنوا على الرأسماليين المصريين فاعتقلهم عبد الناصر وصادر أموالهم ونكل بهم في المعتقلات, كل هذا مخافة أن يقوموا بما قام به الرأسماليون السوريون, وقد فعل ما فعل اقتداء برأس الشيوعية في العالم لينين. والواضح أن بغدادي لم يكن يتوقع من عبد الناصر هذا الكلام الذي أعده الآن توثيقا على شيوعية عبد الناصر التي قد ينكرها البعض, فالرجل كان واضحا في عزمه على اتباع سياسة كبت الحريات ومصادرة الأموال والمعتقلات, والمسألة بسيطة عنده جدا, فمثلما تم تنفيذ هذه السياسة عام 1953, بتكوين ما سمى بمحكمة الثورة واستطاع بها أن يتخلص من أي صوت معارض له, فما المانع عنده أن تعود محكمة الثورة مرة أخرى لتمارس أحط دور يمكن أن تقوم به محكمة في العالم, هذا الكلام للتذكرة قيل في أكتوبر 1961, وهو في غير حاجة لتعليق, وإنما أردت أن أضع القارئ أمام القائد الذي ما أن استقر على سدة الحكم بعدما اغتصب السلطة حتى بدأ في التنكيل بالشعب وتنفيذ سياسة الحديد والنار في الحكم, وها هو بعد فشله في سوريا يكاد يفقد السيطرة على نفسه ويعجز عن كبح جماحها ويخشى على السلطة أن تضيع من بين يديه, فلا يستشف من قوله (وليس أمامنا من حل غير القضاء عليهم ... إلى آخر ما قال) إلا أن الرعب قد استولى عليه, وبات يخشى أن يحدث في مصر ما حدث في سوريا وأدى إلى انهيار الوحدة, فأسرع في تنفيذ قرارات لم تخطر لأحد على بال, فهو لم يكتف بأنه أخذ أراضي وشركات من أصحابها دون وجه حق, ولكن يريد أن يعتقل ملاك هذه الأراضي وأصحاب تلك الشركات, وإبعادهم في منطقة نائية, وحرمانهم من الفائدة التي كانت تصرف لهم بتحويل سندات الأراضي والشركات إلى الدين العام. ولن يكلفه ذلك إلا بيان يلقيه على الشعب بطريقته التي اتبعها في الخطابة لتضليل الشعب, طريقة (إسرائيل ومن وراء إسرائيل), يقول بغدادي:" قلت (أي بغدادي): إن أي ثورة حتى تنجح لابد من تجاوب الشعب معها، وسنة 1953 كان هذا الشرط متوافرًا، ولأننا أثبتنا أنه كان هناك فعلاً مؤامرات تدبر، وكشفنا حقيقة الزعماء السياسيين ففقد الشعب ثقته فيهم، ولكن الصورة اليوم تختلف فالقرارات الإشتراكية الأخيرة لن تظهر نتائجها إلا بعد فترة طويلة، والعمال والفلاحون غير متفهمين لفوائدها عليهم. وكثيرون من محدودي الدخل قد تأثروا من هذه القرارات لأن الكثير منهم كان يتعامل مع الطبقة ذات الدخول العالية، وهم لذلك غير متحمسين اليوم لهذه القرارات, فكيف يمكن ضمان تجاوب الشعب معنا." ,
تعليق:
طبعا لنا أن نتحفظ على مسألة أنهم أثبتوا أنه كان هناك بالفعل مؤامرات ضد النظام عام 1953, ولكن بفرض أن ذلك قد حدث, وأن الشعب تقبل منهم أن يشكلوا محكمة في ذلك الوقت كانت هي الخصم والحكم, فكان الظلم عنوان كل أحكامها, فهل يظل الشعب رهن هذه المحاكم أبد الدهر, بغدادي يرى أن الشعب قد لا يتقبل مثل هذه الإجراءات, خصوصا أنه شعر أن الشعب قد تأثر بالقرارات الاشتراكية بطريق غير مباشر, وأنه لا يضمن تجاوب الشعب معهم كما حدث من قبل, والظاهر أن بغدادي لم يكن يدرك أن الشعب هو آخر ما كان يفكر فيه (الزعيم), فالأولوية عنده لبقائه على سدة الحكم, يقول بغدادي: "قال (أي عبد الناصر): هل تعلم أن تيتو في سنة 1950 اعتقل 22.000 شخصًا أثناء أزمته مع الاتحاد السوفيتي, ولا تنس أن العمال والفلاحين والجنود والموظفين والطبقة المتوسطة كلها ستتجاوب معنا لأني سأشرح لهم في البيان الفائدة التي ستعود عليهم. ولابد لنا أن نهتم بالجنود حتى لا ينساقوا في أية عملية. والذي قضى على ثورة الشواف هم الجنود وليس عبد الكريم قاسم. وذلك لأنه اهتم بالجنود وعمل منهم لجان داخل وحدات الجيش عندما كان يتعاون مع الشيوعيين.",
تعليق:
