تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الفرات فيّـاضاً

29/08/2026 - عبدالرحمن مطر

الماركسية بين لينين وأحمد الشرع

29/08/2026 - عبد الرزاق دحنون

الدراما السورية والحرس القديم

29/08/2026 - عبد القادر المنلا

التفاهة الجميلة

29/08/2026 - د. أنس الفتيح

واقع النخب في سوريا اليوم

18/08/2026 - حسام جزماتي


الحرب التي كشفت حدود القوة الأمريكية






في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بحجم الدمار الذي أُلحق بالخصم، بل بمدى قدرة القوة المهاجمة على تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية دائمة. فالتاريخ مليء بقوى عظمى امتلكت السماء والبحار والاقتصاد والتكنولوجيا، لكنها اكتشفت في نهاية المطاف أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي شُنت الحرب من أجلها.


 

ومن هذه الزاوية تكتسب المراجعات التي بدأت تظهر داخل الأوساط السياسية الأمريكية أهمية استثنائية، لأنها لا تصدر عن خصوم واشنطن أو منتقدي سياساتها التقليديين، بل عن أصوات تنتمي إلى قلب المؤسسة الأمريكية نفسها. فبعد أشهر من التصعيد والمواجهة مع إيران، لم يعد النقاش يدور حول كفاءة العمليات العسكرية أو حجم الضربات المتبادلة، وإنما حول الحصيلة النهائية للصراع: هل نجحت الولايات المتحدة في فرض واقع سياسي جديد يخدم مصالحها، أم أنها وجدت نفسها تعود إلى النقطة ذاتها التي انطلقت منها، ولكن بكلفة أعلى ونفوذ أقل؟ إن هذا السؤال لا يتعلق بإيران وحدها، بل يمس جوهر مفهوم القوة الأمريكية وحدود استخدامها في عالم تتغير موازين الردع والنفوذ بصورة متسارعة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم صاغته احداث المواجهة بين أمريكا وايران وهو "الصمود الاستراتيجي" باعتباره أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في الحروب الحديثة. فالتاريخ العسكري يبين أن الدول لا تُهزم بالضرورة عندما تتعرض منشآتها للقصف أو تتكبد خسائر مادية، بل عندما تفقد القدرة على الاستمرار أو تُجبر على القبول بشروط الطرف الآخر. أما عندما تنجح في امتصاص الضربة الأولى وتحافظ على تماسكها السياسي والعسكري، فإن مجرد بقائها يتحول إلى رسالة قوة بحد ذاته.

ومن هنا تكتسب إيران أهمية خاصة في الحسابات الجيوسياسية. فالمسألة لا تتعلق فقط بقدراتها العسكرية المباشرة، وإنما بموقعها الجغرافي الاستثنائي. فوجودها على ضفاف مضيق هرمز يمنحها قدرة دائمة على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وفي مثل هذه الحالات لا يكون المطلوب إغلاق المضيق بصورة كاملة، بل يكفي إثبات القدرة على تهديده أو تعطيل حركة الملاحة فيه لكي يتحول إلى أداة ضغط هائلة في أي مفاوضات مستقبلية.

هذا الواقع يسلط الضوء على مفارقة معروفة في العلاقات الدولية: الطرف الأقوى قد يربح المعارك التكتيكية، لكنه قد يخسر جزءاً من مكانته الاستراتيجية إذا اضطر إلى استنزاف موارده بصورة تفوق المكاسب المتحققة. فالاستخدام المكثف للصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة ونشر القوات والقدرات العسكرية عبر مسارح عمليات واسعة لا يمثل مجرد إنفاق مالي، بل استهلاكاً لمخزون الردع نفسه الذي تستند إليه القوة العظمى في إدارة أزماتها العالمية.

كما أن الضغوط العسكرية المتواصلة كثيراً ما تنتج آثاراً عكسية على المستوى الدولي. فعندما تشعر دولة بأنها مستهدفة وجودياً، فإنها تتجه بصورة طبيعية نحو توسيع شبكة تحالفاتها وتعزيز ارتباطها بالقوى المنافسة للخصم الرئيسي. ولهذا تبدو الصين أحد أبرز المستفيدين من أي تصعيد طويل الأمد مع إيران، إذ يؤدي ذلك تلقائياً إلى تسريع تقارب الطرفين اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وهو ما يضعف هدف العزل الذي سعت إليه واشنطن لعقود.

وفي خلفية المشهد كله يبرز سؤال أعمق يتعلق بطبيعة القوة نفسها. فالحروب الحديثة أثبتت أن امتلاك التكنولوجيا المتفوقة والطيران المتقدم والأساطيل البحرية لا يكفي وحده لحسم الصراعات المعقدة. فهناك دول تمتلك عناصر قوة غير تقليدية تتمثل في الجغرافيا، والعمق السكاني، والقدرة على التحمل، وشبكات النفوذ الإقليمي، وإمكانية تحويل أي مواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. وعندما تتوافر هذه العناصر يصبح تحقيق النصر أكثر تعقيداً من مجرد التفوق العسكري المباشر.

لهذا السبب تجنبت إدارات أمريكية متعاقبة، جمهورية وديمقراطية، الانخراط في حرب شاملة مع إيران، ليس بسبب الشك في التفوق العسكري الأمريكي، وإنما بسبب القناعة بأن تكلفة الحسم قد تكون أعلى من العائد السياسي المتوقع. فالمعضلة الحقيقية لم تكن يوماً القدرة على توجيه الضربات، بل القدرة على إدارة ما بعد الضربات.

ومن خلال هذه المعطيات، تكشف هذه القراءة التحليلية عن حقيقة كثيراً ما تتكرر في التاريخ الاستراتيجي وهي: أن القوة العسكرية قادرة على تدمير البنى والمنشآت وإلحاق الخسائر بالخصوم، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية التي شُنت الحرب من أجلها. وعندما يخرج الطرف المستهدف محتفظاً بقدرته على المناورة والتأثير، بينما يجد الطرف الأقوى نفسه مضطراً للعودة إلى طاولة التفاوض من موقع أقل راحة مما كان عليه في البداية، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بمن امتلك القوة الأكبر، بل بمن نجح في توظيف الوقت والموارد والجغرافيا لتحقيق مكاسب استراتيجية أكثر استدامة.
------------
العرب في بريطانيا

ناجي الغزي
السبت 29 أغسطس 2026