تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان

معركة السردية بدأت

22/12/2025 - د. عبد الرحمن الحاج

سورية: عام على الجمهورية الثالثة

09/12/2025 - عدنان عبد الرزاق


العلويون.. من سياسة الغياب إلى لحظة الانكشاف




ليست الجماعات هي التي تختار دائمًا أن تُعرِّف نفسها سياسيًا، بل كثيرًا ما تُدفَع إلى ذلك حين تفشل الدولة في أداء وظيفتها الأساسية: حماية الأفراد دون تمييز. في مثل هذه اللحظات، لا يظهر التمثيل بوصفه تعبيرًا عن طموح، بل بوصفه لغة خوف، ولا تتقدم الهوية بوصفها مشروعًا، بل بوصفها درعًا مؤقتًا في فراغ السلطة


  

من هنا، لا يمكن فهم ما يجري في الساحل السوري اليوم باعتباره ارتدادًا طائفيًا، بل بوصفه أثرًا متأخرًا لانهيار نموذج حكم علق الجماعات داخل الدولة، ثم سقط تاركًا إياها بلا وساطة ولا ضمانات.
في هذا السياق، لا يبدو تشكّل ما بات يُعرف بـ"المجلس العلوي "، ولا التجاوب الواسع مع دعوات الشيخ غزال غزال، تعبيرًا عن اندفاعة طائفية مفاجئة أو مشروعًا سياسيًا مكتمل المعالم، بقدر ما يعكسان لحظة إدراك جماعي بأن مرحلة "الذوبان داخل الدولة" قد انتهت، وأن الفراغ السياسي والأمني يفرض البحث عن عنوان يحمي الجماعة من التعميم ومن انعدام الضمانات. فالمسألة هنا ليست في مضمون الخطاب بقدر ما هي في دلالة الاصطفاف ذاته، ولا سيما أنه تشكل تحت ضغط الخوف لا تحت إغراء السلطة، وتغذيه الحاجة إلى الحماية أكثر مما تحركه رغبة في التمايز أو المطالبة بامتيازات خاصة.
من هذه الزاوية، يصبح الحدث مدخلًا لفهم سؤال أوسع ظل مؤجلًا لأكثر من قرن: لماذا غاب التمثيل الطائفي–الديني العلوي طويلًا، ولماذا يظهر اليوم في لحظة سقوط الدولة لا في ذروة قوتها؟
الغياب بوصفه سياسة تاريخية
لم يكن غياب التمثيل الطائفي–الديني للعلويين في سوريا، طوال أكثر من مئة عام، نتيجة فراغ قيادي أو قصور تنظيمي، بل كان نتاج علاقة مركبة تشكلت بين جماعة دينية عاشت طويلًا على هامش الاعتراف، ودولة حديثة قامت على منطق الإدماج الصامت لا الاعتراف المؤسسي. غير أن هذا الغياب، إذا ما قُرئ خارج منطق الضحية وحده، يكشف عن بعد آخر أكثر تعقيدًا: تحوله، مع الزمن، إلى سياسة بقاء غير معلنة.
في سياقات تاريخية اتسمت بالعداء الديني والسياسي، لم يكن الظهور العلني خيارًا محايدًا، بل مخاطرة وجودية. الاتهامات العقائدية، والتصنيفات الفقهية، والتعامل الإداري الذي وضع العلويين خارج منظومة الثقة الرسمية، جعلت أي تمركز ديني أو تنظيمي واضح مدخلًا محتملًا للاستهداف. هنا، لم يعد الغياب مجرد نتيجة قمع، بل أصبح شكلًا من أشكال إدارة الوجود: تقليل الظهور لتقليل الكلفة.
بهذا المعنى، لم يكن غياب المرجعية الدينية المركزية أو التنظيم الطائفي العلني علامة ضعف بنيوي، بل تعبيرًا عن وعي تاريخي قاسٍ بأن البقاء لا يتحقق دائمًا عبر الصوت العالي، وأن الصمت، في بعض السياقات، قد يكون أكثر عقلانية من التمثيل.
الجبال بوصفها سياسة حماية
