-
- لم يكتفِ الأب والأعمام المجرمون بتعنيفها وتعذيبها وقتلها، بل دفنوا جسدها الطري في حفرة، وأهالوا عليه التراب، وأدوها، تستراً على جريمتهم، التي لا أجد حتى الآن كلمات تصف مدى بشاعتها.
وبغض النظر عن كل الشائعات والأقاويل التي أحاطت بمقتل هذه الطفلة البريئة، فهنالك برأيي مسببات أعمق تقف خلفها، وأرضية قانونية مجتمعية سمحت بارتكاب مثل هذه الجريمة الشنعاء، وهذه هي الأسباب التي يجدر بنا الآن تحريها، لمنع تكرار مثل تلك الجرائم المروعة.
فمن الناحية القانونية، يُطبَّق على المواطنات والمواطنين السوريين المسلمين بكافة طوائفهم قانون الأحوال الشخصية العام، المُقّر عام 1953(عدا مادة واحدة تستثني الموحدين الدروز من بعض أحكامه)، والذي عُدِّل عام 2019 و2020 (عدا عن ستة قوانين أخرى تخص الطوائف المسيحية والطائفة الموسوية).
يقضي القانون العام لعام 1953، في المادة 138، بأن «زواج الحاضنة بغير قريب محرم من المحضون يُسقِط حضانتها»، وبذلك لم تستفد الأم من التعديل الأخير على القانون عامي 2019 و2020، الذي تضمن في المادة 146 انتهاء مدة الحضانة للأم بإكمال الولد – ذكراً كان أو أنثى – الخامسة عشرة من العمر، وخسرت على ما يبدو حضانة طفلتها بسبب زواجها.
كما لا تُناقش المواد المتعلقة بالحضانة في قانون الأحوال الشخصية العام مصلحة الطفل الفُضلى، وهي أولوية في قوانين الدول المتقدمة، إذ تضع مصلحة الطفل-ة في مسألة أحقية الحضانة في مقدمة الأولويات، حيث تُعيّن المحكمة، في حال عدم اتفاق الوالدين على مسألة الحضانة، لجاناً اجتماعية نفسية متخصصة، تدرس أوضاع كلٍّ من الأب والأم، ثم تُقرر الوضع والمكان المناسبين اللذين يمكن أن يؤمنا للطفل-ة أفضل رعاية وحماية. مع ملاحظة أن القانون السوري يلزم الأب بدفع «أجرة» الحضانة للأم، والتي تضمر في معناها أن الطفل هو ملك للأب، وأن الأم مستأجرة فقط لفترة معينة كي تعتني به. بل يذكر، في المادة 144، أنه «إذا كان المُكلف بأجرة الحضانة مُعسراً عاجزاً عنها، وتبرع بحضانة الصغير أحد محارمه، خيّرت الحاضنة بين إمساكه بلا أجرة أو تسليمه لمن تبرع».
ولا تملك المرأة، بعد الطلاق، حق التفكير في خيارات أخرى في الحياة، فلا خيار لديها سوى التفرّغ لحضانة أولادها، دون الحق في التفكير ببدء حياة جديدة بالارتباط بشخص آخر، رغم علمها بأن الأب سينتزع منها الأطفال عند بلوغهم الخامسة عشرة من العمر بحكم القانون.
من ناحية أخرى، تنص المادة 170 من قانون الأحوال الشخصية العام في سوريا، ضمن أحكام الولاية على نفس القاصر على إعطاء الولي حق تأديب الصغير. تشمل هذه السلطة جوانب الرعاية والتربية الأساسية الممنوحة للأب أو من يمتلك الولاية النفسية شرعاً (الولاية على النفس، في قانون الأحوال الشخصية السوري، للأب، ثم للجد العصبي، ثم لغيرهما من الأقارب الذكور من جهة الأب، حسب ترتيب الإرث).
وتُمارَس سلطة التأديب ضمن حدود التربية المشروعة دون الإفراط أو الإضرار بالصغير، وتخضع لرقابة القضاء في حال سوء الاستعمال أو التقصير، وهنا لا بد لنا من التساؤل عن حدود الإفراط أو الإضرار المقبولة أو الممنوعة قانونياً؟
كما تنص المادة 185 من قانون العقوبات السوري على ما يلي:
1 – لا يُعدُّ الفعل الذي يجيزه القانون جريمة.
2 – يُجيز القانون:
آ ـ ضروب التأديب التي يُنزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم على نحو ما يُبيحه العرف العام.
وفي تعريف التأديب وشروطه: في حال تجاوز الولي (الأب أو الوصي) سلطة التأديب المسموح بها قانوناً في قانون العقوبات السوري فلا توجد مادة واحدة خاصة بتعنيف الأطفال، بل تندرج أفعاله تحت مواد جرائم الإيذاء والقتل المقصود أو غير المقصود (المواد 540 حتى 543، والمادة 550)، مع تطبيق الظرف المشدّد، وفقاً للمادة 545، لكون المجني عليه قاصراً.