معنى هذا بكل بساطة أن اهتمام عبد الناصر بالشعب لا يزيد عن خطاب حماسي يلقيه على مسامعه وهو يعلم كيف يؤثر على الشعب بخطاباته, والحقيقة أني لم أكن أفهم مقولة إن عبد الناصر وزع الفقر على الجميع إلا بعد أن وضحها بغدادي, فالفقراء كان لهم في أموال أصحاب الشركات والأراضي نصيب, فلما تم تأميمها حرموا مما كانوا يأخذونه من أصحابها, فالأغنياء أصبحوا فقراء, والفقراء ازدادوا فقرا, والواضح أن عبد الناصر كان مستعدا أن يعتقل الآلاف من هذا الشعب دون جريرة إلا أن يكون في ذلك إثارة الرعب بين الشعب حتى لا يفكر أحد في الثورة على النظام, عذره في ذلك أنه يتبع أسلوب تيتو ولينين وغيرهما ممن حكموا شعوبهم بالحديد والنار, إن عبد الناصر الذي كان يستهزئ بالعدو المرابط على الحدود الشرقية للبلاد في كل خطاباته لم يتخذ أي إجراء ضده إلا مزيدا من الاستهزاء والاستهانة به وبمن هم وراءه, وفي المقابل اصطنع أعداء في الداخل هم أصحاب رؤوس الأموال, لقد كان من الممكن التعامل مع هؤلاء بقوانين اقتصادية تحد من ثروتهم كأن تفرض عليهم ضرائب تصاعدية أو غير ذلك من السبل بدلا من إعلان الحرب عليهم بهذا الشكل الذي يتنافى مع كل القيم الأخلاقية والقوانين السماوية, لقد اعتقلهم وصادر أموالهم وأمم ممتلكاتهم دون أن يكون هناك مبررا لكل هذه الإجراءات, يقول بغدادي:"وفي مساء اليوم التالي (الاثنين 16 أكتوبر 1961) عرضت علينا الكشوفات بأسمائهم التي كان قد طلب إعدادها. وكانت هذه هي أول مرة يتم فيها حصر أصحاب الأراضي الزراعية ممن كانت ملكيتهم تزيد عن المائة فدان. وكذا المالكين لأسهم في الشركات والتي كانت تزيد قيمة ما يملكون منها عن عشرة آلاف جنيه. واتضح لنا من تلك الكشوفات أن الذين يملكون أكثر من مائة فدان أغلبهم من المصريين. أما أغلب أسهم الشركات فكانت في أيدي الأجانب والمتمصرين، ولا يملك المصريون منها إلا القليل. وكان واضحًا أيضًا أن الثروة القومية كانت في أيدي أفراد قلة من الأجانب وبعض عائلات إقطاعية كانت تملك الأراضي الشاسعة في عديد من المحافظات ذلك بخلاف المبالغ الضخمة قيمة ما كانت تملكه أيضًا من أسهم في الشركات. ومثلاً فرنسوا تاجر له من الأولاد القصر أربعة وكل منهم يملك ما يزيد عن نصف مليون من الجنيهات وهي قيمة الأسهم التي يملكونها وكذا زوجته. وهو متمصر وليس بمصري. وقد بدأ نشاطه في صناعة النسيج في مصر بعد قيام الثورة وبسلفة من الدولة، وكون هذه الثروة الضخمة في مدة لا تزيد عن سبع سنوات وذلك على حساب جهد العامل واستغلال المستهلك أيضًا. وهناك غيره كسباهي وباسيلي وعبود وآخرين. ولمسنا باطلاعنا على هذه الكشوفات الواقع المرير وهو أن هؤلاء الملايين من البشر في بلادنا يشقون من أجل حفنة أقلية من الناس لا يزيد عددهم عن المئات بل قل العشرات ويا ليتهم من أبناء مصر بل غالبيتهم غرباء عنها. وقد تقرر اعتقال البعض منهم أيضًا وهم من كان لهم نشاط مضاد للثورة خلال تلك الفترة. وتقرر كذلك إعادة بعض السياسيين القدامى إلى السجن وهم من الذين سبق أن حكمت عليهم محكمة الثورة وكان قد أفرج عنهم إفراجًا صحيًّا كفؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج. وبلغ عدد الذين تقرر اعتقالهم أو إعادة سجنهم حوالي ثلاثين شخصًا. وكلف زكريا محيي الدين باتخاذ إجراءات اعتقالهم. وعلى أن يتم ذلك في صباح يوم الثلاثاء 17 أكتوبر 1961, وكذا وضع الأموال والممتلكات تحت الحراسة. واتخذت تلك الإجراءات لتأمين الثورة والحفاظ على خط سيرها. وكان العامل المؤثر الأول في اتخاذها هو ما حدث في سوريا وموقف الرجعيين هناك من الانفصال. ولم نكن نشأ أن يتكرر في مصر ما حدث في سوريا.",
تعليق:
طبعا أنا لا أدافع عن الرأسماليين سواء من المصريين أو من غيرهم, ولولا العبارة الأخيرة التي وردت في هذه الفقرة من مذكرات بغدادي ما أثرت هذا الموضوع, فإن تلك العبارة تشير إلى أن سبب الاعتقال هو الخوف أن يتكرر في مصر ما حدث في سوريا, أي أن هؤلاء الذين تم اعتقالهم ووضع أموالهم تحت الحراسة لم يثبت عليهم ما يدينهم ولم يثبت تورطهم في قضية من القضايا التي تستوجب المحاسبة, بدليل أن أحدهم وهو المتمصر فرانسوا ظل يعمل سبع سنين لم يتعرض خلالها لأية مساءلة قانونية ولو كان هناك تجاوز للقانون الذي ينظم العلاقة بين الناس من جانبه فعلى السلطات المسؤولة محاكمته بما يتناسب وحجم هذا التناسب, وكذلك الآخرون