تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

عودة الاستبداد

09/09/2026 - فوّاز حداد

الفرات فيّـاضاً

29/08/2026 - عبدالرحمن مطر

الماركسية بين لينين وأحمد الشرع

29/08/2026 - عبد الرزاق دحنون

الدراما السورية والحرس القديم

29/08/2026 - عبد القادر المنلا

التفاهة الجميلة

29/08/2026 - د. أنس الفتيح


أصالة.. سيرة الفن وتقلبات السياسة والثورة





حين اندلعت الثورة السورية ضد حكم بشار الأسد، كان آخر ما يتوقعه الكثيرون من العارفين بخفايا الوسط الفني والثقافي، أن تقف أصالة نصري معها. فقد نشأت أصالة في وسط عائلي وفني، كان يرى في تأييد نظام حافظ الأسد وتمجيده تعبيرا عن مشاعره الوطنية، بعد أن اختُزل الوطن كله في شخص الأب القائد وفكره.


 
فغنى والدها مصطفى نصري أغنيته الذائعة الصيت (زادك الله) التي أهديت لحافظ الأسد بعد تعافيه من المحنة المرضية التي أدخلته في غيبوبة مطلع عام 1984، وكانت من أقوى الأغاني بكلماتها ولحنها الشعبي والحماسي الذي وضعه شاكر بريخان، وقد رحل مصطفى نصري في حادث سير قبل أن يسجل الأغنية للتلفزيون، فبث التسجيل الإذاعي لها مرفقا بصور المطرب الذي رحل في العقد الرابع من عمره تاركا ابنته أصالة وإخوتها الأربعة الصغار.
أما أصدقاء والدها الذين عملوا على مساعدتها ورعايتها كالملحن سهيل عرفة والفنان دريد لحام، فقد كانا من أشد المؤيدين لنظام الأسد، وبقيا على عهد الولاء المطلق حتى بعد اندلاع الثورة ضد ابنه، ناهيك عن أغاني أصالة نفسها التي غنتها سواء لحافظ الأسد أو لابنه الذي ورث الحكم، لكن أصالة خالفت كل التوقعات، وأعلنت منذ البداية موقفها الواضح، الأمر الذي وضعها في مرمى نيران الشبيحة داخل الوسط الفني وخارجه.
خلال 13 عاما من عمر الثورة السورية، لم تتخلّ أصالة عن تأييدها، صحيح أنه لم يشتهر لها خلال الثورة أغنية قوية، خلا موالها الذي أطلقته عام 2011 بعنوان: "لو هالكرسي بيحكي" والذي تقول كلماته الموجهة لبشار الأسد شخصيا: "سكتنا كتير ع الظلم لا تقول ما عندك علم… لما الجرح علّم.. بدي بصراحة أنصحك.. تبقى ما عاد تزبط معك.. لك روح وتعلّم" لكن ظهور أصالة في بعض حفلاتها، وهي ترفع علم الثورة، كان دعما قويا بالنسبة لمطربة ذات جماهيرية عربية واسعة. وحين بزغ فجر التحرير في ديسمبر/كانون الأول 2024، سارعت أصالة لتهنئة السوريين بأغنية "سوريا جنة" التي أنجزتها على عجل.
 
لم توفق كثيرا في كلماتها ولا في لحنها، لكنها جاءت استجابة لحدث انتظره السوريون طويلا، مثلما انتظروا أن تعود أصالة إلى سوريا لتحيي حفلات التحرير، لكن تأخرها طرح علامات استفهام عديدة، ربما بددتها الأنباء التي ترددت مؤخرا عن قرب عودتها في سبتمبر/أيلول القادم، لتحيي أولى حفلاتها الغنائية، كما صرح بذلك نقيب الفنانين مازن الناطور لـ(سوريا الآن)، وسط تكهنات بأن تكون حفلاتها حدثا مشهودا في دمشق، التي طالما غنت لها أصالة العديد من الأغنيات الباقية في الوجدان: (هي هي يا شام) و(هذي دمشق) وسواهما.
الطفلة التي نشأت في بيت فني، وورثت عن والدها وعن جدها المونولوجست حاتم نصري، الصوت الجميل، والتي عرفت مرارة اليتم باكرا، وكانت تعاني من إعاقة في قدمها، استغل المتملقون صوتها للغناء لحافظ الأسد ثم لبشار تاليا، ثم راحوا يعيرونها بأن الرئيس حافظ الأسد أرسلها للعلاج في الخارج على نفقة الدولة

