تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الفرات فيّـاضاً

29/08/2026 - عبدالرحمن مطر

الماركسية بين لينين وأحمد الشرع

29/08/2026 - عبد الرزاق دحنون

الدراما السورية والحرس القديم

29/08/2026 - عبد القادر المنلا

التفاهة الجميلة

29/08/2026 - د. أنس الفتيح


«أنا بخير» ليست دائماً الحقيقة.. لماذا يخفي البعض معاناتهم النفسية؟




يخفي بعض الأشخاص خلف مظهر هادئ وحياة تبدو طبيعية ضغوطاً ومشاعر صعبة لا يجدون مساحة مناسبة للحديث عنها، وقد تتحول عبارة «أنا بخير» إلى وسيلة لإغلاق باب الأسئلة وإخفاء الألم، خصوصاً لدى من اعتادوا كتمان مشاعرهم أو يخشون نظرة الآخرين إليهم إذا تحدثوا عما يمرون به.


 
وتجعل هذه الصورة من الصعب على المحيطين بالشخص اكتشاف معاناته، إذ لا يظهر الضيق النفسي دائماً في صورة بكاء أو انعزال واضح، بل قد تكشف عنه تغيرات تدريجية في السلوك والمزاج والعلاقات والعادات اليومية.
معاناة خلف الأقنعة
قالت الأخصائية النفسية التربوية آمنة عمر إسماعيل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن طبيعة عملها تقوم على مرافقة الأفراد والعائلات في رحلة فهم الذات وتجاوز الأزمات، ما يجعلها تلتقي بصورة متكررة بأشخاص يظهرون أمام الآخرين بصورة متماسكة، بينما يعانون داخلياً من ضغوط وانهيارات لا يتحدثون عنها.
وأوضحت إسماعيل أن هذا التناقض دفعها إلى تخصيص جانب من عملها لما تصفه بـ«الصحة النفسية الصامتة»، أي معاناة الأشخاص الذين لا يعبرون عما يشعرون به، معتبرة أن عبارة «أنا بخير» تكون في كثير من الأحيان «درعاً» يستخدمه الشخص وليست وصفاً حقيقياً لحالته.
وأضافت أن البعض يلجأ إلى هذه العبارة لأن الاعتراف بالألم قد يغير نظرته إلى نفسه أو يثير مخاوفه من نظرة الآخرين إليه، فيما يستخدمها آخرون لإنهاء الحديث سريعاً، لشعورهم بأن شرح ما يمرون به سيكون مرهقاً، أو لاعتقادهم أن من حولهم لا يملكون الوقت أو الاستعداد لسماعهم.
لماذا يكتم البعض مشاعرهم؟
حددت إسماعيل ثلاثة أسباب رئيسية قد تدفع الأشخاص إلى إخفاء معاناتهم، أولها الخوف من الوصمة الاجتماعية، إذ يخشى البعض أن يُنظر إليهم على أنهم «ضعفاء» أو «غير أسوياء» بمجرد الإفصاح عن مشاعرهم أو طلب المساعدة.
وأشارت إلى أن السبب الثاني يرتبط بالخوف من عدم التفهم، إذ قد يتوقع الشخص أن يقلل الآخرون من مشاعره أو يواجهوه بعبارات جاهزة من قبيل «شد حيلك»، وهو ما قد يزيد شعوره بالألم ويدفعه إلى تفضيل الصمت.
وأضافت أن السبب الثالث يرتبط بصورة اجتماعية شائعة عن القوة، تقوم على ربط التماسك بكتمان الألم وربط البكاء أو الشكوى بالضعف، ما يجعل بعض الأشخاص يخشون أن يفقدوا مكانتهم أو صورتهم أمام الآخرين إذا تحدثوا بصراحة عن معاناتهم.
علامات لا تبدو واضحة دائماً
بيّنت إسماعيل أن اكتشاف معاناة شخص ما لا يعتمد بالضرورة على ملاحظة البكاء أو الانسحاب المباشر، إذ يمكن أن تظهر إشارات مختلفة أو حتى معاكسة للصورة المتوقعة.
وأشارت إلى أن التغير المفاجئ في الروتين قد يكون من العلامات اللافتة، سواء ظهر من خلال إهمال الشخص لنفسه ومظهره، أو عبر الانشغال المفرط بالمظهر في محاولة لإخفاء ما يشعر به داخلياً.
