وتم تكليفي من ادارة القناة باجراء مجموعة من الريبورتاجات الخاصة والاخبارية ناهيك عن عدد من اللقاءات مع وزراء وسياسيين واعلاميين لبرنامج تمت تسميته “من تونس” .
من مطار قرطاج اتجهت بسيارة خصصتها لي الوكالة التونسية للاتصال الخارجي اتجهت بالسيارة الى فندق “نزل الباشا” في شارع محمد الخامس وسط العاصمة التونسية. كانت الساعة تشير الى الخامسة بعد الظهر. قلت للسائق شكرا لك… نلتقي غدا صباحا في التاسعة .
رحب بي موظف الاستقبال واعطاني غرفة تبين انها من افضل الغرف بالفندق الذي غادرته بعد ان رتبت ثيابي وحاجياتي. اتجهت سيرا على الاقدام الى شارع بورقيبة غير البعيد عن الفندق في العاصمة التونسية . في الطريق لاحظت ان سيارة السائق الذي اوصلني الى الفندق تتبعني ، فلم اعر اهتماما وتجاهلت السائق مدركا انه طلب منه معرفة الامكنة التي سازورها.
في الثامنة مساءا فرغت الشوارع من المارة ما خلا بعض الاشخاص الين لم يذهبوا الى بيوتهم لسبب ما. اغلب من شاهدتهم في الشارع الشهير يعرفوني وصافحوني بحرارة وكانت وجوههم بشوشة مرددين عبارتي “اكرم خزام الجزيرة موسكووووو”.
عدت الى فندق نزل الباشا ولم الق فيه من اسامره باستثناء كتاب المقدمة لابن خلدون.
صباحا اتجهت مع السائق الى مبنى الوكالة التونسية للاتصال الخارجي، وبعد ساعة من الحوار مع السيدة فتحية عدالة مساعدة د. اسامة الرمضاني ادخلتني الى مكتبه واستقبلني بحفاوة بالغة ثم سالني باي موضوع تريد ان تبدأ مهمتك الاعلامية؟
- سأبدأ برموز المعارضة للرئيس زين العابدين بن علي ومن خلالكم ساتعرف واجري مقابلات مع بعض الوزراء والسياسيين والاعلاميين الموالين له!!
بدا لي ان الصمت الذي ساد في مكتب الرمضاني ثقيل للغاية ثم كسره الدكتور اسامة الذي قال: “دعنا نبدأ بالموالين”.
هكذا كانت تونس في المجال الاعلامي في عهد الرئيس زين العابدين بن علي. وخارج هذا النطاق بدا لي الشارع منضبطا حتى نادرا ما سمعت زمور سيارات التكسي او اي سيارات اخرى.
استمر الحال على هذا المنوال خلال زياراتي لتونس والمدن التونسية الاخرى لتصوير حلقات لبرنامجي “حكايات من اكرم خزام”. فيما بعد ومع نهاية 2008 علمت ان الوكالة التونسية للاتصال الخارجي وكافة مؤسسات الدولة استنفرت وانهمكت للتحير للانتخابات الرئاسية عام 2009 .
اتجهت الى العاصمة التونسية ونصحني الرمضاني بالذهاب الى القرية الانتخابية لتصوير ريبورتاج عن التحضيرات (للمعركة الانتخابية الرئاسية).
داخل القرية لم اعثر الا على صور زين العابدين بن علي كما الامر في الشوارع الرئيسية العامة في العاصمة.
قلت لاحد المسؤولين في القرية “لماذا تصرفون كل هذه الاموال للحملة الانتخابية الرئاسية؟ انا واثق ان الرئيس زين العابدين بن علي سيفوز وبنسية 99,99% ، لماذا لا تقدمون على اجراء استفتاء عام لكي يبقى زين العابدين بن علي رئيسا مدى الحياة”.
استهوت الفكرة هذا المسؤول الكبير الذي استخدمت اجابته في الريبورتاج الاخباري، وبعد عرضه ، خرج الاعلامي الموالي للنظام التونسي برهان بسيس ليفند الحديث عن امكانية اجراء هذا الاستفتاء !! بعد شهرين وافقت اكثرية البرلمانيين على الاجراء الذي تحدثت عنه مع احد المسؤولين في القرية الانتخابية.
بعد الانتهاء من ” المعركة الانتخابية الرئاسية” الشكلانية طبعا، اتجه مع عدد كبير من الزملاء الاعلاميين التوانسة والعرب والاجانب الى وزارة الداخلية لمعرفة نتائج الانتخابات التي شككت منظمة هيومن رايتس ووتش بحريتها ونزاهتها.
اعلن الوزير فوز زين العابدين بن علي بنسبة 90% بينما تقاسم المرشحون الاخرون محمد بوشيحة امين عام حزب الوحدة الشعبية المقرب من السلطة واحمد الاينوبلي امين عام الاتحاد الديمقراطي الوحدوي المؤيد للنظام واحمد ابراهيم الامين الاول لحركة التجديد اليسارية نسبة العشرة بالمئة.