وقد صدر عام 2021 قانون حقوق الطفل، والذي نصّ على بنود أساسية، أهمها:
– الحماية من الإهمال والعنف: إذ ألزم الدولة بحماية الأطفال من أشكال العنف والإهمال الأسري، أو التسول والاستغلال الاقتصادي، وحدَّد عقوبات للمخالفين.
– المسؤولية الجزائية: في حال تجاوز الأب أو المربي للحدود العرفية واستخدام العنف المفرط، تسقط عنه صفة «المؤدب»، ويُلاحق قضائياً بجرم الإيذاء المقصود، وفقاً لـ قانون العقوبات السوري.
– إسقاط الولاية: إذا ثبت تعرُّض الطفل للخطر أو سوء المعاملة المستمر من قِبل الولي، يحقُّ للمحكمة الشرعية سحب الولاية أو الحضانة منه، حمايةً لمصلحة الطفل الفُضلى.
إلا أن ذلك القانون لم يكن له أي أثر على الأرض، أو على الأحكام القضائية في ساحات المحاكم.
ولابد من أن ننوه هنا إلى عدم وجود مؤسسات خاصة بالأطفال، تابعة للدولة، يمكن أن تُؤوي الأطفال المعنفين أو المهملين من الأهل، وأن تؤمن لهؤلاء الأطفال العناية والرعاية، في حال ثبت قانونياً عدم أهلية العائلة لرعايتهم.
هذا من الناحية القانونية، أمّا من الناحية المجتمعية، فاستخدام كافة أشكال التعنيف الجسدي تجاه الأطفال مبرر مجتمعياً، بل يعتبر من الأفعال الطبيعية الاعتيادية المشروعة وغير المستهجنة، ومن الطبيعي أن يتحدث الأبناء بتحبُّب عن عصا الوالد، أو «شحاطة» الوالدة التي كانت تنهال فوق رؤوسهم، وهذا ما جعل الكثير من المهاجرين إلى الدول الغربية يتباكون ويسردون مظلوميتهم، بأن الحكومة قد سلبتهم أبناءهم، عندما مارسوا عليهم العنف «العادي»، والذي يعتبرون أن من حقهم ممارسته.
إن التطبيق الحقيقي والفعلي لقانون حقوق الطفل، وتعديل جميع المواد القانونية المُجحِفة بحق الأطفال والأمهات في مجالي الحضانة و«التأديب»، وتعديل مفهوم ملكية الطفل للأبوين إلى مفهوم الرعاية إلى أن يبلغ الطفل سن الرشد، ومفهوم التأديب إلى مفهوم التربية الصالحة، هي التي ستُنشِئ جيلاً يعرف حقوقه ويدافع عنها، ويعرف التمييز بين الحق والباطل، بين الظالم والمظلوم، ولن يسمح مستقبلاً لأي معتدٍ قوي أن يُمارس سطوته عليه أو على غيره، بل ستتضح له جلياً مفاهيم الحرية المسؤولة والعدالة وسيادة القانون، ولن تُبنى الدول إلا على أكتاف جيل يعرف هذه الحقائق ويمارسها في حياته اليومية، والسياسية لاحقاً.
-
|
عيون المقالات
|
بأيّ ذنبٍ قُتِلت؟ مقتل نور الدوس يكشف قصور القانون والمجتمع في حماية الأطفاللا أعتقد أن هنالك كلمات يُمكِن أن تصف بشاعة الجريمة التي ارتُكبَت بحق الطفلة نور الدوس، التي انتُزِعت منها حياتها على يد أقرب الناس إليها؛ عائلتها، التي يُفترض أن تكون البيئة الحاضنة الراعية لها، بعد اثني عشر عاماً من حياة تعيسة عاشتها هذه الطفلة في عالم لم يرحم طفولتها، تعرّضت خلالها لكل أصناف العنف الجسدي والنفسي. ورغم ذلك، كانت لا تزال تحتفظ بابتسامتها الطفولية البريئة التي ارتسمت على ملامحها في فيديو صوِّر معها صدفة، سألها فيه المذيع عن عمرها، فأجابت بابتسامة خجولة أنها لا تعرف عمرها، وتمنت الخير للعالم أجمع، وكانت تحمل بين يديها بدل الكتاب طفلاً أوكلت إليها رعايته، وهي نفسها طفلة بحاجة إلى الرعاية.ميّة الرحبي
السبت 29 أغسطس 2026
إقرأ المزيد :
الدراما السورية والحرس القديم - 29/08/2026العنف الرقمي في سوريا من الجغرافيا إلى المخيّلة - 29/08/2026أدوار إقليمية جديدة غير متوقعة لسوريا وتركيا - 29/08/2026العودة إلى لبنان... فخٌّ ينبغي أن تتجنّبه دمشق - 29/08/2026قبرص تعيد ترتيب الوجود السوري: حماية أقل وعودة أكثر - 29/08/2026 |
|
|
|
||


الصفحات
سياسة








