مطالب الشعب، واحتكار الحقيقة باسم الثورة.
هذه السَّكرة ليست مجرد توصيف بلاغي، بل ظاهرة ظهرت بوضوح في تحوّلات الربيع العربي: سقطت أنظمة، لكنّ الاستبداد لم يسقط بالضرورة، بل غيّر شكله وخطابه وأدواته. تنتج الثورات ما يسميه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بالشرعية الكاريزمية، وهي شرعية مستمدّة من البطولة والتضحية والقدرة على التعبئة، تكون هذه الشرعية ضرورية في لحظة الصدام مع النظام القديم، لكنّها تصبح خطرة إذا لم تتحوّل سريعاً إلى شرعية قانونية-مؤسسية.
وهنا تتشكّل سَكْرَة الثائر، حين يعتقد المنتصر أنّ تاريخه النضالي يمنحه تفويضاً مفتوحاً للحكم، وأنّ الثورة أعلى من الدستور، وأنّ النقد خيانة، والمعارضة مؤامرة. وفي تجارب عربية عدّة، استدعيت هذه الشرعية الثورية لتبرير: تعطيل الدساتير، تركيز السلطات، تحجيم البرلمانات، تقييد الإعلام والمعارضة. فكان السؤال الجوهري: هل الثورة وسيلة لبناء دولة، أم ذريعة للاستحواذ عليها؟
على النقيض من منطق النشوة، تقف نظرية الانتقال الديمقراطي كما صاغها باحثون مثل غويليرمو أودونيل وفيليب شميتر، والتي تؤكّد أنّ إسقاط النظام لا يعني إسقاط بنيته، فالديمقراطية لا تُدار بالهتاف بل بالقواعد. وأخطر لحظة بعد الثورة ليست لحظة المواجهة، بل لحظة الحكم. ووفق هذه النظرية، يُقاس نجاح الثورة بقدرة المنتصرين على: تقليص سلطتهم لا توسيعها، قبول المحاسبة، تحويل الشرعية الثورية إلى عقد اجتماعي دائم.
غير أنّ معظم تجارب الربيع العربي تعثّرت في هذا التحوّل، لأنّ القوى المنتصرة تعاملت مع الدولة بوصفها غنيمة ثورية، لا مؤسسة عامة يجب تحييدها عن الصراع. تقدم الفيلسوفة السياسية هانا آرنت في كتابها في الثورة تحذيراً بالغ الدقة: تفشل الثورات عندما تنتقل من سؤال “كيف نمنع الاستبداد؟” إلى سؤال “كيف نحكم نحن؟”، وهذا التحوّل هو جوهر سَكْرَة الثائر. فبدل أن يكون الهدف تحصين الحرية، يصبح الهدف إدارة المجتمع وضبطه.
وبدل بناء مؤسسات تحدّ من السلطة، يجري البحث عن أدوات تُحكم السيطرة، ورأينا ذلك في أكثر من تجربة عربية، حيث طُرحت “الدولة القوية” بديلا عن “الدولة الديمقراطية”، وكأنّ الحرية ترف مؤجّل لا حقٌّ أصيل. في كتابه معذبو الأرض، يحذّر المفكّر المناهض للاستعمار فرانز فانون من أنّ النخب الثورية التي لا تغيّر بنية السلطة ستعيد إنتاج القمع نفسه، ولكن بشعارات جديدة، حيث تتغير الوجوه وتتبدل الخطابات، لكنّ أدوات الحكم تبقى كما هي: أمن مهيمن، إعلام موجّه، تخوين سياسي.
سكرة الثائر هنا ليست ضعفاً أخلاقياً فحسب، بل خلل بنيوي في فهم معنى السلطة. بين نموذجين متصارعين تلخّص التجربة العربية بعد سقوط الأنظمة:
أولاً: نموذج سَكْرَة الثائر شرعية ثورية غير محدودة، قائد منقذ لا يُسأل، تأجيل الديمقراطية باسم الاستقرار، تجريم المعارضة.
ثانياً: نموذج الانتقال الديمقراطي شرعية دستورية مقيّدة، مؤسسات خاضعة للمساءلة، حماية الحريات كأولوية، شرعنة الاختلاف السياسي. في معظم الحالات، انتصر النموذج الأول، فكانت النتيجة إما عودة الاستبداد بأشكال جديدة، أو تفكك الدولة واستنزاف الثورة في صراعات داخلية.
