.
قبل سنوات، كان الصراع على حلب يتقدّم واجهة المشهد بين ما سُمّي “قوى الثورة” وبين نظام الأسد.
واليوم، نراها مجددًا تُستعاد كساحة تماس بين الكتلتين الأكثر ثِقلًا في الجغرافيا السورية: السلطة من جهة، وقسد من جهة ثانية. تغيير اللاعبين لا يغيّر القاعدة: من يضع يده على حلب يقترب خطوة من تعريف سوريا نفسها.
لماذا حلب دائمًا؟
لأن حلب ليست “مدينة كبيرة” فقط.
حلب ليست مدينة عادية ولا مجرد حلقة وصل، بل عاصمة الشمال السوري ومركز ثقله التاريخي.
هي مفصل سياسي واقتصادي تتحدد عنده علاقة دمشق بالشمال، والدولة بتعدديتها القومية، وفي القلب منها المسألة الكردية بوصفها مكوّنًا وطنيًا لا هامشًا أمنيًا. تاريخها قام على تداخل العربي والكردي، والمدينة وريفها، ضمن توازن معقّد قابل للحياة.
السيطرة على حلب لا تعني التحكم بمدينة، بل الإمساك بميزان الدولة: الاقتصاد، المعابر، حركة البشر، والعلاقة مع تركيا.
من يفرض حضوره في حلب يمتلك القدرة على فرض تصوّر لشكل سوريا، أو تعطيل أي تصوّر لا يمرّ عبرها. ولهذا لم يكن سقوط حلب في "معركة التحرير" حدثًا عسكريًا معزولًا، بل اللحظة التي انهار فيها النظام فعليًا.
وهنا يظهر العامل التركي بوصفه ظلًا ثابتًا في المرحلتين، حتى حين يتبدّل شكل حضوره.
في مرحلة الصراع مع نظام الأسد، كانت تركيا لاعبًا مباشرًا في معارك الشمال وممراته، ومركزًا لتوازنات المعارضة المسلحة، وحدًّا فاصلًا بين مشاريع متنافسة.
واليوم يعود الدور التركي عبر الملف الكردي تحديدًا: أي تحوّل كبير في حلب يلامس مباشرة هواجس أنقرة من تمدد نفوذ قسد، كما يلامس رغبتها في أن يبقى الشمال ضمن مجال تأثيرها السياسي والأمني والاقتصادي.
لذلك لا يمكن قراءة حلب بعيدًا عن تركيا: هي ليست جارًا محايدًا، بل طرفٌ يرى في حلب عمقًا حدوديًا ورمزًا تاريخيًا ومصلحة استراتيجية.
وحلب في الذاكرة العثمانية لم تكن هامشًا. كانت بوابة اقتصادية كبرى في المشرق، مدينة تجارة وصناعة وربط بين الأناضول وبلاد الشام والعالم العربي.
هذه المكانة القديمة تفسّر جزءًا من “الحنين السياسي” الذي يُستعاد اليوم بصيغ جديدة: العثمانيون القدامى عرفوا وزن حلب، والعثمانيون الجدد الذين يتقمصهم أردوغان يفهمون أن سوريا دون شمالها، ودون مدنها المفصلية، تصبح مساحة بلا مركز توازن.
لذلك يصبح الصراع على حلب، في أحد وجوهه، صراعًا على موقع الشمال داخل المجال التركي التاريخي والرمزي، وعلى حدود النفوذ الممكنة في مستقبل سوريا.
ثم هناك سبب أعمق، يتعلق بحلب نفسها: هويتها كمدينة مختلفة عن دمشق، بل منافسة لها تاريخيًا.
حلب لم تُبنَ على منطق العاصمة السياسية، بل على منطق المدينة-السوق، المدينة-الشبكة، المدينة التي تعرف كيف تعيش بالتجارة والصناعة والعلاقات العابرة للحدود.
دمشق أقرب إلى مركز الإدارة والسلطة والرمزية السياسية، وحلب أقرب إلى مركز الاقتصاد والفاعلية الاجتماعية.
هذا التوتر بين نموذجين ليس تفصيلًا ثقافيًا؛ إنه تنافس تاريخي على تعريف “المركز” في سوريا: مركز السياسة أم مركز الاقتصاد؟ مركز الدولة أم مركز المجتمع؟
عندما تُسحق حلب، لا تُسحق مدينة فقط، يُسحق نموذج كامل: نموذج المدينة التي تنتج عقلًا مدينيًا، مصالح متشابكة، تعددية يومية، وواقعية اجتماعية تُجبر المختلفين على التعايش.
لذلك كانت حلب على الدوام خطرًا على أي سلطة تريد بلادًا أحادية الطاعة: لأنها بطبيعتها تصنع شبكة علاقات لا تتحمل الصيغ المغلقة، وتقاوم احتكار الحكم والقرار.
