تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان

معركة السردية بدأت

22/12/2025 - د. عبد الرحمن الحاج

سورية: عام على الجمهورية الثالثة

09/12/2025 - عدنان عبد الرزاق


القوى ما دون الدولة.. عامل فوضى يهدد الاستقرار






خلال العقدين الماضيين، وتحديداً خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت ظاهرة القوى ما دون مستوى الدولة، وزادت مكانة الكيانات المسلّحة والتنظيمات غير الحكومية في مشهد الصراعات العالمية، خاصة المناطق الساخنة مثل الشرق الأوسط وإفريقيا التي شهدت ظهور هذه القوى


 .
وبالتالي تعدت كونها مجرد ظواهر محلية ظهرت نتيجة لظروف بلد ما، وإنما تحولت إلى أجهزة نفوذ موازية، تشكل تحدياً جوهرياً وربما وجودياً لسيادة الدول وبقائها، وتؤثر على استقرار الإقليم وتوازن العلاقات الدولية وطبيعتها، فقد نسجت بعض هذه القوى علاقات بعيدة عن مصالح دولها وقد تكون ضارة بها.
يطلق مصطلح القوى ما دون مستوى الدولة على التنظيمات أو الجماعات أو المليشيات التي تمتلك قدرات سياسية أو عسكرية أو مالية تخوّلها ممارسة النفوذ وتعطيها القدرة على نسج التحالفات والتبعيات بمعزل عن سلطة الدولة المركزية التي تتواجد هذه القوى على أرضها وضمن حدودها.
وتتنوع  هذه الفئة بين الميليشيات الطائفية، التنظيمات المسلحة، الفاعلين الاقتصاديين غير الرسميين الذين يمتلكون أذرع مسلحة، كذلك الجماعات الإرهابية أو الإجرامية المنظمة.
يميز هذه القوى الفاعلة قدرتها على المناورة خارج الحدود القانونية للدولة مما يعرض سيادة الدولة للخطر، كما تتميز باستقلالها التام أو النسبي عن الدولة الأم. وغالباً ما تستمد شرعيتها ودعمها المالي من داعمين خارجيين أو من شبكات الولاء المحلية، لا من الشرعية الوطنية أو الدستورية.
ولعل أبرز تجارب قوى ما دون الدولة في تهديد الاستقرار الإقليمي حزب الله الذي يشكل نموذجاً بارزاً في التجربة اللبنانية، حيث  تحوّل من تنظيم مقاوم في سياق الاحتلال الإسرائيلي إلى فاعل سياسي وعسكري واقتصادي يمتلك قدرات تفوق جهاز الدولة نفسه في بعض المجالات. هذا التحول أدخل لبنان في معادلة معقدة، جعلت قرارات الحرب والسلم أو التفاعل مع الإقليم رهينة توازنات الحزب لا المؤسسات الشرعية.
كذلك تمثل جماعة الحوثي في اليمن، نموذجاً آخر لهذه الظاهرة، حيث  نجحت في فرض سلطتها بقوة السلاح على أجزاء واسعة من البلاد وخطفت قرار الناس في مناطق سيطرتها وجيرتها لخدمة دولة إقليمية (إيران) وأدخلت المنطقة في صراع عسكري هي في غنى عنه، مما أدى إلى انهيار النظام السياسي التقليدي وتعطيل مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الصراع الإقليمي.
وفي العراق، فإن الميليشيات الولائية (الحشد الشعبي) كقوى ما دون دولة، تتنازع مع الدولة المركزية على القرار الأمني والسياسي، مستندة إلى دعم خارجي وإلى بنية أيديولوجية تتجاوز حدود الوطنية العراقية إلى دعم مشروع إقليمي يتعارض مع توجهات الحكومة المركزية أحياناً أو يجبرها على تغييرها.
في الحالة السورية: صعدت بعض القوى ما دون الدولة منذ عام 2011، وتحوّلت الساحة السورية إلى نموذج مركّب لأشكال من الفاعلين ما دون الدولة وقوى أمر واقع. فقد تعددت الجهات المسلحة، من قبيل الميليشيات الموالية لإيران، مرورا بالتنظيمات الجهادية مثل داعش، وصولاً إلى قوات ذات طابع محلي كقوات سوريا الديمقراطية.
أدى هذا التشظي إلى تفكك السيادة السورية على المستوى الجغرافي، وإلى اختلاط خطوط السلطة بين الدولة والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لهذه الفصائل. وهكذا، غدت سوريا حقل اختبار لفكرة الدولة المفككة أو الهشة، حيث لا يمكن لأي جهة واحدة احتكار العنف أو إدارة القرار الوطني.
بعد سقوط النظام، اضمحلت كثير من هذه القوى واختفى تأثيرها، فيما بقي بعضها حتى اللحظة يستمد شرعيته من خارج الجغرافيا السورية، ويهدد الاستقرار الهش حتى اللحظة. يساهم وجود مثل هذه القوى في مساعدة أجندات إقليمية معادية للاستقرار ولسيادة الدولة السورية، وبالتالي تتعارض مع نموذج الاستقرار المنشود.
تسعى الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، مدعومة برغبة إقليمية ودولية كالرغبة التركية في إنهاء الصراعات مع القوى الانفصالية على أرضها. كما تسعى رؤية المملكة العربية السعودية لعام 2030  خلال العقد الأخير إلى إعادة بناء مفهوم الاستقرار على قاعدة تقليص دور الفاعلين المسلحين غير الدوليين.
 فالإدارة الأميركية وشركاؤها الإقليميون باتت تعتبر أن هذه القوى تشكل تهديداً مزدوجاً، فهي تضعف سلطة الحكومات الحليفة مركزياً وتهدد استقرارها وقوتها، وتفتح الباب أمام تمدد نفوذ خصومهم التقليديين، لا سيما إيران. من هذا المنطلق، دعمت واشنطن وحلفاؤها سياسات إنهاء وتفكيك الميليشيات في العراق ولبنان، وسعت لتفكيك البنى العسكرية لتنظيمات مثل “داعش”، مع تعزيز مؤسسات الدولة الرسمية بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار.
ويبدو أن التوافق الدولي حول هذا التوجه يتنامى، إذ تدعم القوى الأوروبية والعربية النهج ذاته، معتبرة أن ضبط الفاعلين ما دون الدولة شرط أساسي لاستعادة الاستقرار الإقليمي والتنمية السياسية والاقتصادية.
القوى ما دون مستوى الدولة لم تعد مجرد مظهر من مظاهر ضعف الدولة، بل أصبحت في بعض المناطق بديلاً للسلطة ووكيلاً لصراعات النفوذ والمشاريع الإقليمية. غير أن التجارب برهنت أن بقاء هذه الكيانات على حساب الدولة يتسبب حتماً  بدورة دائمة من التفكك والفوضى والعنف.
لذلك، فإن الرهان على استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بإعادة الاعتبار إلى الدولة الوطنية كمصدر وحيد للشرعية والسيادة وتفكيك القوى ما دون مستوى الدولة وإعادة دمج أفرادها ضمن الدولة، بما يحقق مصالح الحكومات والمجتمعات، ويفضي إلى استقرار مستدام.
--------
الثورة

فراس علاوي
الاربعاء 7 يناير 2026