يُوجَّه النقد بشدّة إلى تاريخ الثورة السورية وفاعليها وناشطيها وتحوّلاتهم، لكن ما لا يزال خجولاً هو الإشارة إلى التواطؤات التي شارك فيها كثيرون: تواطؤٌ على تجاهل أخطاء كثيرة، وترسيخ “حقائق” هشّة في سبيل إسقاط الأسد
لا يقتصر الاختلاف على تاريخ اندلاع الثورة السورية ضدّ بشّار الأسد بين يومي (15 أو 18 آذار/مارس)، أي تاريخ خروج التظاهرات إلى الشارع، بل يمتدّ إلى تحديد العلامات الأولى لمواجهة نظام الأسدين. إذ تتنازع أطراف مسلّحة ومدنية، بعد سقوط النظام، على امتلاك “الأصل” ولحظة قول “لا” في وجه “خراس ولاك!”. بعد سقوط الأسد، اتضحت هذه التيارات التي تحاول رفد لحظة 2011. فئة تقول إن البداية كانت مع تمرّد “الطليعة المقاتلة” في الثمانينات، وآخرون يرون أن الأمر بدأ مع “ربيع دمشق” عام 2000، فيما ترى فئة أخرى، أو “جيل الثورة”، أنها بدأت عام 2011 مع تظاهرات دمشق ودرعا. كل هؤلاء لم تنتصر “ثورتهم” على الأسد! هناك فئة أخرى، تلك التي” انتصرت” وتطلق على نفسها اسم “الصيدناويين” حسب تعبير حسن صوفان، أحد قادة استعصاء صيدنايا عام 2008، وعضو لجنة السلم الأهلي حالياً، الذي أكد أن “سجن صيدنايا هو أول ثورة سورية ضد نظام الأسد، وكانت ركيزة لإسقاطه”، وأضاف : “أول بقعة تحررت من النظام السوري، هي سجن صيدنايا، المبنى الأحمر بأكمله، ومبنى الإدارة”، يقول لاحقاً: “نحن أول تحرير صار في سوريا، وأول ثورة صارت في سوريا، هي ثورة سجن صيدنايا”. هؤلاء، “النزلاء السابقون” في “المسلخ البشري”، إلى جانب أمجد مظفّر، أو أبو محمد الجولاني، أو أحمد الشرع، “النزيل” السابق في السجون الأميركية في العراق، انتصروا…! فـ”ثورتهم” تختلف عن كل ما سبق من جدل، وقد قالها أحمد الشرع علناً: إنه ليس امتداداً للإخوان المسلمين، ولا للثورة السورية، ولا للمنتديات البرجوازية في دمشق وحلب. وبعد سقوط النظام، حصلت تآلفات الميليشيات في وزارة الدفاع، وهبط أحمد الشرع إلى قصرٍ مزخرف، قدّمت فيه أطياف المعارضة السورية فروض الطاعة في صورة جماعية.
تاريخ مختصر جداً لـ”ثورة أحمد الشرع”
بعد هروب بشار الأسد، أعاد الكثيرون النظر في “تاريخ الثورة” كمرجعية لما يحصل “الآن”، ومحاولة رصد “صورة النصر”: هل هي تحطيم أبواب صيدنايا؟ أم تحوّل أبو عمشة إلى قائد عسكري؟ أم أحمد الشرع يرتدي البذلة ويصافح دونالد ترامب؟ صورٌ متعددة تحاول كل فئة من “المهزومين” إلحاق نفسها بها، لكن حكاية الثورة لم تعد ملك “الجميع”، بل هي تتمأسس وتتحوّل إلى خطاب. حسين الشرع، الذي تحوّل فجأة إلى مفكّر سوري عريق، ووالد أحمد الشرع، يلخّص الثورة السورية في كتابه “ذاكرة الأسماء – 2026” قائلاً: “تُعدّ الثورة الشعبية السورية المنظّمة أول ثورة في تاريخ سوريا لا تعتمد البيان رقم 1، ولا تُنشئ مجلساً لقيادة الثورة، ولا تعتمد نظام الترقيات العسكرية السريعة إلى رتب عليا”.
