تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان

معركة السردية بدأت

22/12/2025 - د. عبد الرحمن الحاج

سورية: عام على الجمهورية الثالثة

09/12/2025 - عدنان عبد الرزاق


الإنسان أولاً.. أبناء الجزيرة ليسوا أرقاماً على هامش الثروات






بالتزامن مع استعادة الدولة السورية سيادتها على أجزاء واسعة من منطقة الجزيرة السورية – محافظات الرقة ودير الزور والحسكة – من تنظيم “قسد”، تتداول منصات التواصل الاجتماعي أخباراً ومشاهد مصورة توحي باختزال المنطقة بمجرد جغرافيا تختزن النفط والمعادن وأرض للزراعة، ليطفو سؤال جوهري على السطح: أين موقع الإنسان في هذه المعادلة؟


 
بالمقابل، لاقى هذا التداول الذي ركز، بشكل أحادي على ثروات منطقة الجزيرة السورية، انتقادات واسعة، خاصة من أبناء الجزيرة السورية أنفسهم، ودعت هذه الانتقادات إلى تحويل النظر نحو الجوهر الحقيقي لهذه المناطق، التي عاش أبناؤها لعقود مضت تحت التهميش وسوء الخدمات التي أظهرتها معظم التقارير الإعلامية مع دخولها إلى المنطقة عقب خروج تنظيم “قسد” منها، وتكريس صفة “المناطق النائية” عليها، وعلى أنه من المفترض اليوم أن تتمثل المسؤولية في كسر هذه السردية القديمة وبناء رؤية جديدة تجعل من المنطقة وأهلها محوراً للاستثمار والتنمية، لأن الأرض تكتسب قيمتها من قيمة الإنسان الذي يعيش عليها، وليس العكس.

تنميط المنطقة واختزالها

تتعدد أوجه الصورة النمطية التي كرست لعقود عن الجزيرة السورية وأهلها، ففي مقابلة مع إحدى القنوات العربية، ظهر رجل في الخمسين من عمره يُقسِم بأنه خرج للمرة الأولى ليهتف ابتهاجاً، معلناً عن لحظة تحول شخصي عميق، حيث شعر للمرة الأولى بأنه “مواطن سوري” كامل الحقوق بعد تحرير منطقته، ووصف حالته السابقة قائلاً: “كنا نشعر بأننا مواطنون بلا حقوق، وكأننا من عالم آخر… حتى أننا لسنا بشراً”.
وفي السياق يوضح الكاتب الصحفي فراس علاوي في حديثه لـ “الثورة السورية” بأن الجزيرة السورية مثلها مثل أي منطقة في سوريا، فيها من جميع نخب المجتمع، ولها ماضيها وتاريخها العريق، والنظر لها كمجتمع عشائري هو نمط أوجده نظام الأسد المخلوع لأسباب سياسية، وهذا التنميط يجب أن يزول بأي شكل خاصة أن سنوات الثورة السورية أدت لانصهار في المجتمع السوري، واستمرارها سيسبب تفكك لهذا المجتمع أكثر من توحده.
ويضيف علاوي: “هذه النظرة النمطية عن الجزيرة السورية على أنها منطقة ثروات وزراعة وأهلها غير مساهمين في المنتج الحضاري السوري وكان يعاقب من يخالفه بالنقل للعمل في دير الزور على سبيل المثال، والابتعاد عن حقيقتها وحقيقة شعبها هي نظرة مسيئة لها بشكل عام”.
