أنا أشك.. إذاً أنا صحفي



أكم من اتهامات منذ اخترت لنفسي مهنة النبش وراء الحقيقة وكشفها كالها إليّ القاصي والداني، كل من موقعه ونواياه لا تعلمها إلا قوة عليا أبت أن تجعل النفس البشرية شفافة كي لا نرى ما يحيق بكل منا داخل الآخر. أعفيكم من شخصنة بعض هذه الاتهامات لكونكم غير معنيين بها ربما وأطلعكم على أكثرها طرافة يا سادة.. فلربما أوحدها الذي يرسم على شفتي ابتسامة ظاهرة استنكار ضيف أو متابع أحترم وجهة نظر كليهما كثيرا طرح السؤال أساسا. أو ربط سؤال صعب ببلد نشأ فيها الصحفي أو يعيش فيها. أو حتى درء المُساءَل السؤال عن ذاته الاعتبارية باستنكار مد الصحفي أنفه في الشأن برمته. أو اتهامه بأنه بطرحه السؤال.. بمجرد طرحه ياسيداتي وسادتي الأفاضل.. يقف ضد المصلحة العامة. وهكذا.


 
والأمر بالأساس ماهو إلا.. أن السؤال صعب.. وحقيقي… ويمس جوهر المسألة.. ومهم.. وحينها فقط أتأكد أن السؤال موجع ولا أتنازل عن الإصرار عن إجابة عنه.. لا لصلف أو معاندة.. وإنما لأن السؤال حق.. حق هؤلاء الذين ائتمنونا صوتا لهم وقوة.
من قال إن الصحافة سلطة لم يكذب. فالقضاء سلطة الحق، والصحافة سلطة الحقيقة.
في حديث مع صحفي زميل كان يعلق على شأن بريطاني سياسي، مساجلا عضوا بحكومة الظل، راقني تعبير استخدمه وصفنا فيه قبيلة الصحفيين بأن أنوفنا طويلة.. ربما لاتصاله بوصف نعتني به أستاذي المرحوم حسن أبو العلا منذ أسبوعي الأول بالعمل معه وكنت لم أتجاوز الثالثة والعشرين بأنني صحفية مدببة. مزجت التعبيرين في عقلي السوريالي وتخيلت نفسي كائنا خرافيا مدببا بأنف طويل، وراقتني الصورة جدا لدرجة مضحكة! لو كانت للصحفيين هيئة فيزيقية خاصة تميزهم "ماكانش حد غلب".
لكننا، لحسن الحظ أو سوئه، أو على الأقل بعضنا، لا يثنينا الاستنكار أو استنكاف المسؤولين من المساءلة وما يسمى في مدارس الصحافة الغربية "the grilling" - ولربما الأقرب في العربية لهذا المصطلح وقد يفيدنا في تعريبه بصيغة حصيفة مهذبة أستاذنا وزميلنا السابق مذيعا ومراسلا في رام الله عارف حجاوي "المحاججة" - لا تثنينا عن المضي في التوقف عند كل تفصيلة في المحاورة والتدقيق والإصرار على طرح الأسئلة الصعبة، وعدم المهادنة أو تفويت أي نقطة أو محور يفتح بابا للشيطان في أي اتفاق أو وثيقة أو معاهدة أو شأن عام للصحافة كل حق في نقاشه والتمحيص في كل نقطة فيه وتفكيكه وإعادة بنائه. هذا حق وواجب. والحقوق تُؤخذ ولا تُمنح.
منذ الساعات الأولى التي أطيح فيها بالرئيس السوداني السابق عمر البشير، كنت على مقعدي على الهواء مباشرة في تغطية حية لكل شاردة وواردة، أحاور كل طرف، أنقل كل تفصيلة منذ الخامسة صباحا، حتى قبل أن تتضح الأحداث ويخرج البيان الأول للمجلس العسكري. تابعت مع زملائي تفاصيل التفاصيل، لأيام ثم أسابيع ثم شهور وقفت على أدق الأحداث، حاورت عشرات العشرات من الأطراف، كل واردات الاتفاق والخلاف ناقشتها ودققت في تفاصيل تفاصيلها، قرأتها وناقشتها وكتبت عنها وسمعتها وشاهدتها، لم يفتني شيء، وحرصت على ذلك. ليس فقط لأدبيات عملي، ولكن للسودان في سنوات عملي واهتماماتي خصوصية شديدة التعقيد، فهو أحد أهم وأكثر الملفات صعوبة، وأكثرها قدما واحترافا وثراءا في عمل أي صحفي على المستويين العربي والأفريقي، إن فاتك منه الشيء اليسير ضعت فيه وفقدت البوصلة. أركانه تتماهى وتنفصل كلوحات الخداع البصري شديدة الثراء والسيمترية، تتطلب جهدا وحرفية وعينا في كل ركن، وقلما في كل يد. وللمجتهد في دراستها نتيجة مجزية.
في بلا قيود هذا الأسبوع حلقة استثنائية، حاورت فيها الوسيط الأفريقي بعد التوصل لاتفاق السودان بين قوى إعلان الحرية التغيير والمجلس العسكري البروفيسور حسن اللبات. كان سجالا صعبا سألت فيه البروفيسور لبات عن تفاصيل التفاصيل في كل جوانب الاتفاق والوثيقة الدستورية وأصريت على أسئلتي، وكان حريصا جدا على مهمته وما أرتآه عدم التشكيك في الوثيقة والاتفاق وإتمامه واستنكر كثيرا من الأسئلة والإصرار عليها. كان حوارا ماراثونيا عن السودان ومستقبل المرحلة الانتقالية، عن المحاسبة والحقوق في جرائم الأُبيّض وفض اعتصام القيادة العامة والثلاثين من يونيو/ حزيران في نص الوثيقة، وضمانات تنفيذ الاتفاق مع ما يتردد عن الخلاف بشأن قوات الدعم السريع ودور المجلس العسكري في المجلس السيادي واستقطابات القوى الإقليمية والفصائل المسلحة جنوبا وغربا ومقاطعة الحزب الشيوعي وتحفظات الجبهة الثورية.
----------
بي بي سي

رشا قنديل
الاحد 11 غشت 2019