لم يكن تمركز العلويين في الجبال الساحلية خيارًا جغرافيًا محضًا، ولا نتيجة صدفة تاريخية، بل جاء، عبر قرون، بوصفه استجابة واقعية لشروط عنف وعدم اعتراف. فالمناطق الجبلية، بوعورتها وبعدها عن مراكز السلطة، وفّرت ملاذًا لجماعة لم تكن تمتلك أدوات حماية سياسية أو دينية معترفًا بها، ولا قدرة على التفاوض مع سلطات مركزية نظرت إليها بريبة دائمة. بهذا المعنى، لم تكن الجبال فضاء عزلة طوعية، بل مساحة أمان نسبي في سياق استبعاد طويل.
في العهد العثماني ، لم تُدمَج المناطق العلوية في منظومة الدولة على نحو متكافئ. فالعلاقة مع السلطة العثمانية اتسمت بالتوتر وعدم الثقة، وتراوحت بين محاولات إخضاع إداري وجباية قسرية، وبين فترات إهمال مقصود تركت الجبال خارج الاستثمار السياسي والاقتصادي. لم يُعترف بالعلويين كجماعة دينية ذات وضع قانوني واضح، ولم تُمنح مناطقهم شبكات حماية أو تمثيل، بل جرى التعامل معها بوصفها هامشًا مضطربًا يجب ضبطه عند الضرورة وتركه عند الإمكان.
هذا السياق التاريخي يفسّر ليس فقط اختيار الجغرافيا، بل أيضًا تشكّل نمط اجتماعي وسياسي قائم على الانكفاء، وتفادي المواجهة المباشرة مع السلطة، والاعتماد على البنى المحلية الصغيرة بدلًا من التنظيمات الواسعة. فالجبال لم تكن فقط مكانًا للسكن، بل إطارًا لإدارة العلاقة مع الدولة من موقع ضعف، حيث يصبح تقليص الظهور بديلًا عن المطالبة، والانسحاب بديلًا عن الصدام.
من هنا، لا يمكن فصل الغياب التاريخي للتمثيل العلوي عن هذا الإرث العثماني الطويل، الذي رسّخ علاقة غير متوازنة مع السلطة المركزية، قائمة على الشك المتبادل لا على التعاقد. وعندما جاءت الدولة الحديثة لاحقًا، لم تبدأ من فراغ، بل ورثت هذا التكوين الهش، وأعادت إدماجه من دون أن تفكك جذوره التاريخية أو تعيد تعريف العلاقة على أساس الاعتراف المتكافئ.
الدولة الحديثة: الإدماج بدل الاعتراف
مع تشكّل الدولة الحديثة في سوريا، لم يُلغَ هذا المنطق، بل أُعيد إنتاجه بأدوات مختلفة. الدولة الوطنية، سواء في عهد الانتداب أو بعد الاستقلال، لم تتعامل مع الطوائف باعتبارها كيانات سياسية أو اجتماعية معترفًا بها، بل باعتبارها وحدات يجب تفكيكها إلى أفراد مندمجين في مؤسسات الدولة. كان المشروع المعلن هو بناء مواطنة جامعة، لكن النتيجة العملية كانت إدارة جماعات بلا اعتراف.
بالنسبة للعلويين، وفّر هذا النموذج مخرجًا تاريخيًا من العزلة الطويلة. الجيش، الأحزاب العقائدية، والإدارة العامة أصبحت قنوات صعود اجتماعي وسياسي لم تكن متاحة سابقًا. غير أن هذا الصعود كان مشروطًا بوضوح: الاندماج الفردي مقابل إسكات الهوية الجماعية.  دخل العلويون الدولة بوصفهم مواطنين ووظائف، لا جماعة ممثلة أو معترفًا بها سياسيًا.
في هذا السياق، لا يمكن فهم مسألة التمثيل الطائفي بوصفها مطلبًا سياسيًا بسيطًا، بل بوصفها إشكالية تتصل بطبيعة الدولة ذاتها. فالدولة التي ترفض التمثيل الجماعي باسم المواطنة، لكنها تفشل في لحظات الأزمات في حماية الأفراد، تخلق مفارقة بنيوية: حين تغيب الضمانة العامة، يعود التمثيل لا بوصفه خيارًا أيديولوجيًا، بل بوصفه بديلًا اضطراريًا عن دولة غائبة.
الإدماج السلطوي وحدوده