صوت الإعلانات والطفولة

شبّ جيل السبعينيات والثمانينيات على صوت أصالة الطفلة، وهي تغني أغاني الإعلانات التجارية، وبعض الأغاني الترويجية، لشهادات الاستثمار التي أطلقتها المؤسسة العامة لتوفير البريد في تلك الفترة، أو أغاني يانصيب معرض دمشق الدولي، بالتوازي مع شارات مسلسلات الكارتون، وأشهرها: (حكايات عالمية). وفي كل هذه الأعمال، أثبتت أصالة الطفلة، ذات الصوت الطفولي حاد النبرة، نجاحا جعلها جزءا من ذكريات جيل بأكمله.
وسرعان ما شقت أصالة طريقها في ثمانينيات القرن العشرين نحو مشاركات غنائية كان مسرحها برامج التلفزيون، كما نرى في الدويتو الذي شاركت به في سهرة رأس السنة لعام 1983 مع المطرب السوري مروان حسام الدين، والذي لحنه ملحم بركات بعنوان: "والله… والله… يا ميمة" أو في بعض الدويتوهات التي كانت تشارك فيها والدها المطرب مصطفى نصري الغناء، وأشهرها (يادي النعيم اللي أنت فيه)، كما ظهرت في سهرة رأس السنة على التلفزيون السوري عام 1986 التي أخرجتها رويدا الجراح بعنوان (قطار الزمن) لتقدم أغنية وطنية.
وفي عام 1990، شاركت أصالة في مسلسل (المغنون) الذي كتبه مروان عبد الحميد عن كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني، وأخرجه سليم صبري، وروى سير مغنيات من التراث العربي، فجسدت أصالة تمثيلا وغناء شخصية (عزة الميلاء)، ولم تكن أصالة حينها قد تعافت تماما من المشكلة الصحية التي عانت منها منذ الولادة في قدمها، فجاء تجسيدها للشخصية مطابقا فيسيولوجيا وفنيا.

انطلاقة جديدة باللهجة المصرية

شكلت كل هذه المساهمات، اعترافا بموهبة أصالة الغنائية الاستثنائية الآخذة في النضج سريعا، إنما في الإطار المحلي السوري، حتى إذا ما أطل عقد التسعينيات من القرن العشرين، سعت أصالة، بمساعدة زوجها الأول أيمن الذهبي، لتقدم نفسها عربيا من خلال ألبومها الأول "لو تعرفوا". كان خيارها اللهجة المصرية الأوسع انتشارا غنائيا، وفي ذهنها تجربة والدها المطرب مصطفى نصري، الذي كانت تعتبر أنه ظُلم من حيث الانتشار، لأنه اكتفى بالغناء باللهجة السورية في معظم ما قدم.
وقد مكنت قدرات أصالة الصوتية من الوصول لكبار الملحنين في مصر، فحمل ألبومها الأول الذي صدر عام 1993 أربع أغنيات بتوقيع: سيد مكاوي (لو تعرفوا)، محمد الموجي (هات قلبي وروح) حلمي بكر (يا صبرا يانا) و(سامحتك) لمحمد سلطان. فيما جاء ألبومها الثاني (ولا تصدق) بتوقيع الملحن محمد سلطان ليعزز حضورها وانتشارها العربي، ثم توالت ألبوماتها الغنائية بعد ذلك بغزارة لافتة.
 