ومن هنا، يصبح ما يجري في حلب اليوم دليلًا إضافيًا على أن سوريا تحتاج إطارًا سياسيًا أقل مرضًا من مركزية دمشق القسرية، وأقل عنفًا من منطق الغلبة.
الفيدرالية، حين تُفهم بوصفها تنظيمًا للانتماءات المحلية ضمن دولة واحدة، تستطيع أن تفتح أفقًا صحيًا لإنتاج هويات مناطقية متماسكة: هوية “حلبية” أو “شمالية” تستطيع أن تستوعب العربي والكردي والتركماني والمسيحي والمسلم داخل عقد مدني محلي، عقد يقوم على المصالح المشتركة والإدارة الرشيدة والعيش اليومي، لا على السرديات العرقية والطائفية.
الهويات المناطقية هنا ليست تفكيكًا للوطن، بل طريقة لإنقاذه من حرب الهويات الكبرى.
حين يصير الانتماء إلى حلب أو إلى إقليم شمالي إطارًا مدنيًا جامعًا، تتراجع الحاجة إلى الاستنفار العرقي والطائفي. و يتبدّل سؤال الناس من “من أنت؟” إلى “كيف نعيش معًا؟ كيف نبني؟ كيف ندير؟” وهذا جوهر السياسة حين تكون عقلانية، لا تعبئة.
لهذا أقول إن حلب يجب أن تستعيد دورها التاريخي كمدينة مركزية، لا كطرف ولا كملحق.
حلب ليست المشكلة التي يجب محاصرتها، بل المدينة القادرة على تقديم نموذج للحل: فضاء مدني يصوغ عقدًا محليًا أصيلًا يخفّف التوترات العرقية والطائفية بدل تعميقها، ويحوّل الشمال من ساحة صراع إلى منطقة توازن، ومن منطق التبعية إلى رمز فعلي للاستقلال الوطني.
وإلى أن يتحقّق ذلك، وإلى أن تتوقّف حلب عن دفع فاتورة الجميع، وأن تُحرَّر من موقعها كساحة صراع لأمراء الحرب، لتستعيد معناها كعاصمة للشمال وبوابة سلام، نقول لها ولأهلها جميعًا، بمحبة صادقة: سلامتكِ يا حلب… سلامتكِ يا ستّ الكل !
قبل سنوات، كان الصراع على حلب يتقدّم واجهة المشهد بين ما سُمّي “قوى الثورة” وبين نظام الأسد.
واليوم، نراها مجددًا تُستعاد كساحة تماس بين الكتلتين الأكثر ثِقلًا في الجغرافيا السورية: السلطة من جهة، وقسد من جهة ثانية. تغيير اللاعبين لا يغيّر القاعدة: من يضع يده على حلب يقترب خطوة من تعريف سوريا نفسها.
لماذا حلب دائمًا؟
لأن حلب ليست “مدينة كبيرة” فقط.
حلب ليست مدينة عادية ولا مجرد حلقة وصل، بل عاصمة الشمال السوري ومركز ثقله التاريخي.
هي مفصل سياسي واقتصادي تتحدد عنده علاقة دمشق بالشمال، والدولة بتعدديتها القومية، وفي القلب منها المسألة الكردية بوصفها مكوّنًا وطنيًا لا هامشًا أمنيًا. تاريخها قام على تداخل العربي والكردي، والمدينة وريفها، ضمن توازن معقّد قابل للحياة.
السيطرة على حلب لا تعني التحكم بمدينة، بل الإمساك بميزان الدولة: الاقتصاد، المعابر، حركة البشر، والعلاقة مع تركيا.
من يفرض حضوره في حلب يمتلك القدرة على فرض تصوّر لشكل سوريا، أو تعطيل أي تصوّر لا يمرّ عبرها. ولهذا لم يكن سقوط حلب في "معركة التحرير" حدثًا عسكريًا معزولًا، بل اللحظة التي انهار فيها النظام فعليًا.
وهنا يظهر العامل التركي بوصفه ظلًا ثابتًا في المرحلتين، حتى حين يتبدّل شكل حضوره.
في مرحلة الصراع مع نظام الأسد، كانت تركيا لاعبًا مباشرًا في معارك الشمال وممراته، ومركزًا لتوازنات المعارضة المسلحة، وحدًّا فاصلًا بين مشاريع متنافسة.
واليوم يعود الدور التركي عبر الملف الكردي تحديدًا: أي تحوّل كبير في حلب يلامس مباشرة هواجس أنقرة من تمدد نفوذ قسد، كما يلامس رغبتها في أن يبقى الشمال ضمن مجال تأثيرها السياسي والأمني والاقتصادي.