لكن هذا النموذج من الإدماج، الذي بدا في لحظته التاريخية تقدمًا، حمل في داخله تناقضًا مؤجلًا. فالدولة التي دمجت الجماعات من دون الاعتراف بها، لم تُلغِ وجودها بوصفها جماعات، بل علّقت هذا الوجود داخل مؤسساتها. وبهذا المعنى، لم تُحل المسألة الطائفية، بل جرى تأجيلها سياسيًا عبر نزع لغتها العلنية، لا عبر تفكيك أسبابها البنيوية.
في هذا السياق، يمكن فهم الغياب الطويل للتمثيل العلوي لا بوصفه حالة خاصة، بل كجزء من نمط أوسع في تشكل الدولة السورية الحديثة، التي تعاملت مع التعدد بوصفه خطرًا يجب تفكيكه، لا واقعًا ينبغي تنظيمه. غير أن هذا التفكيك لم يكن متكافئًا بين الجماعات، إذ إن جماعات تمتعت بحضور اقتصادي أو ديني مديني حافظت على أشكال غير رسمية من التمثيل والتأثير، فيما بقيت جماعات أخرى، أكثر ريفية وأفقر تاريخيًا، بلا أدوات موازية خارج الدولة.
هنا تحديدًا، تتضح خصوصية الحالة العلوية. فالاندماج في مؤسسات الدولة لم يكن فقط خيارًا اجتماعيًا، بل تحوّل إلى المسار شبه الوحيد المتاح. ومع الزمن، لم تعد الدولة إطارًا جامعًا فحسب، بل أصبحت الوسيط الوحيد بين الجماعة والعالم السياسي. هذا الاعتماد الكلي على الدولة بوصفها قناة حماية وصعود وتمثيل غير معلن، جعل أي اهتزاز في بنية الدولة تهديدًا مباشرًا، لا للسلطة فحسب، بل للجماعة التي ربطت مصيرها الواقعي، وليس الأيديولوجي، بوجود الدولة وقدرتها.
من هنا، لا يمكن فصل مسألة التمثيل الطائفي عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة السلطوية نفسها. فالدولة التي تمنع تشكّل التمثيل المستقل لا تلغيه، بل تُحوله إلى خطر كامن، يظهر فجأة عند لحظة الانهيار. وعندما تنهار الدولة، لا تنهار بوصفها جهازًا إداريًا فقط، بل تسقط معها كل الترتيبات غير المكتوبة التي كانت تنظم علاقة الجماعات بها، وتُترك هذه الجماعات أمام سؤال لم يُسمح لها تاريخيًا بطرحه علنًا: كيف نُعرّف أنفسنا سياسيًا خارج الدولة؟
في هذه اللحظة، يصبح التمثيل ليس تعبيرًا عن هوية جديدة، بل محاولة متأخرة للإجابة عن سؤال جرى قمعه طويلًا. وهو، في الوقت نفسه، تعبير عن أزمة الدولة أكثر مما هو عن أزمة الجماعة. فالجماعات لا تسعى عادةً إلى تنظيم نفسها طائفيًا حين تكون الدولة قادرة على أداء وظائفها الأساسية، بل حين تفشل في ضمان الحد الأدنى من الحماية والمساواة والعدالة.
بهذا المعنى، فإن ما يظهر اليوم ليس استثناءً علويًا، بل أحد أعراض انهيار نموذج دولة حكمت عبر احتواء الجماعات من دون الاعتراف بها، ثم انهارت تاركة هذه الجماعات أمام فراغ سياسي لم تُدرَّب يومًا على التعامل معه.
السلطة بلا جماعة
بلغ هذا النموذج ذروته مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، ثم ترسيخه في عهد بشار الأسد. النظام الذي نُسب في الوعي العام إلى الطائفة العلوية لم يمنح هذه الطائفة أي تمثيل سياسي أو ديني مستقل. بل على العكس، كان غياب التمثيل شرطًا بنيويًا لاستمرار السلطة، لأن أي إطار علوي مستقل كان سيشكّل مصدر شرعية موازية، وقدرة محتملة على الاعتراض من داخل البيئة التي اعتمد عليها النظام في تثبيت حكمه.