اللقاء مع أشعار نزار ومحمود درويش

في الفترة نفسها، سعت أصالة المأخوذة بقصيدة (قارئة الفنجان) التي ختم بها عبد الحليم حافظ مسيرته الغنائية، للتواصل مع مبدعها الشاعر السوري نزار قباني، طالبة منه أن يختار لها قصيدة من أشعاره لتغنيها. وقد أرفقت طلبها هذا بنسخة من ألبوميها الغنائيين الأول والثاني، فرد عليها نزار برسالتين قال في الأولى:
"استمعت إلى الشريطين باهتمام وتركيز شديدين، ووجدت أن صوتك جميل ومميز وشديد الحساسية، وإذا أضفنا إلى ذلك بأنك "شامية" فإنني أشعر بالسعادة لأن واحدة من بنات مدينتي، استطاعت أن تثبت جدارتها. أطمئنك بأنني سوف أرسل إليك قصيدة من قصائدي… أرجو أن تكون علاقتك مع الشعر الفصيح جيدة، لأن غناء الشعر يتطلب استعدادا خاصا" أما في الثانية فقد رشح لها نزار قباني قصيدة "اغضب" وقال في متن الرسالة:
"أرسل إليك قصيدة "اغضب" التي أعتبرها من أكثر قصائدي غضبا وعنفا ودراماتيكية. وهي قصيدة كانت السيدة أم كلثوم مرشحة لغنائها، ثم حدثت ظروف حالت دون ذلك".
أبدع حلمي بكر في تلحين قصيدة (اغضب) متنقلا بانسيابية شديدة بين مناخات الرضا والغضب، والنفور والحب والحنين في القصيدة، ومما لا شك فيه أنه كان مطمئنا إلى قدرات صوت أصالة في تأدية هذا كله، وقد عادت أصالة بعد سنوات لتغني من أشعار نزار أبياتا من (القصيدة الدمشقية) مؤكدة عمق ارتباطها بفن القصيدة، دون أن ننسى أداءها الرائع لقصيدة الشاعر محمود درويش (عابرون في كلام عابر) التي اختار المخرج حاتم علي أبياتا منها لتكون شارة مسلسله التاريخي عن صلاح الدين الأيوبي الذي أنتج عام 2001 وغنت أصالة شارته بتمكن واقتدار.
بنهاية عقد التسعينيات من القرن العشرين، كانت أصالة نصري قد تمكنت من تثبيت أقدامها على الساحة الغنائية العربية، ومن إبراز شخصيتها كمطربة قادرة على أداء الأغنيات الطربية، وعلى مجاراة روح عصرها كما رأينا في ألبومها الذائع الصيت (يا مجنون مش أنا ليلى) الصادر عام 1999 الذي شكل محطة بارزة في نجاحها التجاري.
كما سعت نحو الاهتمام بالغناء باللهجة الخليجية التي كانت أغنية (أسمع صدى صوتك) من أشعار الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أولى مساهماتها فيها.
وخلال مسيرتها الفنية التي تتجاوز اليوم العقود الثلاثة، غنت أصالة كما هائلا من الأغنيات التي رسمت شخصية خاصة لها، بعيدة عن الشكوى العاطفية والانكسار أمام الحبيب، وإذا ما قارنا بين مضامين تلك الأغنيات وبين شخصية أصالة الجريئة والواضحة والتي تفتقر أحيانا للدبلوماسية كما تتبدى في لقاءاتها التلفزيونية الكثيرة والمثيرة للجدل، فسنجد أن كثيرا من تلك الأغنيات عبرت عن أفكارها وتناقضاتها التي طالما اعترفت بها بقوة… متقلبة بين شهوة الانتقام العاطفي الحاد في أغنيتها الشهيرة (مبقاش أنا) وبين النهايات التراجيدية الهادئة في (ما تسألنيش عن الأحزان)، وصولا إلى كتمان الشكوى العاطفية والاجتماعية في قصيدة (لا تشكُ للناس جرحا أنت صاحبه).
صحت أصالة من ثقافة تمجيد الحاكم، على صرخات الثورة الشعبية التي اندلعت ضد حكم بشار الأسد، لتعلن في مقابلاتها ومواقفها أنها تؤمن بحق هؤلاء الشباب في التغيير والحرية والكرامة. لقد أدركت أصالة بصدق إحساسها الإنساني قبل الوطني، أن على الفنان أن يكون حيث يكون الشعب.