ينزع الشرع الوالد الصفة الانقلابية عن “النزاع المسلح”، ويتجاهل خروج البيان رقم 1 من بناء التلفزيون السوري كما تجاهله الكثيرون، ويتجاهل حفل النصر الذي رقّي فيه قادة الفصائل وتسلموا رتباً عسكرياً. تاريخ جديد يكتب ويصوّر وينتج بدعم “خليجي” لم يتوقف منذ أيام جبهة النصرة إلى الآن، والتي نظّر باحثون “أجانب” لتحولّها أيضاً في إدلب إلى “حكومة الإنقاذ”!. ترجمة هذه “الحكاية” واقعياً يتضح في تأمل مناصب “رفاق الدرب” وإهمال المنشقين من العسكريين والفاعلين في الشأن السوري ضمن مفاصل الحكومة الجديدة، أي تفعيل الولاءات الشخصية على حساب الكفاءة، العبارة المبتذلة التي لم يعد لها معنى، بل وقاربت بلاغة “البعث” في تجويفها.
“النقد الذاتي بعد الهزيمة”
أعاد كثر من “المهزومين” النظر في ثورة 2011، وبدأت أطياف الماضي تحضر في النقاش العام وتُطرد على حساب “الانتصار”، أسئلة لا بد من طرحها بدأت بنفي الثورة السورية نفسها كمرجعية قيمية وأخلاقية، واعترف البعض بالتلاعب بصور التظاهرات وإخفاء راية التوحيد والعقاب في الكوادر، كما طرحت أسئلة حول نفي الوطنية السورية نفسها وإعادة النظر في “الكيان السوري” وكيف تجمعت شعوبه ورسمت حدوده. يُوجَّه النقد بشدّة إلى تاريخ الثورة السورية وفاعليها وناشطيها وتحوّلاتهم، لكن ما لا يزال خجولاً هو الإشارة إلى التواطؤات التي شارك فيها كثيرون: تواطؤٌ على تجاهل أخطاء كثيرة، وترسيخ “حقائق” هشّة في سبيل إسقاط الأسد. واحدة من هذه الأسئلة الخجولة حول حقيقة مفادها: “المسجد هو المكان الوحيد الذي يحق فيه للسوريين التجمع” أو الالتباس حول ما حصل مع أطفال درعا وحقيقة تقليع أظافرهم. كذلك، بدأت أسئلة سابقة تظهر حول “القاشوش” كنموذج على التباس الموت والحياة وأثره على “سردية الثورة”، وعادت أغانٍ كـ”بالذبح جيناكم” إلى الواجهة بعد مجازر العلويين والدروز بوصفها علامات أهملها البعض، حتى الساروت نفسه أيضاً أصبح محط سؤال بعد المجازر التي شهدها كل من الساحل والسويداء بعد سقوط الأسد، وطرح سؤال: هل ما زالت تكفي الحجج التقليدية لتبرير مبايعة الساروت لداعش؟ إعادة النظر هذه كشفت عجز “الثورة” عن جمع السوريين، خصوصاً أن معارك الكثيرين لم تكن فقط مع النظام، بل مع الفصائل المسلحة المتشددة نفسها، تلك التي غُسلت جرائمها وتم تجاهلها شعبياً ورسمياً، العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة تقتصر فقط على جرائم الأسد بصورة فردية، لا كل من حمل السلاح وقطع الرؤوس ووضع الناس في أقفاص.