ومع اندلاع الثورة السورية تصدر الكثير من أبناء المنطقة المشهد بحسب علاوي، وحاولوا تغيير النظرة عنها، ولكن للأسف “بعد التحرير مازال التنميط السابق موجوداً، متجاهلاً أهل المنطقة ومصلحتهم والذين هم في النهاية لهم مشاركتهم في الدولة ولهم حضورهم المميز ومن غير المنطقي تجاهلهم اليوم”.
كذلك توضح مديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري كندة حواصلي، بأن النظام المخلوع كان ينظر للبشر بدون أي قيمة، سواء في الجزيرة السورية أو غيرها وهذه السياسات الطولية وحالة التجهيل، أدت لعدم معرفة المجتمعات السورية ببعضها، وبقيت لا تعرف عن بعضها سوى ما كان يتم تدريسه في المناهج، وكانت هذه السياسة قائمة على مبدأ “فرق تسد” والتي عززت الشروخ المناطقية ما بين المجتمع السوري وتصنيفه ما بين متقدم ومتخلف، حضر وبدو، وغيرها من تصنيفات.
وهذا ما يفسر، بحسب حواصلي، ظهور تلك المقاطع المصورة المختزلة، وتوضح أن سياسات النظام المخلوع أبعدت السوريين عن بعضهم وعززت عدم شعورهم بالمواطنة ككتلة بشرية واحدة لأنهم في حال إدراك هذه القيمة ممكن أن يصنعوا فارقاً، ولكي يداري على سياسات ضعف التنمية التي أوصلت سكان الجزيرة السورية إلى حالة الإهمال في الخدمات الأساسية والبنية التحتية التي نشاهدها اليوم بعد سيطرة الدولة عليها”.
وتضيف: “وبالتالي فمن الطبيعي حينما لا تعرف الجهة الأخرى سوف تبني عليها تصوراً مسبقاً بناء على المعلومات المتوفرة عنها، وهذا هو السبب الذي أدى لظهور هذه المقاطع واختزال ما يجري بمصالح شخصية وبالانطباعات والمعلومات البسيطة المختزنة في ذاكرتهم”.
ويتجسد هذا الاختزال اليوم، في الخطاب الرسمي نفسه، فمن وجهة نظر الباحث حسن عبد الله الخلف، المهتم بتاريخ الجزيرة السورية والتي أوضحها في حديثه لـ “الثورة السورية”، فإن الخطاب الرسمي للحكومة “يضع الإنسان الفراتي وإنسان الجزيرة السورية في المرتبة الثانية، وربما الثالثة، فدائماً ما يسبقه في الأولوية الحديث عن النفط والقمح والغاز والكهرباء والسدود، وبعد كل ذلك يُذكر الإنسان وحقوقه وكرامته وحريته في أرضه”. ويضيف الخلف: “خطاب التحرير الذي تقدمه الدولة اليوم لا يراعي الإنسان بقدر ما يراعي الثروة، فلا تُذكر الجزيرة السورية إلا عند الحديث عن استعادة القمح والقطن والنفط والمياه والكهرباء، بينما يُترك سكانها في الخلفية، وكأنهم مجرد أرقام إضافية “.