من تمجيد الحكام إلى الإيمان بالثورة

وربما كانت جراح أصالة في الفن أو الحياة، أهون منها في السياسة. فالطفلة التي نشأت في بيت فني، وورثت عن والدها وعن جدها المونولوجست حاتم نصري، الصوت الجميل، والتي عرفت مرارة اليتم باكرا، وكانت تعاني من إعاقة في قدمها، استغل المتملقون صوتها للغناء لحافظ الأسد ثم لبشار تاليا، ثم راحوا يعيرونها بأن الرئيس حافظ الأسد أرسلها للعلاج في الخارج على نفقة الدولة.
 
وقد وجدت نفسها في غير مرحلة مكبلة بهذا الدَين أو "المكرُمة" إذا أردنا جعل الوطن كله ملكا للأب القائد.
فصدح صوت أصالة الطفولي في ثمانينيات القرن العشرين باكرا، يغني من كلمات فوزي المغربي، وألحان نزار مورلي:
أمد يدي.. أمد يدي.. أصافح حافظ الأسد
أعانقه.. أباركه.. أبايعه إلى الأبد
وكأنها لم تكفها هذه المبايعة الغنائية، فأورثوها في سياق رد الدَين، أغنية والدها (زادك الله) التي غناها لحافظ الأسد حين كان هذا الأخير يكنى بـ"أبي سليمان"، فلما تخلى عن هذا اللقب في مرحلة تحضير ابنه باسل لوراثة الحكم، وأضحى اسمه "أبو باسل"، بدلوا في كلماتها التي كانت تقول:
عهد النضال عهد الصمود عهد بإيمان .. عهد القتال.. عهد التحرير يا أبو سليمان
لتغنيها أصالة على النحو التالي:
عهد النضال عهد الصمود عهد الإيمان .. عهد القتال.. حتى استرداد كل الجولان
لكن من يلقبه السوريون بـ"بائع الجولان" ما كان له أن يرعى استرداد كل الجولان برغم كل ما أطلق من شعارات وأنتج من أغنيات.
وقد صحت أصالة أخيرا من ثقافة تمجيد الحاكم، على صرخات الثورة الشعبية التي اندلعت ضد حكم بشار الأسد، لتعلن في مقابلاتها ومواقفها أنها تؤمن بحق هؤلاء الشباب في التغيير والحرية والكرامة. لقد أدركت أصالة بصدق إحساسها الإنساني قبل الوطني، أن على الفنان أن يكون حيث يكون الشعب.
فمضت مع الثورة لا يضيرها من شتمها، ولا من عاداها، حتى إذا ما أشرقت شمس التحرير كانت تهنئتها للسوريين عنوانا لإيمانها الحقيقي بثورتهم، وحقهم في الحياة الحرة الكريمة.
فهل يكون اللقاء الأول في دمشق بين أصالة وجمهورها ثمرة هذا الإيمان الوطني؟ أم رهين ما ستقدمه على الصعيد الفني، في زمن يعيد فيه السوريون تعريف الفنان على وقع مواقفه السياسية من الآلام
التي مروا بها خلال 14 عاما من الثورة الباهظة التكلفة والثمن؟
-------------
الجزيرة نت 

محمد منصور
الخميس 10 سبتمبر 2026