كيف تضيّع جريمة ضد الإنسانية أمام أعين “الجميع”
شهدت سوريا جريمتين ضدّ الإنسانية على الأقل، وهما قضية “لافارج” والسبي الأيزيدي، وبشار الأسد متّهم بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية. إلا أنه في سوريا، تؤكّد الحكومة الجديدة، ووزارة العدل خصوصاً، التقاضي الفردي، ومحاكمة “أفراد” لا منظومات أو مؤسسات، أي وكأن تقتيل السوريين كان يتم بقرارات فردية ارتجالية، كأي جريمة قتل جنائية أو سوء سلوك مسلكي أشار أسامة عثمان، المدير التنفيذي في منظمة ملفات قيصر من أجل العدالة، في اللقاءات التي بثت معه أخيراً، أن “قضية قيصر”، ليست فقط شأناً سياسياً- اقتصادياً، نحن أمام جريمة ضد الإنسانية، ولا يمكن اختزالها بعقوبات ورفعها. مأساة سوريا الجوهرية، هي أننا أمام جريمة تمس كل البشر، “أم الجرائم”، هناك سياق تقاضٍ قانوني يتم إهماله، سواء عمداً أو سهواً، هناك إصرار على عدم إنشاء قوانين ومحاكم خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والاكتفاء بالادعاء الشخصيّ. الموقف الرسمي يلخَص بـ: لا حساب للمنظومة الأسدية أو الشركاء المحليين والدوليين للأسد، وتجاهل ما يترتب عليهم من تعويضات وحق للضحايا، وهنا التناقض المريع، الجريمة ضد الإنسانية لا تنتهي برفع عقوبات، وإدانتها جهد دولي ومحلي وقانوني، الدولة نفسها بمؤسساتها تصبح قائمة على أساس المحاسبة ومنع التكرار، أي أن ترتقي الدولة وتأسيسها إلى مستوى الفاجعة التي تمس جوهرنا الإنساني. جرائم الأسد “لا تُنسى، ولا تسقط بالتقادم”، والأهم: “لا تغتفر ولا تُسامح”، وحكومة دمشق تتجاهل كل ما سبق، فما حصل منذ عام 2011 هو جريمة لا فقط بحقّ كل سوري، بل كلّ” الإنسانيّة”، هي جريمة تحولت إلى مضرب مثل يقال: “كما حصل في سوريا” أو “سوريا أسوأ”، ولا بد من أن يوضع “العالم” أمام سلطة المحاسبة. مسار كشف مصير السوريين المختفين قسراً والعدالة الانتقالية، ليسا أولويات متصارعة، بل مساران متوازيان، خصوصاً بعد الكشف عن مسننات ماكينة الموت التي كان يديرها نظام الأسد، ماكينة تبدأ من التنصت على السوريين، مروراً بالاعتقال، والتعذيب، ثم إطلاق الحكم القضائي، إعلان الوفاة في المستشفى، التخلص من الجثث، ثم التكتم على الحقيقة. كل هذه الخطوات تكشف أننا أمام عملية منظمة. الجريمة ضد الإنسانية هي منظومة متكاملة، اشتغل بها العشرات، وكلمة “اشتغل” هنا دقيقة، كون هناك مال وتبادل نقود ورواتب وتعويضات ومكآفات. هذه الخصوصية السورية، وتجاهل جريمة “إدارة الفناء”التي كان يتقنها نظام الأسد، يفقدان الشأن لا فقط أهميته وترويعه، بل يحولان المقتلة السورية الى شأن سياسي. لا ننسى أن “الأزمة السورية” في الخطاب الأوروبي اختزلت بنقاط عدة فقط: “الهجرة السورية” و”مكافحة الإرهاب”، وتجارة الكبتاغون في السنوات الأخيرة. المنظمات الحقوقية السورية في أوروبا هي من تبنت مفاهيم الجريمة ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ما فعّل القدرة على التقاضي وملاحقة المجرمين في أوروبا، في الوقت ذاته، “الأزمة السورية” في أميركا، شأن مفرط في سياسته، وتحولت إلى قانون عقوبات اقتصادية، لكن “الجريمة” لا تختزل بـ”العقوبات”. قضاة وأطباء وحرّاس وجلادون، وشركات اتصالات، والأمم المتحدة، بيروقراطيون وسفلة، كلهم مُتهمون، بعضهم بتعاون مع “حكومة دمشق” لـ”تحقيق السلم الأهلي”. لكن ماذا عن الجريمة ضدّ الإنسانية؟ فرادة الجرائم في سوريا تتضح في “قضية لافارج”، التي، بسبب “نشاطها” في سوريا، تُعدّ مقاضاتها سابقة تاريخية، فهذه هي المرّة الأولى التي تُقاضى فيها شركة بتهمة “التواطؤ بارتكاب جريمة ضدّ الإنسانية”! المأساة السوريّة ليست قصة نجاح فردي لمقاتل جهادي، أطاح ديكتاتوراً، ثم تحول إلى رئيس، يعطّره ترامب، سوريا قصة جريمة ضد الإنسانية ارتكبتها ماكينة متكاملة ذات أذرع محلية ودولية. حكومة دمشق اليوم، تهمل هذا كله، تعطل إعلان الموت، ومسار التقاضي، تحصّن نفسها بهيئات ومستشارين وتلغرام وبيانات، بل وتوجه الاتهامات الى المنظمات الدولية بسبب عدم منحها التمويل، لكن، ماذا عن مخاطبة الصندوق السيادي وصندوق التنمية وأبو مريم الأسترالي، لمَ يجب أن “تموّل” عدالة السوريين خارجياً عوضاً عن مال وطني، ومصادر من ماكينة الأسد؟ ما يجب تعلمه وإدراكه بدقة، أن نظام الأسد كان قادراً على “إدارة الموت” و”ضبط الفناء” الى حدّ نقل مقابر جماعية من مكان الى آخر، ومسار العدالة وحسم المصائر، إن لم يقنن ضمن قنوات واضحة، بل وقاسية وبيروقراطيّة، سيبقي الجرح مفتوحاً، والمقابر الجماعية مفتوحة، والمسلسلات تنتج من دون أي مشكلة. يطالب أهالي المفقودين علناً، صراخاً ونحيباً، باليقين والوقت، السؤال المتكرر: متى؟ متى نعلم مصير من ننتظرهم؟ سؤال اليقين هو المطروح دوماً والمؤجل رسمياً، ومن يسكت على “اليقين” يتواطأ مع الألم. المؤسسات الصحافية هي التي عملت عوضاً عن الجهات الرسمية، نبشت مقابر جماعية، دلّت على أماكن وثائق بوضوح، فرزت أسماء متهمين من مختلف القطاعات. أما الجهات الرسمية فلا “تبحث”، هي تنتظر، دوماً تمشي على رد الفعل. أفراد سوريون معرفون بأسمائهم قدموا كل المعلومات والوثائق للجهات الرسميّة التي لم تتمكن من ضبط “السلم الأهلي”، بل أضافت إليه مجزرتين طائفيتين، وانتهاكات يومية، وخطف نساء…. وتركت أفراداً من ماكينة القتل التي يديرها الأسد يتصرفون بحريّة، “اذهبوا انتم الطلقاء”. قد تسقط الحق العام، لكن ماذا عن الحق الشخصي؟ ماذا عن حق “الإنسانية”؟. “إدارة الفناء” ليست وركشوب، والجريمة ضدّ الإنسانية لا تُواجه بـ”جلسات النحيب”. سوريا أرض شهدت قتلاً بيروقراطياً لإفناء الأجساد، وأي سلطة، مهما كانت، وكل من يعمل معها، هم دوماً أمام سؤال: متى اليقين؟ وكلما امتد الزمن وطالت الإجابة، ستطارد أسماء وصور المعتقلين “كلّ” السوريين و”كلّ” من تفرّج على قتل السوريين. تمييع الجريمة ضدّ الإنسانية وتضييعها يحرمان السوريين من العدالة التي يدين لهم بها “العالم” بمعناه الفج؛ العالم الذي “تفرّج” على نظام الأسد، والفرجة هنا، في ظل الجريمة ضدّ الإنسانية، جريمة أيضاً ومُدانة. تضييع “المذبحة السورية” على حساب انتظار التمويل يترك الحكايات بيد الجميع، فلا مرجعية رسمية لحكاية المقتلة السورية، حكاية تدين وتتهم وتنصف بعيداً عن الظنون والشكوك. -------- درج