أصحاب رؤوس الأموال الذين ترى السلطات المعنية أنهم تعدوا على القانون بشكل أو بآخر, مرة أخرى أنا لا أدافع عن أصحاب رؤوس الأموال ولكن الحق أحق أن يتبع, فما حدث في سوريا لا يجب إسقاطه على مصر بهذا الشكل, لقد كلف زكريا محيي الدين باعتقالهم في اليوم التالي (الثلاثاء 17 أكتوبر 1961), أي أن الاعتقال تم دون محاكمة أو حتى دون توجيه اتهام بارتكاب جرم معين, فكل ذنبهم أنهم أصحاب رؤوس أموال ونظراؤهم في سوريا هم من أفشلوا الوحدة. هكذا كان يعتقل الأبرياء وهكذا كانت تغتصب الحقوق وهكذا كانت تحكم مصر, هل من الممكن أن تسير هذه الطريقة في الحكم بالبلد فى الاتجاه الصحيح, إن الناصريين الجدد يتشدقون بأن عبد الناصر كان السبب في تعليم أبناء الفقراء, وهم لا يعلمون أن ترويج هذه الفرية كان جزءا من حملة التضليل الإعلامي التي تعرض لها الشعب المصري إبان سنوات حكم عبد الناصر ومازالت آثارها حتى اليوم وسوف نفندها في حينها, يقول بغدادي:"وقرأ علينا جمال تحليله لمجتمعنا والصراع الطبقي فيه، وقتال الرجعية في سبيل مصيرها، ويساندها في هذا القتال قوى الاستعمار. كما أشار إلى أهمية إيجاد تعصب من العمال والفلاحين والجنود والبرجوازية الوطنية والمثقفين ضد الرجعيين والانتهازيين والمستغلين. وذكر أن هذا التعصب كان متوافرًا أثناء مرحلة الثورة السياسية. وكان واضحًا أيضًا في أثناء الصراع مع الإنجليز لإجلائهم عن البلاد، وكذلك عندما أممت قناة السويس. وتكلمت (أي بغدادي) عن أن هذا التعصب الذي أشار إليه جمال قد توفر في ذلك الوقت لأنه كان ضد قوى خارجية، ولأنها عملية واضحة وملموسة. وأما توفر هذا التعصب من تلك الفئات التي ذكرها للثورة الإشتراكية فإنه يتطلب وعيًا وإيمانًا بالأهداف الإشتراكية وتفهما للمكاسب التي ستعود عليهم منها. وهذا يحتاج إلى تنظيم وتدريب ونشر الروح الإشتراكية بينهم. ورد جمال على ذلك بقوله أن المعركة القادمة ستكون مع القوى الرجعية في المنطقة مع سعود وحسين ودمشق. وستكون معركة أيدولوجية. وهذا التعصب سيتواجد كنتيجة من نتائج هذه المعركة. ولابد من قيام التنظيم وإعداد القادة المؤمنة وتدريبهم. وأن يعمل على تفهيم العمال والفلاحين والجنود المكاسب التي ستتحقق لهم. أما البرجوازية الوطنية فهي ستظل في تأرجح مستمر نحو البرجوازية الكبيرة أو نحو الاشتراكية. وهي كالاحتياطي، والرجعية تستخدمها الآن لتحقيق أغراضها، ويجب علينا أن نعمل على دفعها إلى اتجاهنا للتحالف مع طبقة العمال والفلاحين.",
تعليق:
لن ندخل في تفاصيل هذه النظريات التي حكم عبد الناصر بها مصر ولكن فقط أردت أن أبين أن تلك النظريات كانت تقوم على وجود أعداء وهميين في الداخل والخارج يختلقهم عبد الناصر اختلاقا, ويختلق معارك يخوضها ضدهم من خلال تنظيمات يلصق بها صفة الثورية ليعطيها بريقا يبهر المجتمع ويضفي عليها نوعا من القداسة, وهي في الحقيقة تشكل دوائر تحيط بنظام الحكم يضمن ولاءها له وتكون بمثابة خطوط حماية للنظام تزيد من قبضته على السلطة وإحكام سيطرته على البلاد. فالنظام الديكتاتوري دائما يعيش في خوف من الشعب لأنه يدرك تماما أنه نظام غير شرعي لا يستند على مؤزارة الشعب له, ولهذا لا يستطيع أن يحكم من خلال تنظيمات تعبر عن الشعب تعبيرا حقيقيا, ولكن من خلال تنظيمات يشكلها هو ليضمن أنها لن تنقلب عليه يوما. أيضا يختلق أعداء من خارج البلاد كالملك حسين والملك سعود وحاكم سوريا الذي أفشل الوحدة, هؤلاء في أوطانهم لا يعنيهم عبد الناصر في شيء, ولكنهم عند عبد الناصر يمثلون (الرجعية) التي عاش عمره يخافها ويرتعد لذكرها, ويصور معارك وهمية يخوضها ضدها, ولا يذهب ضحية هذه المعارك الوهمية إلا من يراهم في مصر يمثلونها وهم الرأسماليون الذين لم يكتف بتأميم ممتلكاتهم فاعتقلهم وبطشت بهم زبانيته في المعتقلات, يقول بغدادي:" وسأله زكريا عما يقصد بتحالف العمال والفلاحين مع طبقة البرجوازيين الوطنيين. ورد عليه جمال بقوله أحسن تسأل ما الفرق بين هذا الوضع والشيوعية؟ هذا ما تقصده. وأمّن زكريا على كلامه. وأجابه جمال بأنه في الشيوعية الدولة فيها تمتلك كل شيء، وكل الأفراد أجراء عندها. أما نظامنا فيسمح بالملكية الخاصة ولكن في حدود. وهي الملكية التي لا تستخدم في الاستغلال. والقصد بالتحالف هو التعاون مع البرجوازية مع عدم إعطائها فرصة تولي الحكم. وانتقل بنا النقاش بعد ذلك إلى التنظيم الذي سنواجه به الموقف. وقال جمال: نبدأ الخطوة الأولى بتكوين اللجنة المركزية. وعلى أن يكون عددها ما بين خمسين ومائة عضو. وأن يكون جميع الوزراء من ضمن أعضائها. وعلى أن يتبعها ثلاث لجان رئيسية: اللجنة السياسية, ولجنة التنظيم, والمكتب الفني، ويكون لها سكرتارية فنية، ويجب أن يتفرغ عدد كبير من أعضاء هذه اللجان الثلاث الرئيسية. وذكر أن ستالين كان رئيسًا لكل لجنة من هذه اللجان الثلاث.",
تعليق:
أعتقد أن هذا الكلام في غير حاجة إلى تعليق, فعبد الناصر وضع تصورا لنظام حكم قريب من الشيوعية ولكن لا يصل إلى حد الوصول إلى الحكم, فهذا ما لا يقع في تصور عبد الناصر أن يحدث. وبالفعل بُدئ في التنفيذ وتشكلت اللجان التي أشار إليها عبد الناصر, واستمر النظام في اعتقال من يشتبه في قيامهم بأي عمل ضد نظام الحكم, أو من يتصور أنه من الممكن أن يقوموا بأي عمل ضد النظام ولو بعد حين, يقول بغدادي:" أما التنظيم السياسي الجديد فيجب أن يعد ويستكمل في خلال نفس الفترة استعدادًا لخوض انتخابات مجلس الأمة. ودارت مناقشة أيضًا حول وضع ممتلكات بعض الرجعيين تحت الحراسة خاصة الإقطاعيين منهم ممن طبق عليهم قانون الإصلاح الزراعي لسنة 1952 وذلك بغرض سلبهم أسلحتهم. وأن ينظر كذلك في أمر بعض العناصر المعادية النشطة حتى لو تتطلب الأمر اعتقالهم. واقترح جمال في النهاية أن نسمي اللجنة العليا للتنظيم السياسي باللجنة العليا الثورية, وبرر ذلك بأنه يرغب في أن يشعر المواطنين بأن الثورة قائمة ومستمرة.",
تعليق:
طبعا بعد القضاء على الأحزاب كان أعضاء مجلس الأمة الذي يمثل السلطة التشريعية لا ينتمون إلى أية تنظيمات سياسية, فأراد عبد الناصر أن يتم تشكيل تنظيم سياسي جديد يكون ولاؤه للنظام يخوض به انتخابات مجلس الأمة ليضمن ولاء أغلبية أعضائه, ويصبح مجلس الأمة طوع أمر النظام الحاكم لا يحاسبه ولا يراقبه ويوافق على أية قوانين تقدم إليه من قبل النظام, وبهذا تتم السيطرة على السلطة التشريعية, أما السلطة القضائية فلا تعترض النظام على أية حال من الأحوال, لأن القوانين التي تسير عليها السلطة التنفيذية هي من صميم أعمال السلطة التشريعة وكلتا السلطتين في يد عبد الناصر, وهذا هو الحكم الشمولي الذي سيطر على مقدرات البلاد والعباد, وسار بها في الاتجاه الذي يريده رأس النظام لا الذي يريده الشعب, أو بتعبير أدق لا الذي يريده من يجب أن يستشاروا من أبناء الشعب, وأقصد بهم العلماء المتخصصين في المجالات المختلفة الذين من المفترض أن يقوم على عاتقهم تقدم الأمة وازدهارها, ولكن للأسف الشديد هؤلاء إما أنه قد تم تهميشهم أو تم اعتقالهم, وأصبحت كلمة الزعيم هي الأولى وهي الأخيرة ولا صوت يعلو على صوت النظام الحاكم. في ذلك الوقت تم صدور ما كان يسمى بالميثاق الوطني وهو عبارة عن نشرة تضمنت خطة عبد الناصر في السنوات المقبلة حتى عام 1970, وكأنه كان يعرف أن باق في السلطة حتى ذلك التاريخ, وأنه أيضا سيفارق الحياة في ذلك التاريخ, كما تم تكوين التنظيم السياسي الجديد الذي اقترحه عبد الناصر وأطلق عليه اسم مؤتمر قوى الشعب الوطنية وحدد موعدا لمناقشة الميثاق وإقراره، بدلا من اللجنة المركزية, وقد صدر في مايو 1962, يقول بغدادي:" وكان المؤتمر قد أقر الميثاق. كما أقر أيضًا تقرير لجنة المائة المنبثقة من المؤتمر. وقد اعتبر المؤتمر هذا التقرير جزءًا مكملاً للميثاق نفسه. وبدأت بذلك مرحلة جديدة من مراحل الثورة حدد الميثاق معالمها، وأصبحت القيادة السياسية ملتزمة بما جاء فيه حتى عام 1970، إلا إذا رأت التنظيمات الشعبية غير ذلك. وهي صاحبة الأمر في هذا دون غيرها من القيادات، وقد نص عنه في الميثاق نفسه الذي أقره الشعب."
