غير أن سؤالاً مضاداً يطرحه المعنيون بتلك الصناعة: هل نستطيع إنتاج أعمال فنية بدون هؤلاء؟ وهل يمكن الاستغناء عنهم وهم النجوم المشهورون والمحبوبون على المستوى المحلي والعربي وهم أيضاً الأسماء “البياعة”، والذين يمكن لتغييبهم أن ينهي الإنتاج الدرامي في سوريا؟ وباختصار: هل نستغني عنهم أم نستغني عن الدراما؟
ومن أجل التخلص من هذه الورطة والتوافق على العمل مع نجوم الأسد، يجد المعنيون خلطة واسعة من التبريرات والذرائع، أهمها تلك الوصفة السحرية التي تشدد على أن هؤلاء لم يشاركوا في سفك الدم السوري بل كانوا مجرد مطبلين، منهم المجبر ومنهم من اختار أن يكون مجبراً ومنهم من تطوع لخدمة رواية الأسد، ولكنهم في كل الأحوال لم يرتكبوا الجرائم بأيديهم.
من الحكمة في هذا السياق، استرجاع الدور الحقيقي لهؤلاء النجوم، فهم استغلوا شهرتهم ومحبة الناس لهم، واستغلوا كذلك الصورة المثالية التي يفترضها الجمهور فيهم، لينشروا رواية النظام، فالفنان هو شخص حساس وصادق ولديه حس إنساني عالٍ ولا يمكن أن يناصر الجلاد على حساب الضحية، ولهذا فلقد تأثر الجمهور بهؤلاء وبمواقفهم وذلك على المستوى المحلي والعربي.
وقد ساهم هؤلاء مساهمة فعالة في تغيير رأي الشارع العربي من مصر إلى الخليج إلى المغرب العربي برمته، حيث اتخذوا مواقف معادية للثورة، وراحوا يدعمون نظام الأسد بناء على تسويق هؤلاء الفنانين لروايته، وكان هؤلاء الفنانون أحد أسباب المد بعمر النظام وبالتالي سبباً في زيادة القتل والارتكابات التي مورست ضد الشعب السوري. فضلاً عن ذلك فقد سخر هؤلاء النجوم من جراح السوريين ومن موتهم وعذاباتهم وتهجيرهم وتشتيتهم ومعاناتهم بشكل عام.
ولكن إن تركنا كل ذلك جانباً فسوف تظهر أمامنا بوضوح صورة الحرس القديم، وعقلية الحرس القديم وذلك من خلال ذات الآليات التي يريد نجوم النظام البائد استعادتها في إنتاجات ما بعد الأسد، ذات النمط القائم على حراسة بوابات العقلية الأسدية فيما يتعلق بعلاقة الفن بالمجتمع، ذات الحسابات والأولويات القديمة، ذات الهواجس التي توظف الدراما كسلعة لا كمنتج معرفي حضاري، ذات النجوم الذين يوظفون الدراما للترويج لأنفسهم وتحقيق مكاسبهم وليذهب ما عدا ذلك للجحيم.
لقد قامت القيادة الجديدة بحل الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام البائد وكان ذلك ضرورة ملحة رغم ما فيه من إشكاليات، ولكنه قطع الطريق على الحرس القديم في تلك الأجهزة وحرمه من إعادة هيكلة ذاته ضمن منظومة الدولة الجديدة، ورغم أن الجيش والأجهزة الأمنية أهم من الدراما، ومع ذلك تم حل تلك الأجهزة بلا تردد كون ذلك مصلحة وطنية عليا.
الحرس القديم في الدراما لا يقل خطورة، فهم يمثلون القوة الناعمة، القوة الباردة التي يمكن أن تتسلل إلى عقل الجمهور وتعيد السيطرة عليه في هذه المرحلة شديدة التعقيد والحساسية، وتعيد إنتاج الفكر الأسدي الذي نسعى جميعاً للتخلص من إرثه. الدراما هي أحد الأسلحة المهمة في معركة الوعي التي يخوضها السوريون اليوم، وإذا احتفظ الحرس القديم بجهاز التحكم في صناعة هذا النوع من الفنون، فعلينا أن ننتظر مزيداً من الاختلاطات الذهنية والوطنية.
عندما قامت الثورة السورية، كان معظم الفنانين يتمتعون بوضع اقتصادي أقرب إلى الرفاهية، فضلاً عن السلطة والنفوذ الذي كانوا يتمتعون به نتيجة دعم نظام الأسد لهم، ليس تقديراً لعملهم بالتأكيد ولكن لاستخدامهم في لحظة ما، وهو ما حدث فعلاً، وقد أحس معظم الفنانين حينها أن الثورة حطمت ذلك الحلم الوردي والعلاقة الدافئة بين الفنان والسلطة، وكان ذلك أحد أهم الأسباب لوقوف معظمهم ضدها.
واليوم يحاول ذات الفنانين استعادة مواقعهم القديمة من خلال الترويج لذات النسق الانتهازي، وهو الأمر الذي يتوجب علينا الحذر منه وإيقافه. لن نواجه مشكلة كبرى إن قل الإنتاج الدرامي من حيث الكم، عملان نوعيان في العام يغنيان عن خمسين عملاً زائفاً مستهلكاً مبستراً لا قيمة له إلا في سوق الإعلان والتسلية.
فضلاً عن أن منظومة عمل الحرس القديم وطريقتهم في التفكير تقطع الطريق عمداً على الجيل الجديد في إيجاد طريقه، ولا سيما أصحاب المشروعات الحقيقية، وتختار من يناسبها ويتوافق مع أطرها التي تسعى لتكريس حراس جدد للمنظومة الفاسدة، ومن هنا فإن حل “الأجهزة الدرامية” أسوة بحل الأجهزة الأمنية قد يكون فكرة جيدة. هل هذه قسوة؟ ربما، ولكنها قسوة مطلوبة في هذه المرحلة الحرجة، قسوة تتوافق مع متطلبات إعادة الإعمار النفسي والأخلاقي الذي ساهم صناع دراما الأسد في تدميره.
الحرس القديم ورم خبيث ولا يتوقف عند المؤسسات العسكرية والأمنية، وما لا يمكن استئصاله، يجب منعه من الانتشار في الحد الأدنى، وتلك مهمة تتقاطع تماماً مع المصالح العليا لبناء الدولة.
--------
الثورة


الصفحات
سياسة