في المقابل، أدى الدمج الواسع، وإن لم يكن شاملًا، لأبناء البيئة العلوية في أجهزة الجيش والأمن إلى تورط نسبة منهم، بدرجات متفاوتة، في منظومة القمع والانتهاكات. هذا التورط لم يكن قرارًا جماعيًا أو تعبيرًا عن إرادة طائفية موحدة، بل نتيجة بنية سلطوية مغلقة تُكافئ الولاء وتُعاقب الانشقاق. ومع ذلك، ساهم هذا الواقع في ربط صورة الطائفة، في المخيال العام، بممارسات لم تكن محل إجماع داخلها، ولا معبرة عن تنوعها الاجتماعي والسياسي.
الثورة وكلفة الصمت
مع اندلاع الثورة السورية، ظهرت كلفة هذا الغياب بوضوح. لم يكن لدى العلويين المعارضين للنظام إطار سياسي أو اجتماعي جامع يحميهم من التخوين أو العزل، لا داخل بيئتهم ولا خارجها. كما افتقرت قوى الثورة إلى شريك علوي يمكن مخاطبته أو البناء عليه لتفكيك السردية الطائفية مبكرًا. لم يكن هذا الغياب تفصيلًا، بل عاملًا أساسيًا في تعميق الانقسام.
هكذا، لم تُفكك الطائفية لأنها كانت حتمية، بل لأنها تُركت من دون أدوات سياسية واجتماعية قادرة على تفكيكها. الصمت الذي كان سابقًا أداة حماية، تحوّل في لحظة الثورة إلى مصدر هشاشة، جعل الجماعة مكشوفة للتعميم، لا محمية بالتمييز.
الانكشاف بدلًا من العودة
بعد سقوط نظام الأسد، لا يبدو ما نشهده اليوم "عودة" للتمثيل الطائفي بقدر ما هو انكشاف لما كان محجوبًا بقوة الدولة.  فالهوية التي لم تُمارَس سياسيًا لعقود لم تختفِ، بل بقيت كامنة، محايدة ظاهريًا، إلى أن انهار الإطار الذي كان يؤجل مواجهتها مع السؤال السياسي.
في هذه اللحظة، برزت مخاوف حقيقية لدى كثير من العلويين من مسارين متوازيين: خطاب عام يميل إلى تحميلهم ذنبًا جماعيًا، ومسار عدالة انتقالية غير واضح المعالم قد يتحول، في ظل غياب الضمانات القانونية والمؤسساتية، إلى أداة تصفية أو تعميم، لا إلى مساءلة فردية قائمة على المسؤولية الشخصية.
الجماعة كذات سياسية قسرًا
الخطر الأعمق في هذه المرحلة لا يتمثل فقط في تصاعد الخطاب الطائفي، بل في تحوّل جماعات اجتماعية بكاملها إلى ذوات سياسية قسرًا. فالجماعات لا تختار دائمًا أن تصبح سياسية، بل أحيانًا تُدفَع إلى ذلك حين تفشل الدولة في أداء وظيفتها الأساسية: توفير الحماية المتساوية والضمان القانوني.
في هذه الحالة، لا يصبح التمثيل تعبيرًا عن مشروع سياسي واضح، بل عن خوف وجودي، ولا عن إرادة تمايز، بل عن قلق من الإلغاء أو التعميم. غير أن هذا المسار، على الرغم من مفهومياته الدفاعية، يحمل مخاطر كبيرة: تحويل التمثيل الظرفي إلى اصطفاف دائم، وإعادة إنتاج الانقسامات، وخلق نخب غير منتخبة تتحدث باسم جماعات غير متجانسة.
لم يكن غياب التمثيل الطائفي العلوي خطأ تاريخيًا بقدر ما كان نتاج شروط قاسية فرضتها بيئة غير متسامحة، ودولة ابتلعت الجماعات بدلًا من الاعتراف بها. كما أن ظهوره اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل استجابة ظرفية لانهيار نموذج سابق. التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التمثيل أو غيابه، بل في منع تحوّله إلى بديل عن الدولة، وجعله، إن وُجد، جسرًا مؤقتًا نحو عقد وطني جديد، يقوم على المواطنة، والعدالة الفردية، وسيادة القانون، لا على إعادة إنتاج الاصطفافات التي دفعت سوريا ثمنها باهظًا.
---------
ميغازين

مها غزال
الاربعاء 7 يناير 2026