تعليق:
هذا ما جاء باختصار شديد في مذكرات عبد اللطيف بغدادي التي تضمنت تفاصيل أكثر عن هذه التنظيمات والتي لا أرى لإثباتها هنا ضرورة, وإنما أردت فقط أن أبين كيف وضع عبد الناصر الأسس للحكم الشمولي وكيف تطورت هذه الأسس لكي تكون لعبد الناصر الكلمة الأولى والأخيرة في الحكم دون محاسبة أو مراجعة. صاحب هذه الإجراءات تغييرات كثيرة في القيادات فاستبعد منهم من استبعد واستقال منهم من استقال حتى لم يبق مع عبد الناصر إلا عدد قليل من أعضاء مجلس قيادة الثورة, وكان ذلك نتيجة حتمية للخلافات التي دبت بين عبد الناصر وبعض هذه القيادات, وكانوا ثلاثة عشر عضوا, والغريب أن أكثر تلك الخلافات حدة كانت بين عبد الناصر وعبد الحكيم وانتهت باستمرار عبد الحكيم في موقعه كقائد للجيش, وقد بدأت بذور الخلاف بين عبد الناصر وعبد الحكيم تظهر على السطح بعد حرب السويس عام 1956, يقول بغدادي:"وكان واضحًا للبعض من أعضاء مجلس قيادة الثورة أن ترشيح جمال لعبد الحكيم بتولي هذا المنصب لم يكن أساسًا إلا لغرض سياسي حتى يضمن بذلك أن تصبح القوة السياسية إلى جانبه عن طريق مساندة الجيش له دون باقي مجلس قيادة الثورة. وكان عبد الحكيم هو أصلح من يحقق له هذا الهدف بحكم الصداقة والثقة المتبادلة بينهما وقد تحقق هدف جمال. ولكن مع مرور الوقت ومواجهة المشاكل السياسية والعسكرية المتعددة وما يصاحبها عادة من تصادم أو خلاف فقد تأثرت تلك الصداقة واهتزت الثقة التي كانت متوافرة بينهما. وكانت حرب السويس وأحداثها والتصرفات الخاطئة أثنائها من بعض القادة العسكريين هي بداية اهتزاز تلك الثقة. ذلك أن الأمر كان يتطلب بالضرورة بعد ارتكاب تلك الأخطاء العمل على تغيير هذه القيادات ونقلها بعيدًا عن الجيش. ولكن عبد الحكيم كان قد أصر على التمسك بهم مع استمرارهم في مواقفهم رغم أخطائهم. ولم يحاول جمال من جانبه التصرف بعد هذا الموقف المتشدد من عبد الحكيم. واستمر عبد الحكيم يقود الجيش. وكانت قوته تزداد فيه يومًا بعد يوم ذلك بتعيينه قيادات الوحدات المختلفة من بين الضباط الذين يضمن ولاءهم له شخصيًّا. وكذلك عن طريق المساعدات والخدمات التي يقدمها أيضًا لبعض ضباط الجيش. كما أنه عمل كذلك على تعيين الكثيرين منهم في أجهزة الدولة المدنية. وكان هذا كله بعلم وموافقة جمال."