أزمة الربيع العربي لم تكن في فشل إسقاط الأنظمة، بل في سُكر الانتصار، فالتاريخ يُظهر أنّ الطغاة لا يولدون دائماً داخل الأنظمة القديمة، بل قد يخرج بعضهم من رحم الثورة نفسها، والثورة التي لا تقيد المنتصر بالقانون ستُطلق يده في القمع، والثائر الذي لا يصحو من سَكرته سيتحوّل، دون أن يشعر، إلى نسخة أخرى ممّن ثار عليهم، وأخطر أعداء الثورة ليس النظام الساقط، بل الثائر حين يظنّ أنّ النصر يُغنيه عن الديمقراطية.
لا يمكن فهم إخفاقات ما بعد الربيع العربي باختزالها في “خيانة الثوار” أو “مؤامرة الدولة العميقة”. المسألة أعمق وأكثر تركيباً، ماجرى في كثير من الحالات كان تفاعلاً قاتلاً بين إغراء المنصب وإرث الدولة المستبدة غذى الأول سكرة الثائر، ومنح الثاني لهذه السكرة أدواتها وقدرتها على البقاء، فالمناصب لا تفسد بالضرورة، لكنّها تكشف هشاشة الوعي السياسي إذا لم يُحسم سؤال السلطة قبل الوصول إليها، والانتقال المفاجئ من موقع الضحية إلى موقع القرار يولّد شعوراً بالتفويض الأخلاقي، وكأنّ التضحيات تمنح حقّاً استثنائياً في الحكم.
غير أنّ هذا الانحراف ما كان ليترسّخ لولا أنّ الثائر ورث دولة صمّمت أصلاً لخدمة الاستبداد، بأجهزتها الأمنية وبيروقراطيتها وقوانينها وإعلامها، وهكذا وجد نفسه يحكم بمنطق النظام الذي أسقطه، ويبرّر القمع باسم الاستقرار، ويؤجّل الحرية بحجة المرحلة الانتقالية. وقد نبّه ابن خلدون إلى أنّ العصبية المنتصرة تبدأ عادلة، ثم تفسد حين تطمئن إلى الملك وتستبد به.
في الحالة السورية، تكوّن القائد الثوري نفسياً من تجربة ظلم عميقة، فرأى نفسه حاملاً لقضية لا مجرد فاعل سياسي. خلال الثورة، تعزّز هذا الشعور بفعل الالتفاف الشعبي والخطر المشترك، فتضخمت الذات الرمزية وأصبح القائد رمزاً للأمل والصمود. هذه الصفات، الحسم، الثقة العالية، وعدم التراجع، كانت ضرورية في لحظة الصراع. لكن بعد الانتصار، تتغير البيئة النفسية والسياسية؛ فالمرحلة الجديدة تحتاج مرونة ومشاركة ومؤسسات، لا مركزية فردية.
ومع صدمات الحرب وتراكم الألم، قد يميل القائد إلى التشدّد بدافع الحماية لا الطغيان، لكنّه تدريجياً قد يبرّر الإقصاء ويخلط بين حماية الثورة وحماية نفسه، والنقطة المفصلية هنا هي قدرة القائد على الفصل بين “أنا” و”القضية”، إذا قبل بالمحاسبة وبفكرة تداول السلطة، يمكن أن يتحوّل من قائد ثورة إلى مؤسس دولة، أمّا إذا اندمجت هويته الشخصية بالثورة اندماجاً كاملاً، فسيصبح نقده خيانة في نظره، وتبدأ دورة استبداد جديدة بلغة ثورية.
كيف يفيق الثائر من سَكْرَته؟ لا يفيق الثائر بالمواعظ ولا بحسن النيات، بل حين تُسحب منه شروط السُّكر. السلطة لا تُختبر بالأخلاق، بل بقانون يقيد، مؤسسات تراقب، مجتمع يرفض التفويض المطلق، وقد نبّه ماكس فيبر إلى أنّ الشرعية لا تعيش في الذاكرة بل في القواعد، وحذرت هانا آرنت من ثورة لا تعرف متى تنتهي.
وكشف فرانز فانون أن ّمن يرث أدوات القمع سيستخدمها ولو رفع راية التحرير، ولاتنقذ الثورات بإخلاص الثائر، بل بتقييده، ولا تنتصر الحرية حين يحكمها الأبطال، بل حين يُجبر الأبطال على الخضوع للقانون. فالنصر الحقيقي ليس أن يصل الثائر إلى السلطة، بل أن يغادرها بعد مأسستها، دون أن يترك وراءه مستبداً
جديداً.
---------------
صحيفة الثورة
جديداً.
---------------
صحيفة الثورة


الصفحات
سياسة