وأضافت أن الانعزال قد يحدث بصورة تدريجية، مثل تكرار الاعتذار عن اللقاءات والخروج أو قطع بعض العلاقات من دون أسباب واضحة، فيما يمكن أن يظهر التغير الانفعالي على هيئة غضب حاد تجاه أمور بسيطة، أو في صورة جمود عاطفي وبرود غير معتادين لدى الشخص.
الجسد قد يعكس الضغوط
لفتت إسماعيل إلى أن المعاناة قد تنعكس أيضاً على الحالة الجسدية، من خلال الشكوى المتكررة من الصداع أو الأرق أو فقدان الشهية، إضافة إلى ظهور حساسية مفرطة تجاه الأسئلة المتعلقة بالحالة النفسية أو الشخصية.
وأكدت أن وجود علامة منفردة لا يكفي وحده للحكم على ما يمر به الإنسان، إلا أن ملاحظة تغيرات متعددة ومستمرة عن سلوكه المعتاد تستدعي الانتباه والتعامل معها بهدوء.
مخاطر استمرار الكتمان
حذرت إسماعيل، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، من استمرار كتمان الضغوط والمشاعر الصعبة لفترات طويلة، مشبهة ذلك بـ«جرح يُغطى ولا يُعقّم»، ومشيرة إلى أنه قد يرتبط بتفاقم مشكلات نفسية مثل القلق المزمن والاكتئاب، وقد يصل في بعض الحالات إلى التفكير في إيذاء الذات.
وشددت على أن تشجيع الشخص على الحصول على الدعم لا ينبغي أن يبدأ بالنصائح الجاهزة أو الضغط عليه للكلام، وإنما بما وصفته بـ«الحضور الصامت»، أي إظهار الاستعداد للاستماع وتقديم الدعم من دون أحكام.
كيف نفتح باب الحديث؟
دعت إسماعيل إلى تجنب مطالبة الشخص بصورة مباشرة ومفاجئة بالذهاب إلى مختص نفسي، لأن طريقة الطرح قد تشعره بالخوف أو بأنه جرى تصنيفه بوصفه «حالة مرضية»، خصوصاً إذا كان متردداً أساساً في الإفصاح عما يشعر به.
واقترحت بدلاً من ذلك مشاركة الملاحظة معه بهدوء، وإخباره بأن التغير الذي طرأ عليه أصبح ملحوظاً، مع التأكيد على وجود شخص مستعد للبقاء إلى جانبه والاستماع إليه، ومنحه مساحة لا يضطر فيها إلى التظاهر بأنه بخير.
المساعدة خيار لا إدانة
أوضحت إسماعيل أن طرح فكرة الدعم المتخصص يمكن أن يتم باعتبارها خياراً للمساعدة على فهم ما يحدث، وليس حكماً على الشخص أو وصفاً له بأنه مريض، مع استخدام لغة تقلل شعوره بالعزلة وتجعله أكثر تقبلاً لفكرة الحصول على المساندة.
وأكدت أن الغاية ليست إجبار الشخص على الإفصاح عن مشاعره أو اتخاذ خطوة لا يريدها، وإنما إشعاره بأن الحديث متاح عندما يكون مستعداً، وأن طلب الدعم لا ينتقص من قيمته أو مكانته.
الاستماع قبل تقديم النصائح
يشير مختصون نفسيون إلى أن التعامل مع شخص يخفي معاناته يبدأ بتوفير مساحة آمنة للاستماع دون أحكام أو استعجال في تقديم الحلول، مع احترام اختياره للوقت الذي يشعر فيه بالاستعداد للحديث.
ويؤكدون أن استمرار المعاناة وتأثيرها بصورة ملحوظة في الحياة اليومية أو العلاقات يجعل الحصول على دعم متخصص خطوة مهمة، مع ضرورة تقديم هذا الخيار بطريقة داعمة تساعد الشخص على فهم ما يمر به والتعامل معه بصورة أفضل.
الهدوء لا يعني غياب المعاناة
تبقى ملاحظة التغيرات التي تطرأ على الأشخاص المقربين والتعامل معها بحساسية من أبرز الوسائل التي قد تفتح الطريق أمام الحديث وطلب الدعم، إذ لا تعكس الصورة الخارجية دائماً حقيقة ما يحدث في الداخل.
ويبرز في هذا السياق دور الأسرة والأصدقاء في الاستماع والابتعاد عن التقليل من المشاعر أو إطلاق الأحكام، بما يمنح الشخص مساحة أكثر أماناً للتعبير عما يمر به والوصول إلى المساندة المناسبة عند الحاجة.

شبكة شام
الاربعاء 2 سبتمبر 2026