تعليق:
أعتقد أن العلاقة غير الطبيعية التي كانت بين عبد الناصر وعبد الحكيم من الأسباب الرئيسة لما آلت إليه الأمور في يونيو عام 1967, وأقصد بها تداخل المصالح الشخصية بينهما على حساب مصلحة الأمة, فمما لا شك فيه أن تعيين عبد الحكيم عامر قائدا للجيش وهو برتبة صاغ كان قائما على الثقة وليس على الكفاءة, وقد أدى ذلك إلى خسارة الجيش لقيادات كثيرة كانوا ذوي كفاءة عالية اضطروا إلى تقديم استقالاتهم بسبب هذا التعيين كما رأينا من قبل, وكان لابد أن يؤدي ما حدث في حرب السويس 1956, من اهتزاز للثقة في كفاءة عبد الحكيم في قيادة الجيش إلى عزله من منصبه, وليس إبعاد بعض القادة كما يقول بغدادي, ولكن يبدو أن العلاقة بين عبد الناصر وعبد الحكيم كانت أقوى من أن تتأثر بما حدث, وكانت عند كليهما أهم من مصلحة الأمة, فلا القادة الذين تسببوا فيما حدث حوكموا ولا أبعدوا عن الجيش ولا عبد الحكيم نفسه عزل, ربما يرجع ذلك إلى أن القيادة العليا لم تعترف بالهزيمة, وإنما صدقت نفسها وبما روج له إعلامها بأن ما حدث كان انتصارا أحرزته مصر على ثلاث دول, ولو اعترفت القيادة بالهزيمة العسكرية على نحو ما بينا آنفا لكان عبد الناصر هو أول من يتم عزله من منصبه ومحاكمته على ما تسبب في حدوثه. ولكن لأن عبد الناصر استمر في منصبه استمر عبد الحكيم في منصبه, واستمر القادة من أمثال محمد صدقي محمود في مناصبهم, بل تمت ترقيتهم إلى مناصب أعلى. ويرجع عبد اللطيف بغدادي ذلك إلى إصرار عبد الحكيم على عدم إبعادهم خارج الجيش كما طالب البعض بذلك, وبالطبع كان ذلك مؤشرا على ازدياد قوة عبد الحكيم ونفوذه في الجيش. وهذا في حد ذاته دليل قاطع أن المصالح الشخصية كانت تعلو على مصلحة الأمة في ذلك الوقت, وقد تكرر اهتزاز الثقة في كفاء عبد الحكيم مرة ثانية بعد الانفصال وانهيار الوحدة بين مصر وسوريا وما أصاب عبد الحكيم جراء ذلك, يقول بغدادي:" ومع مضي الوقت بعد حرب السويس كانت العلاقة بينهما (أي بين عبد الناصر وعبد الحكيم) قد عادت إلى ما كانت عليه في السابق. ولم يكن هناك ما يعكر صفوها إلى أن وقع الانقلاب العسكري في سوريا يوم 28سبتمبر 1961 والذي أدى إلى انفصالها عن الجمهورية العربية المتحدة. وكان الرأي بعد الانفصال أن يبعد عبد الحكيم عن قيادة الجيش. وهو نفسه قد طلب اتخاذ هذه الخطوة. ولكنه عاد وتمسك بضرورة استمراره قائدًا عامًا. وكان له ما أراد. ولم يأخذ جمال منه موقفًا أيضًا. ولكن هذا لم يمنع من أن يدب الخلاف بينهما ثانية وبصورة أشد عنفًا من المرات السابقة حتى وصل بهما إلى درجة الشك واعتقاد كل منهما أن الآخر يهدف إلى التخلص منه أو أنه يعمل على إضعاف قوته السياسية على الأقل, ومما لا ريب فيه أن مثل هذه الشكوك يكون لها تأثيرها على تفكير وتصرفات كل منهما والذي بدوره أيضًا يؤثر على خط سير الثورة ويبطئ من عجلة اندفاعها نحو أهدافها.", ثم يروي عبد اللطيف بغدادي بعد ذلك قصة اكتشاف عبد الناصر لتنظيم سري داخل القوات المسلحة يعمل لحساب عبد الحكيم عامر كان يهدف إلى الإطاحة به وتولية عبد الحكيم بدلا منه, وقد أبلغ عن هذا التنظيم يوزباشي يدعى حسن رفعت كان قد انشق عن التنظيم لما علم بأهدافه ومن منطلق حرصه على وجود عبد الناصر على رأس السلطة قام بإبلاغه بما يدور في اجتماعات اللجنة التأسيسية للتنظيم وكان هو أحد أعضائها, وما دفعه للانشقاق عن التنظيم ما دار في أحد الاجتماعات من حديث حول الوضع القائم في مصر والفساد فيها والانتهازية والاستغلال. وقد لاحظ أن ما يدور في اجتماعات التنظيم من مناقشات أصبح كله مركزا حول عبد الناصر, ومن أنه مريض, وينفرد في اتخاذ القرارات دون أن يشرك أحدًا معه فيها. وأنه متعصب لرأيه ولا يحب أن يناقشه أحد ومن أنه سيخرب البلد على حد قولهم, وأنه لن يقضي على هذا الفساد المنتشر إلا إذا تخلصوا منه.