بعد ذلك فتح الوزير باب الاسئلة واعطى السؤال الاول لصحفي اردني كبير بالعمر يعيش بالعاصمة تونس. بدأ زميلنا بالتهنئة “لفخامة الرئيس زين العابدين بن علي” باسم كافة الصحفيين الموجودين بالقاعة وتمنى لسيادته الصحة والعطاء الدائم في ولايته الرئاسية الرابعة.
وزير الداخلية اعطاني المجال للسؤال وقلت له “اسمح لي قبل توجيه سؤالي ان اطلب من زميلي الاردني عدم التحدث عن كافة الصحفيين في القاعة، فليس من طبيعة عملنا ان نهنئ او نطبل بفوز مرشح على آخر”.
ساد صمت رهيب في القاعة كسره حديث الوزير وقوله “انني مشاغب دائما”.
صباح اليوم التالي رن جرس هاتفي الجوال وطلب مني التوجه سريعا الى مكتب وزير الاعلام د. اسامة الرمضاني في حينه.
بدأ الحديث مباشرة عن أنه لا يريد الخوض فيما قلته اثناء المؤتمر الصحفي لوزير الداخلية، واضاف “سأسعى جاهدا لعودتك الى تونس”.
سألته “هل صدر قرار ابعادي عن تونس؟” اجابني “بامكانك التوجه الى الفندق ومن ثم الى المطار، لقد جهزنا لك كل شيء لكي تسافر الى بيروت!!!
في مطار قرطاج التقيت باحدى الصحفيات التونسيات غير الموالية لنظام زين العابدين بن علي واخبرتها بما جرى، فقالت لي “تشكرهم انهم اكتفو بهذا الاجراء. ببساطة كان يمكنهم الحديث عن محاولة انتحارك او دهس سيارة لك اودت بحياتك. عد الى تقرير منظمة العفو الدولية عن سجناء الرأي في بداية التسعينات من القرن العشرين وستكتشف ما تم فعله في السجون التونسية بحق المعارضين لزين العابدين بن علي”.
عدت الى بيروت وليس لدي ادنى شعور بالهزيمة، لانني اديت واجبي بمهنية. وصار لدي الامكانيات بمراجعة اوضاع تونس التي تعرفت عليها شبرا شبرا وصورت فيها مواضيع شتى.
في بداية عهد 7 نوفمبر 1987 وعد بن علي بالديمقراطية واحترام حقوق الانسان، لكن وزير الداخلية سابقا اي بن علي نكث بوعده وتحولت تونس الى نظام بوليسي بامتياز ، وفي فترات حكمه اصبحت الصحافة مجرد حبر على ورق ناهيك عن شعور الناس بالخوف من البوليس السياسي.
وكان لابد لـ ابن علي مع دخول تونس فترة التسعينات من الولوج الى طريق سياسة اقتصاد السوق وفتح ابوابها للاستثمارات الاجنبية. وادى ذلك الى نمو اقتصادي حقق استقرارا نسبيا وتم التركيز على قطاع السياحة والصناعات الخفيفة ، وتشكلت الطبقة الوسطى في المدن الرئيسة ، وشكلت البطالة وخاصة بين اوساط الشباب والجامعيين بشكل ملحوظ، علامة فارقة ناهيك عن نشوء ظاهرتي الفساد والمحسوبية… وحافظ بن علي على مسيرة بورقيبة في دعم حقوق المرأة مما وضع تونس في مصافي اكثر الدول العربية انفتاحا.
في الوقت نفسه تجدر الاشارة الى زيادة الاحتقان الاجتماعي وخاصة في المدن والارياف خارج العاصمة تونس، ولذلك اسباب عديدة اهمها التفاوت الطبقي والفقر والبطالة وانتشار الفساد وتحديدا داخل صفوف عائلتي بن علي والطرابلسي اللتين خضعتا لاوامر زوجته ليلى الطرابلسي التي سيطرت مع اخوتها على العديد من المرافق الاقتصادية الهامة في تونس.
استغرق جهد د. اسامة الرمضاني لاعادتي الى تونس عاما كاملا تقريبا، ونجح بذلك. وعدت من جديد لتصوير حلقات جديدة لبرنامجي “حكايات مع اكرم خزام”…
صورت في اكثر من مدينة وبدا لي ان الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية باتت اسوء بكثير مما كانت عليه قبل سنة عن غيابي عن تونس.
طلب مني د. الرمضاني ان اشارك في حلقة خاصة معي (هكذا قال) مع قناة هنيبعل التونسية ، شاركت في هذه الحلقة ودعاني بعد ذلك الى مكتبه اي قبل يوم من سفري وشكرني على المشاركة. فجاة مد يده ليخرج ظرفا احسست فورا انه يحتوي المال. قلت له “دعنا نستمر في صداقتنا.
- الرمضاني “الصداقة شيء والعمل شيء آخر تماما” .