لذلك لا يمكن قراءة حلب بعيدًا عن تركيا: هي ليست جارًا محايدًا، بل طرفٌ يرى في حلب عمقًا حدوديًا ورمزًا تاريخيًا ومصلحة استراتيجية.
وحلب في الذاكرة العثمانية لم تكن هامشًا. كانت بوابة اقتصادية كبرى في المشرق، مدينة تجارة وصناعة وربط بين الأناضول وبلاد الشام والعالم العربي.
هذه المكانة القديمة تفسّر جزءًا من “الحنين السياسي” الذي يُستعاد اليوم بصيغ جديدة: العثمانيون القدامى عرفوا وزن حلب، والعثمانيون الجدد الذين يتقمصهم أردوغان يفهمون أن سوريا دون شمالها، ودون مدنها المفصلية، تصبح مساحة بلا مركز توازن.
لذلك يصبح الصراع على حلب، في أحد وجوهه، صراعًا على موقع الشمال داخل المجال التركي التاريخي والرمزي، وعلى حدود النفوذ الممكنة في مستقبل سوريا.
ثم هناك سبب أعمق، يتعلق بحلب نفسها: هويتها كمدينة مختلفة عن دمشق، بل منافسة لها تاريخيًا.
حلب لم تُبنَ على منطق العاصمة السياسية، بل على منطق المدينة-السوق، المدينة-الشبكة، المدينة التي تعرف كيف تعيش بالتجارة والصناعة والعلاقات العابرة للحدود.
دمشق أقرب إلى مركز الإدارة والسلطة والرمزية السياسية، وحلب أقرب إلى مركز الاقتصاد والفاعلية الاجتماعية.
هذا التوتر بين نموذجين ليس تفصيلًا ثقافيًا؛ إنه تنافس تاريخي على تعريف “المركز” في سوريا: مركز السياسة أم مركز الاقتصاد؟ مركز الدولة أم مركز المجتمع؟
عندما تُسحق حلب، لا تُسحق مدينة فقط، يُسحق نموذج كامل: نموذج المدينة التي تنتج عقلًا مدينيًا، مصالح متشابكة، تعددية يومية، وواقعية اجتماعية تُجبر المختلفين على التعايش.
لذلك كانت حلب على الدوام خطرًا على أي سلطة تريد بلادًا أحادية الطاعة: لأنها بطبيعتها تصنع شبكة علاقات لا تتحمل الصيغ المغلقة، وتقاوم احتكار الحكم والقرار.
ومن هنا، يصبح ما يجري في حلب اليوم دليلًا إضافيًا على أن سوريا تحتاج إطارًا سياسيًا أقل مرضًا من مركزية دمشق القسرية، وأقل عنفًا من منطق الغلبة.
الفيدرالية، حين تُفهم بوصفها تنظيمًا للانتماءات المحلية ضمن دولة واحدة، تستطيع أن تفتح أفقًا صحيًا لإنتاج هويات مناطقية متماسكة: هوية “حلبية” أو “شمالية” تستطيع أن تستوعب العربي والكردي والتركماني والمسيحي والمسلم داخل عقد مدني محلي، عقد يقوم على المصالح المشتركة والإدارة الرشيدة والعيش اليومي، لا على السرديات العرقية والطائفية.
الهويات المناطقية هنا ليست تفكيكًا للوطن، بل طريقة لإنقاذه من حرب الهويات الكبرى.
حين يصير الانتماء إلى حلب أو إلى إقليم شمالي إطارًا مدنيًا جامعًا، تتراجع الحاجة إلى الاستنفار العرقي والطائفي. و يتبدّل سؤال الناس من “من أنت؟” إلى “كيف نعيش معًا؟ كيف نبني؟ كيف ندير؟” وهذا جوهر السياسة حين تكون عقلانية، لا تعبئة.
لهذا أقول إن حلب يجب أن تستعيد دورها التاريخي كمدينة مركزية، لا كطرف ولا كملحق.
حلب ليست المشكلة التي يجب محاصرتها، بل المدينة القادرة على تقديم نموذج للحل: فضاء مدني يصوغ عقدًا محليًا أصيلًا يخفّف التوترات العرقية والطائفية بدل تعميقها، ويحوّل الشمال من ساحة صراع إلى منطقة توازن، ومن منطق التبعية إلى رمز فعلي للاستقلال الوطني.
وإلى أن يتحقّق ذلك، وإلى أن تتوقّف حلب عن دفع فاتورة الجميع، وأن تُحرَّر من موقعها كساحة صراع لأمراء الحرب، لتستعيد معناها كعاصمة للشمال وبوابة سلام، نقول لها ولأهلها جميعًا، بمحبة صادقة: سلامتكِ يا حلب… سلامتكِ يا ستّ الكل !


الصفحات
سياسة