تعليق:
لا يهمنا هنا تفاصيل هذه المؤامرة إذا صح هذا التعبير, ولكن يهمنا أن نبين إلى أي حد من العداء وصلت العلاقة بين عبد الناصر وعبد الحكيم مع بداية عام 1962, وأيضا نبين نفوذ عبد الحكيم عامر في مؤسسة الجيش وأنه كان يحرص على ألا يتم تعيين أحد إلا بموافقته, وكأن هناك دولتين على حد تعبير عبد الناصر, يذكر أن عبد الناصر تعامل مع هذا التنظيم بطريقته المعروفة وهي الاعتقالات, يقول بغدادي :" وعلمت منه يوم 28 يناير 1962 بعد اجتماع مجلس الوزراء أنه أحال إلى المعاش خمسة وعشرون ضابطًا من المتصلين بموضوع داوود عويس المتهم بإرسال منشورات سرية باسم الضباط الأحرار. كما أنه أمر كذلك بإلقاء القبض على اليوزباشي حسن رفعت. وطلب من صلاح نصر وشمس بدران القيام باستجوابه. وقد أخبرهما حسن رفعت عند استجوابه أنه كان يعد العدة لعمل انقلاب مضاد لجمال عبد الناصر لانحرافه واتجاههه إلى الشيوعية على حد قوله. كما اعترف لهما أيضًا أنه أبلغ البلتاجي عن التنظيم وأهدافه في نوفمبر 1961، وطلب منه أن يسهل له مقابلة عبد الحكيم ليقنعه بأن يتولى الأمر بعد إتمام الانقلاب. وكان البلتاجي قد طلب منه عندما أبلغه ذلك التزام الهدوء مؤقتا وبحجة أن الجو فيه بلبلة على حد قوله, وطلب جمال من كمال الدين حسين استدعاء البلتاجي وسؤاله فيما ذكره حسن رفعت بعد أن اعتذر صلاح نصر وشمس بدران عن القيام بهذه المهمة لصداقتهما به.", وقد نفى عبد الحكيم علمه بهذا التنظيم ولم تتأثر علاقته بعبد الناصر, مع أن هذا التنظيم لم يكن السبب الوحيد لاهتزاز الثقة بينهما, فقد صرح عبد الناصر أن عبد الحكيم كان يعمل على وضعه في مأزق فيطلب تقديم استقالته حتى إذا وافق عليها عبد الناصر فوجئ بجموع الضباط في الجيش يطالبون بعودته, تماما كما حدث مع محمد نجيب في فبراير 1954, يقول عبد اللطيف بغدادي:" وحاولت أن أبعد الشك عن جمال الذي أحسست به من حديثه عن عبد الحكيم فأكدت له إخلاصه وأن الصالح العام يهمه، واستبعدت أن يفكر عبد الحكيم في الاستقالة ويصر عليها بغرض دفع الجيش إلى التدخل وإعادته إلى منصبه لأنه يعلم مدى الضرر البليغ الذي سيقع على البلاد إن حدث هذا فقال جمال: لو حدث هذا فأنا لابد أن أروح لأن الجيش يصبح هو الذي يحكم. وأنت لا تعرف عبد الحكيم. إن أخلاقه قبلية. وهو قد جرح. ولن ينسى أنني قلت له يمشي ويترك القيادة. وأنت تذكر ليلة أن كنا مجتمعين هنا في منزلي وأُبلغ عبد الحكيم أن هناك بعضًا من الضباط مجتمعين في إحدى الوحدات، وأن الوحدة معدة للتحرك, هل لاحظت كيف كانت يده ترتعش. إن أعصابه تعبانة وأصبح غير قادر على القيادة. ثم استطرد قائلا: بعد هذا الحادث بيوم كان الجيش كله يعلم بالقصة وكان فضيحة لأنه أرسل عدة لواءات واحدًا وراء الآخر لاستطلاع الأمر. ولما ذهبوا إلى هناك لم يجدوا شيئًا, ثم قال: إن أنور السادات يقول وكنت قد تحدثت معه عن كلام عبد الحكيم لكمال أنه لاحظ من فترة أن أعصاب عبد الحكيم تعبانة، وأنه لابد أن يترك الجيش خوفًا من أن يحدث له انهيار". ,
تعليق:
لست أدري ماذا يقصد السادات بكلمة (له), هل يقصد انهيار أعصاب عبد الحكيم أم انهيار الجيش, على أية حال هذا ما قيل وهذا ما حدث, ومع كل ما قيل وكل ما حدث لم يبعد عبد الحكيم عن الجيش وظل في منصبه إلى أن قتل أو انتحر كما قالوا في أعقاب كارثة يونيو. يقول عبد اللطيف بغدادي:" وجاء في يومياتي أيضًا تعقيبًا على هذا الحديث الذي جرى (حديث عبد الناصر بخصوص عبد الحكيم)، لقد وضح لي من حديث جمال أنه قلق ويخشى أن يقدم عبد الحكيم على عمل يضعه ويضعنا معه في مأزق يضار به الصالح العام. وهو يود أن يبعده عن الجيش، وعلى أن يكون ذلك بموافقة جميع الإخوان. ولكن أغلبهم قد تعلم من الماضي، ذلك لأن جمال غالبًا ما ينتهي في مثل هذه الأمور من الخلافات مع عبد الحكيم إلى اتفاق معه وبتنازلات منه أيضًا لإرضائه. وقد تكرر هذا في الماضي وليس من المستبعد أن يحدث ذلك ثانية. وفي يوم الجمعة 12 يناير 1962 اجتمعت مع أنور وزكريا وحضر حسين الشافعي عندما علم بوجودنا في منزل زكريا. ودارت بيننا المناقشة حول ما ذكره جمال لنا، وعن الوضع في الجيش، والحلول التي نراها لإصلاح الأمر فيه. وخلصنا إلى أن الوضع في الجيش غير مستقر ولا مستتب. وأن ذلك ناتج عن تصرفات بعض الضباط فيه المتصلين بعبد الحكيم. ولابد من عمل تغيير في قياداته رغم موقف عبد الحكيم منها وتمسكه بهم وعدم استعداده لتنفيذ ما كان قد تم الاتفاق عليه. كما وأن الثقة بين جمال وبينه قد أصابها كثير من الاهتزاز. وإن استمرت تلك الأوضاع على هذه الصورة فسيترتب عنها ازدياد الموقف سوءًا وربما يؤدي في النهاية إلى كارثة تؤثر على مستقبل البلاد."