بناء الكرامة قبل بناء المشاريع

معادلة النجاح الحقيقية في مرحلة ما بعد تحريرالجزيرة السورية يجب أن تنقلب رأساً على عقب، فبدلاً من أن يكون الإنسان تابعاً للثروة، يجب أن تكون الثروة أداة لتحرير الإنسان وضمان كرامته.
من وجهة نظر الخلف، فإن “أي حديث عن تحرير الجزيرة السورية يجب أن يبدأ بالإنسان، وحقه في الكرامة، والحرية من سلطات القمع والاستبداد التي تعاقبت على المنطقة لعقود، ويجب وضع سكانها في صدارة أي خطّة لإعادة البناء والتنمية، لأن أي استثمار أو ثروة تُستعاد قبل تحرير الإنسان سينقلب إلى أداة قمع، ولن يكسب السلطة الجديدة شرعية أو احتراماً من السكان”.
ويجب الانتباه الى حقيقة أن الجزيرة ليست مجرد أرض لإنتاج القمح أو النفط ، وليست خريطة ثروات تدار من المركز، بل هي مجتمع حي له تاريخ وهوية وقدرة على الفعل السياسي والاجتماعي، ومن غير الاعتراف بهذه الحقيقة، لن تنجح أي محاولة لإعادة الإعمار أو إقامة دولة حقيقية، بحسب الخلف.
يذكرنا المشهد في الجزيرة السورية بمقولة العلامة ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة: “إنّ الدولة إذا اعتزّت بأبنائها، اعتزّت بها الأوطان”، ولطالما رأى مؤسس علم الاجتماع أن قوة الأمم تُقاس بصلاح رعيتها وتماسكها الاجتماعي، لا بوفرة مواردها الطبيعية فقط.
وإذا أسقطنا هذه الرؤية على الواقع اليوم في الجزيرة السورية فنجد نموذجاً حياً على صحتها؛ فبالرغم من مرور المنطقة بفترة احتلال وتهميش، إلا أن تماسك النسيج الاجتماعي – رغم محاولات تفكيكه – هو الذي حافظ على الهوية وصمود الأهالي.
وترى حويصلي أن موارد الجزيرة السورية، رغم توافرها تاريخياً، لم تُستثمر لخدمة السوريين تحت سيطرة النظام المخلوع ولا تنظيم “قسد”، بسبب غياب الإدارة الوطنية التي تحوّل الثروات إلى تنمية حقيقية للإنسان.
وتشدد على أن التركيز اليوم يجب أن ينصب على الكتلة البشرية في المنطقة، التي ظُلمت وأهملت لعقود، لكنّها قادرة الآن على قيادة تنميتها، وتصحيح الصور النمطية المغلوطة عنها، وتؤكد أن تعزيز القيمة البشرية يمر عبر حوارات مجتمعية تعرّف الناس بثقافات بعضهم وتاريخهم المشترك، مما يبني أسس تنمية مستدامة تضع الإنسان في صلب أولوياتها، ولتحقيق ذلك، يجب أن تبدأ التوعية من الحكومة نفسها.
كما يشير الصحفي فراس علاوي: “تبدأ التوعية من الحكومة نفسها، فمن المفروض أن تكون بيانات الحكومة واضحة وموجهة لسكان المنطقة على أنهم جزء من سوريا الواحدة والابتعاد عن تنميط المنطقة على أنها خزان للنفط وحقل للزراعة”.
وتحرير الإنسان أولاً يضمن أن تتحول الثروات إلى وسيلة للتنمية والحياة الكريمة، لا إلى ذريعة للاستغلال والإقصاء، بحسب الخلف الذي أضاف “بينما البدء بالثروات أولاً يكرس شعور السكان بأنهم مجرد أرقام إنتاج، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالسلطة الجديدة، كما حصل طوال العقود الماضية”.
وفي هذا السياق، يطالب الخلف بتخصيص نسبة من عائدات الثروات الباطنية والقمح لإعادة بناء وتنمية المنطقة بشكل مباشر، بدلاً من صرف هذه العائدات بالكامل في المركز، “فمن غير المعقول أن المنطقة الشرقية التي تنتج جزءاً كبيراً من ثروات البلاد تظلّ محرومة من الصناعات الثقيلة، وأن تُؤسس جامعاتها متأخراً (كما في دير الزور عام 2006) مع غياب أغلب الكليات في محافظاتها الأخرى”.
ويضيف الخلف “أن موارد المنطقة السياحية والتراثية قد أُهملت تماماً، مثل نهر الفرات وبحيرة سد الفرات التي لم تُستثمر سياحياً، وكان ممنوعاً على أبناء الفرات إقامة أي مشاريع عليها، رغم كونها مصدر حياة وثقافة وتاريخ للمنطقة”، ما يستدعي اليوم التفكير الفعلي باستثمارها وتنمية المنطقة من خلالها أيضاً.
لا شك أن استعادة السيادة على الحقول النفطية في الجزيرة السورية تمتلك بعداً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية لدعم الاقتصاد الوطني، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الثروة إلى رافعة تنموية شاملة للإنسان في سوريا، ونجاح هذه المرحلة سيقاس بمدى قدرة الخطط التنموية على ذلك، وهذا التركيز على التنمية المحلية من عائدات الإنتاج بحسب الخلف “يضمن أن تصبح الثروات أداة حقيقية لتقوية المجتمع والاقتصاد المحلي، وهو ما سيمنح أهل الجزيرة الشرعية والكرامة التي طالما تمّ تجاهلها”.
وهكذا، فالتحرير الجغرافي سيبقى ناقصاً ما لم يكتمل بتحرير الإنسان وكرامته، مع تحول الثروات إلى جسر لتنمية حقيقية تجعل من أبناء البلد شركاء حقيقيين في بناء مستقبلهم، فالمعادلة البسيطة والعميقة تتلخص بأن الأرض تُبنى بيد أبنائها، والثروات لا قيمة لها إلا عندما تصون كرامة من ينتجونها ويعيشون فوقها.
--------------

محمود الشمالي
الاحد 25 يناير 2026