العزيز اسامة الرمظاني المحترم
تحية خزامية محملة بالود
المحاور المقترحة
ملف الانتخابات الرئاسية
- ثمة اجماع داخلي وخارجي بانكم ستفوزون بالانتخابات الرئاسيةالقادمة. البعض يعزو ذلك الى ثقة غالبية الشعب بكم، والبعض الاخر يقول ان الانتخابات الرئاسية في تونس لا تختلف بشيئ عن مثيلاتها في البلدان العربية، وبالتالي فان نسبة النجاح ستصل الى 99.99 بالمئة، ما رايكم ؟
- لماذا الانتخابات؟ أليس من الافضل على اجراء استفتاء على استمراركم في الحكم مدى الحياة؟ كافة المناخات في صالحكم بالفوز، هل ستقدمون على ذلك؟
- كافة الدلائل تشير ان نتائج الانخابات ستكون في صالحكم سلفا.اليس هذا اخلالا بنزاهة العملية الانتخابية؟ كيف ستتعاملون مع الخاسرين، هل يمكنهم المشاركة في الحكم، هل ستدعونهم لتسلم مناصب حكومية؟
- ماذا لو رفضوا نتائج الانتخابات واتهمو اللجنة الانتخابية بالتزوير لصالحكم؟
- حققت تونس نجاحات متميزة على اكثر من صعيد الى ماذا تعزون ذلك؟ هل لتفردكم في اتخاذ القرارات ام ان هذه القرارات تتخذ بشكل جماعي، وهل تستفيدون من آراء المعارضة لدى اتخاذكم هذا القرار او ذاك؟
- البعض يبرر لكم القسوة مع المعارضة المتشددة، والبعض الاخر ينتقدكم على اسلوب الصرامة. ما رايكم؟
- هل هناك من استثناءات للمربين منكم او للحزبيين او لمن يمدحكم باستمرار؟
- يقول البعض ان تونس ابتعدت عن الهموم العربية لصالح همها الداخلي، وتفضل عموما التعامل مع الغرب، هل لكم ان تقدمو لنا بايجاز موقفكم من هذاالملف ؟ اكرم خزام
ودار نقاش بين النخب السياسية من جميع الاطراف، وتمحور حول الاجابة عن سؤوال مركزي: هل ان ما حدث في تونس مؤامرة خارجية ام انه تراكم ازمات عدة ادى الى انفجار شعبي…
جدير بالذكر ان الصحف نقلت عن صحيفة الفيغارو الفرنسية رسالة السفير الفرنسي الى حكومة بلده بتاريخ 13 يناير 2011 اي قبيل سقوط بن علي بيوم ، تتضمن طمانه الحكومة الفرنسية بان الرئيس التونسي يسيطرعلى زمام الامور وان الاوضاع تحت السيطرة، ما شكل غضبا كبيرا لدى النخب السياسية في تونس التي استغربت عدم قدرة فرنسا الدولة الاكثر تاثيرا في تونس على استكشاف الحقائق.
مرت تونس بمراحل انتقالية بداها المنصف المرزوقي ثم الباجي قائد السبسي، وراوحت مكانها من حيث الجمود الاقتصادي وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على انتشال تونس من ازماتها.
في تلك الفترات اجريت مقابلات تلفزيونية عديدة مع كبار اساتذة الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع في برنامجي “القنديل” حيث بلغ عددها اكثر من اربعين مقابلة مطولة شارك فيها على سبيل المثال لا الحصر ومع حفظ الالقاب: الطيب البكوش، والحبيب الجنحاني، والطاهر لبيب، وفتحي المسكيني، وزينب التوجاني، وعبدالمجيد الشرفي، والقائمة تطول …
الغالبية اقرت بضرورة تطويق اساليب حركة النهضة الاسلامية والانتقال بتونس نحو مزيد من الديمقراطية والانتعاش الاقتصادي .
انتخابات 2019
بدا عهد جديد في تونس تمثل بوصول قيس سعيد استاذ القانون الدستوري الى سدة الرئاسة في انتخابات حصد فيها على نسبة كبيرة من اصوات الناخبين مستفيدا من الدعم الشعبي الهائل له.
ولم يتوقع احد في تونس ان يقدم سعيد على حل البرلمان التونسي في يوليو 2021 وتولى الاشراف على السلطتين التنفيذية والتشريعية حسب تفسيرة للفصل 80 من الدستور التونسي خاصة باعتماده على الدستور الجديد عبر استفتاء شعبي جرى عام 2022 .
واستنادا الى الدستور بدا قيس سعيد محاربة ما اسماه الفساد وعناصر المنظومة القديمة، الامر الذي دفع المعارضة الى التنديد بعودة ما اسمته الحكم الفردي.
وفي العهد الجديد عانى الاقتصاد من تضخم مرتفع وزيادة ملحوظة ومستمرة في البطالة ، ناهيك عن تزايد الهجرة غير النظامية والاحتجاجات خاصة بين اوساط الشباب.
تتزايد الاسئلة في ظل العهد الجديد بتونس ولا اجابات بعد عن كيفية خروجها من المشاكل التي تحيق بها.
ويبدو انه لابد لي من رحلة استكشاف جديدة في تونس علي اعثر على اجابات بخصوص مستقبل تونس السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
----------
الناس نيوز


الصفحات
سياسة