تعليق:
أنا هنا لا أعرض للخلافات التي وقعت بين عبد الناصر وعبد الحكيم بشكل تفصيلي فقط أشير إلى أن خلافات حادة كانت موجودة بين القيادة العليا للجيش متمثلة في عبد الناصر والقيادة العامة متمثلة في عبد الحكيم, وأن مؤامرات كانت تحاك للتخلص من أحدهما أو كليهما, وأن الوضع كان ينذر بكارثة لأن مصلحة البلاد العليا لم تكن في حسبان أي منهما, في الوقت الذي يرابط فيه عدو لنا على الحدود الشرقية للبلاد, وخطابات عبد الناصر لا تكاد تخلو من تهديد ووعيد لهذا العدو ولمن هم وراءه, ولم يكن وراءه إلا القوى العظمى في العالم, وهذا ما قد يبدو عجيبا ولكن أعجب منه مشاركة مصر في حرب اليمن في ذلك الوقت وفي تلك الظروف, أما ما يثير الانتباه في مذكرات عبد اللطيف بغدادي أنه تحدث وأفاض في الحديث عن الخلافات التي طرأت بين عبد الناصر وعبد الحكيم ثم بين عبد الناصر وكمال الدين حسين ثم بينه هو شخصيا وبين عبد الناصر, بينما لم يتحدث عن مشاركة مصر في حرب اليمن إلا بالإشارة إلى ما كانت تتطلبه العمليات العسكرية في اليمن من اعتمادات جديدة في الأيام الأخيرة من عام 1962, العام الذي بدأت فيه مشاركة مصر في الحرب, فهل غطت أخبار تلك الخلافات التي نشبت بين أعضاء مجلس قيادة الثورة على أخبار حرب اليمن حتى أن بغدادي لم يتحدث عنها إلا بشكل عابر؟ ربما..! الحقيقة أن تلك الخلافات تحتاج إلى مد بساط البحث والتحقيق, وهذا ليس مكانه هنا وسأكتفي بما تحدثت عنه من خلافات بين عبد الناصر وعبد الحكيم استمرت إلى الأشهر الأخيرة من عام 1962, وانتهت باستمرار عبد الحكيم في منصبه كقائد عام للقوت المسلحة, ثم تقلد مناصب أخرى تعطيه صلاحيات أوسع منحه إياها عبد الناصر نفسه برغم اعتراض باقي أعضاء مجلس قيادة الثورة مما أثار بعض الاحتجاجات والتذمر عند بعضهم, ثم نشأت خلافات أخرى بين عبد الناصر وعبد الحكيم انتهت بتنازلات أخرى قدمها له عبد الناصر, يقول بغدادي: "جاء هذا الخلاف الجديد في نوفمبر عام 1962, بعد شهرين فقط من الخلاف السابق. وانتهى أيضًا بتنازلات من جمال كالمرات السابقة تمامًا. ولكنه كان في هذه المرة على حساب مجلس الرئاسة. الأمر الذي تسبب في إضعافه كقيادة جماعية وأضر به. وكنت قد قررت على أثر ذلك الانسحاب من الحياة العامة. ورأيت أن أتخذ هذه الخطوة عند قيام مجلس الأمة الجديد في يوليو 1963، ولكن موعد قيامه كان قد تأجل إلى فبراير من العام التالي ثم إلى مارس 1964، وذلك حتى يتم تشكيل الإتحاد الإشتراكي العربي. واضطررت أن أتحمل تلك الفترة الزائدة عن يوليو 1963, وتم انسحابي من الحياة العامة وكذا كمال الدين حسين في مارس 1964, وكنت قد أرسلت خطابًا إلى جمال عبد الناصر أبلغه فيه استقالتي وأسبابها. وجاء رده على هذه الخطوة متى باتخاذ بعض الإجراءات التعسفية معي ومع أسرتي. وسيأتي ذكر ذلك في موقعه التاريخي من الأحداث.",
تعليق:
بهذه الفقرة أنهي حديثي عن الخلافات والصراعات التي ظلت قائمة بين أعضاء مجلس قيادة الثورة لعدة أعوام أعقبت انهيار الوحدة بين مصر وسوريا, وقد أفرد عبد اللطيف بغدادي لهذه الخلافات فصلين من مذكراته, أعتقد أنهما في حاجة إلى تدقيق وتمحيص على ضوء ما حدث في ذلك الوقت وما كان بمثابة تمهيد لوقوع أكبر كارثة حلت بالأمة العربية وهي كارثة يونيو 1967,

--------------
شبكة فلسطين
 

د/محمود السيد الفخراني
السبت 13 يناير 2018


           

سياسة | ذاكرة السياسة | عاربة ومستعربة | حديث الساعة | ثقافة | فنون | عيون المقالات | حوارات | مجتمع | رياضة | علوم وتقنيات | إعلام | تحقيقات | منوعات | سياحة | أقمار ونجوم | أروقة التراث