تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

من يضلل من؟ في قضية الذكاء الإصطناعي

12/06/2026 - رزان نعيم المغربي

"الترند" والمشكلة.. وماذا بعد؟

04/06/2026 - مضر رياض الدبس

كتيبة الليث حجو تقطع الحبل السري للثورة

04/06/2026 - د.عبد القادر المنلا


مضيق هرمز عين إسفنديار طهران




هناك مفهوم عميق في الثقافة الفارسية يُختصر بعبارة “چَشم إسفنديار” (عين إسفنديار)، حيث يروي المأثور عن بطلٍ بجسدٍ فولاذي لا تقهره السيوف والرماح، لكن مقتله ونقطة ضعفه الوحيدة كانت تكمن في عينيه. اليوم، يتجسد هذا التناقض القديم بدقة متناهية في مياه مضيق هرمز ، الذي تحول في الأسابيع الأخيرة، عقب وقف إطلاق النار الهش في المنطقة، من مجرد ممر مائي لتجارة الطاقة إلى ساحة للمواجهة الصامتة بين طهران وواشنطن.


 
وفي حين تحاول الأوساط الرسمية والعسكرية في إيران تصوير المضيق كدرع جيوسياسي حصين، وورقة رابحة لفرض معادلات الردع وإملاء القواعد في مرحلة ما بعد الحرب، فإن القراءة المتأنية لواقع الداخل الإيراني تكشف العكس تماماً.
خلال الأسابيع الأخيرة، تحوّل مضيق هرمز من ممر مائي استراتيجي لحركة التجارة، إلى مركز ثقل الصراع السياسي والأمني بين طهران وواشنطن. وإذا كانت الجولة الأخيرة من المواجهات العسكرية في المنطقة قد انتهت بوقف إطلاق نار هش، فإن المواجهة الفعلية والمستدامة انتقلت اليوم إلى هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس تجارة الطاقة العالمية.
عند تفكيك المشهد الإيراني الداخلي، نجد أن صُنّاع القرار في طهران يحاولون تقديم “ورقة هرمز” باعتبارها الأداة الأقوى لمواجهة الضغوط الأميركية، وركيزة أساسية في استراتيجية الردع لمرحلة ما بعد الحرب. وينعكس هذا التوجه بوضوح في الخط التحريري للصحافة الأصولية المحافظة، لا سيما صحيفة “جوان” المقربة من الحرس الثوري ، وصحيفة “كيهان”، حيث يركز الخطاب الإعلامي هناك على مفاهيم “السيادة البحرية الكاملة” وفرض معادلات اشتباك جديدة في الخليج وبحر عُمان، معتبرين أن القوة العسكرية البحرية باتت أمراً واقعاً لا يمكن للمجتمع الدولي تجاوزه.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن قيادة القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، إلى أن المسألة تجاوزت الأدبيات القديمة القائمة على مجرد التهديد التقليدي بإغلاق المضيق في حال تعرض البلاد لهجوم. اليوم، ينتقل النظام إلى استراتيجية ميدانية قائمة على تشديد الرقابة وتقنين العبور؛ حيث تؤكد التصريحات الرسمية الإيرانية المستمرة أن أمن الخليج ومضيق هرمز هو مسؤولية طهران الحصرية بالتعاون مع بعض دول المنطقة، وأن أي وجود عسكري أجنبي يُعد تهديداً مباشراً. 
وتتزامن هذه التصريحات مع نقاشات مستمرة داخل مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) حول مشاريع قوانين تهدف إلى تعديل قوانين الملاحة البحرية في المياه الإقليمية والمتاخمة، لفرض إجراءات تفتيش بيئية وأمنية صارمة على السفن الأجنبية، وهي خطوات تعكس رغبة حثيثة لتحويل الجغرافيا الطبيعية إلى أداة ضغط سياسي وقانوني بعيدة المدى.
وتسعى الآلة الإعلامية الرسمية إلى تصوير معادلات ما بعد الحرب كدليل قاطع على أن الموقع الجغرافي لإيران قد منحها القدرة على فرض شروطها وإرساء قواعد ردع جديدة، فلم يعد المضيق مجرد ممر للنفط، إنما تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية إلى منصة دفاع وهجوم متقدمة. 
لكن من يقرأ تفاصيل المشهد من الداخل يدرك أن خلف هذه اللغة الاستعراضية تكمن صورة مغايرة وأكثر تعقيداً؛ فالنظام لا يتعامل مع هذه الورقة من موقع الاطمئنان، بل من موقع الحاجة الملحة والاضطرار. وفي هذا السياق، تبنت الصحف الإصلاحية، مثل صحيفة “شرق”، خطاباً تحذيرياً يركز على كلفة هذه الدبلوماسية الهجومية، مستفسرة بشكل غير مباشر عن مدى قدرة الورقة الجيوسياسية على إنقاذ البلاد من التبعات الهيكلية للعقوبات المفروضة عليها والانسداد الاقتصادي. 
إن الأزمة الاقتصادية الخانقة، ومعدلات التضخم المرتفعة، واستمرار الحظر المالي الأميركي، كلها عوامل تجعل من المضيق الورقة الأخيرة المتبقية للنظام لتعزيز موقعه التفاوضي، ويعكس هذا التركيز المكثف إدراكاً عميقاً بأن الأوراق الإقليمية الأخرى قد استُنزفت أو تراجعت قدرتها على المناورة مقارنة بالسنوات الماضية.
في المقابل، تكشف المواقف الأميركية المتأرجحة بشأن الحصار البحري وحرية الملاحة أن واشنطن تدرك تماماً حساسية هذه المعادلة في الاقتصاد السياسي العالمي. فبينما تصدر عن الإدارة الأميركية تصريحات تبدي مرونة سياسية وتتحدث عن خيارات التهدئة لمنع اشتعال أسعار الطاقة العالمية، تواصل القيادة المركزية الأميركية تعزيز تدابيرها الميدانية والاضطلاع بمهام حماية الممرات المائية الحليفة عبر تسيير الدوريات والمناورات المشتركة. 
ويعزز هذا التناقض الأميركي قناعة طهران بأن واشنطن تخشى سيناريو الصدام البحري المباشر، مما يدفع الطرفين إلى استخدام هرمز كأداة تفاوضية بامتياز فوق طاولة الاتصالات والمساومات السياسية غير المباشرة.
بيد أن التحدي الأكبر والأخطر أمام النظام الإيراني لا يرتبط بالمواجهة مع البحرية الأميركية فحسب، بل يكمن في التداعيات المرتدة على الداخل الإيراني نفسه. وكلما ارتفعت نبرة التهديد بالمضيق في الخطاب الرسمي، تعالت في المقابل أصوات التحذير في الصحافة الاقتصادية المحلية، مثل صحيفة “تطوير إيراني” وصحيفة “دنياي اقتصاد”، والتي تنبه باستمرار إلى أن حسابات الربح والخسارة للاقتصاد الوطني لا تتحمل أي اهتزازات أمنية جديدة في الممرات البحرية. 
إن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة سيؤدي حتماً إلى شلل ما تبقى من صادرات النفط الإيرانية التي تعتمد على مسارات بديلة معقدة، فضلاً عن الارتفاع الفوري في أسعار السلع الأساسية المستوردة وتراجع قيمة العملة المحلية الريال.
أمام هذا الواقع، يجد النظام نفسه أمام معضلة بنيوية؛ فهو بحاجة للتلويح بورقة هرمز لرفع سقفه التفاوضي، لكنه يدرك في نفس الوقت أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انفجار معيشي داخلي لا يمكن السيطرة عليه.
وفي المحصلة، فإن الرهان الإيراني المفرط على الجغرافيا السياسية لا يمكنه إلغاء الحقائق الاجتماعية والسياسية داخل البلاد؛ فالأزمة الحقيقية التي تواجه طهران اليوم ليست في مياه الخليج، بل في أزمة الثقة العميقة بين السلطة والمجتمع، واستمرار معدلات البطالة، واتساع الفجوة الطبقية، وتصاعد الإحباط الشعبي. 
قد يمنح هرمز النظام بضعة أوراق تفاوضية إضافية في المدى القصير، لكن التاريخ السياسي يؤكد أن الأوراق الجيوسياسية الخارجية لا يمكنها أبداً معالجة التصدعات الهيكلية في الداخل، ويبقى السؤال الأهم ليس من يسيطر على المضيق، بل من يملك القدرة على احتواء الأزمات التي تتفاقم داخل إيران نفسها.
------------
صحيفة الثورة 

ضياء قدور
الجمعة 12 يونيو 2026