وبحكم حتمية الجغرافيا وأهميتها، أضحت الساحة السورية المحور الرئيسي لهذا الصراع بين استراتيجيتين متناقضتين تماماً، حول شكل ومستقبل وطبيعة الدولة السورية، إذ تسعى تركيا إلى تعزيز نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة، مع تركيزها على دعم استقرار سوريا والمساهمة في بناء مؤسساتها بما يخدم رؤيتها القائمة على إطفاء الحرائق التي خلفها نظام الأسد، والتي أثرت بشكل مباشر على الأمن القومي التركي.
إلى جانب حماية مصالحها المرتبطة بمنع نشوء أي تهديد على حدودها وأهمها مقاومة قيام كيان كردي على حدودها الجنوبية، حيث ترى أنقرة في قيام دولة سورية مركزية وقوية عاملاً أساسياً يخدم أمنها القومي ويمنحها دوراً محورياً.
في المقابل، يرى القادة الأمنيون والسياسيون في إسرائيل أن تنامي الدور التركي يشكل تهديداً استراتيجياً لا يقل خطورة عن الوجود الإيراني في السابق، مع وجود خشية حقيقية من استبدال النفوذ الإيراني بنفوذ تركي، وهو ما يدفع بإسرائيل للعمل على منع ظهور أي تهديدات عسكرية سورية أو تركية، والعمل على ضمان حرية تحركاتها العسكرية البرية والجوية مع تعزيز ترتيبات أمنية في الجنوب السوري، حيث تعتبر أي وجود عسكري تركي متقدم تحدياً مباشراً لها.
أدى هذا التضارب الحاد في المصالح إلى تصعيد التوتر بين الدولتين والذي تجسد في تصريحات عدائية متبادلة وتهديدات إسرائيلية متواصلة، رافقتها ضربات عسكرية داخل الأراضي السورية موجهة بشكل خاص إلى تركيا تحت دعاوى إسرائيلية بتحجيم التموضع العسكري التركي في سوريا، وكان آخرها استهداف مطار أبو الضهور شمال سوريا على بعد 40 كم من الحدود التركية للحيلولة دون بناء قاعدة عسكرية تركية هناك.
لم يعد هذا التنافس محصوراً في الشق العسكري فقط، بل تداخلت فيه ملفات معقدة تشمل الجنوب السوري، والأكراد، والدروز، ومستقبل الجيش السوري، وإعادة الإعمار، إضافة إلى مشاريع التجارة والطاقة التي تزايدت أهميتها بعد الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز، مما أضفى أبعاداً اقتصادية على الصراع.
ومع بداية تشكل تحالفات جديدة في المنطقة كان أبرزها حلف مكة بين تركيا والسعودية وباكستان عزز ذلك من المخاوف الإسرائيلية وخصوصاً في ظل موقع سوريا المهم كحلقة وصل بين دول التحالف الثلاث مما يعزز من تقديرات سوء النوايا وعدم اليقين الذي يدفع بإسرائيل للجنوح نحو الحلول الأمنية والعسكرية.
فإسرائيل تنظر إلى تركيا كقوة منافسة طويلة الأمد ستشكل معضلة أمنية وتهديداً مباشراً لأمن إسرائيل واستمراراً لمحور المقاومة، بينما ترى أنقرة في التحركات الإسرائيلية محاولة لتقييد دورها ومنعها من المشاركة في رسم مستقبل المنطقة، وهنا تكمن الخطورة الكبرى بالنسبة لسوريا عبر تحويلها من ساحة صراع داخلي إلى حلبة تنافس إقليمي تقوض سيادتها وتُعيد إنتاج الصراعات الداخلية.
رغم أن المواجهة المباشرة والشاملة بين إسرائيل وتركيا تبقى غير مرجحة بسبب قنوات الاتصال القائمة بينهما، وعضوية تركيا في حلف الناتو والعلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري، إلا أن استمرار هذا التنافس يرفع من احتمالات سوء التقدير والاحتكاك العسكري، لا سيما في ظل التغيرات الإقليمية الناجمة عن الحرب على إيران.
في مواجهة هذا الواقع، لا تمتلك سوريا القدرة على إنهاء التنافس التركي الإسرائيلي بشكل كامل لأن أبعاده تتجاوز الجغرافيا السورية ليمتد إلى عمق البحر المتوسط مروراً بالصومال والخليج العربي مع محاولات تركية لفرض وجودها في ملفي غزة وجنوب لبنان، لكن سوريا تستطيع التأثير في كيفية انعكاس هذا التنافس على الأراضي السورية عبر تحويلها من ساحة للمواجهة بين الطرفين، إلى دولة تحدد إطار التعامل مع القوى الخارجية المتنافسة.
يبدأ ذلك بتثبيت مبدأ أساسي مفاده أن الأراضي السورية ليست مجالاً مفتوحاً لتصفية الحسابات، مع اعتماد موقف متوازن يضمن عدم تحول العلاقة الاستراتيجية المهمة مع تركيا إلى معضلة أمنية للإقليم تدفع ثمنه سوريا. وفي الوقت نفسه تجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل تقوض بناء واستقرار سوريا.
كما أن تنويع الشراكات السورية مع الدول العربية والولايات المتحدة والأوروبيين يحد من قدرة أي طرف على احتكار التأثير في القرار الوطني ويمنح دمشق هامشاً واسعاً للمناورة والاستفادة من العلاقات الأمريكية والعربية لدعم خفض التصعيد وتسهيل قنوات الحوار غير المباشر بين أنقرة وتل أبيب.
ويمكن لسوريا أن تطرح نفسها كطرف معالج للمخاوف الأمنية المتبادلة دون تبني رواية أي طرف، على قاعدة أن أمن الجوار يتحقق من خلال الدولة السورية وليس على حسابها، وهو دور تزداد أهميته مع إعادة تشكيل النظام الإقليمي. ويتطلب إخراج البلاد من هذا المأزق إمكانية تحديد جدول زمني واضح للوجود العسكري التركي في سوريا وإقناع المجتمع الدولي بقدرة مؤسسات الدولة على ضبط الأمن والاستقرار، إلى جانب اتخاذ سياسة توازن خارجي تبتعد عن الانحياز التام وتجعل العلاقة مع تركيا استراتيجية دون أن تكون المحدد الوحيد للسياسة السورية.
إن تحييد سوريا أيضاً يتم عبر تأكيد عدم رغبتها في أن تكون طرفاً في هذا الصراع، واستعدادها للتعامل مع المخاوف في إطار السيادة الوطنية ومصالحها العليا، ودعم المسارات الدبلوماسية الثلاثية أو الرباعية أو الإقليمية لتكون جزءاً من الحل.
وأخيراً، يتوجب تعريف الجغرافيا السورية كمساحة للتعاون الإقليمي وجذب الاستثمارات وخطوط التجارة والطاقة، وتقديم حوافز اقتصادية للدول المرتبطة بعلاقات جيدة مع إسرائيل كالإمارات العربية وأذربيجان والبحرين وعمان وزيادة الاعتمادية المتبادلة مع تلك الدول، بحيث تدفعها للضغط على إسرائيل لحماية مصالحها وتُقلل من دوافع التصعيد في سوريا.
تتلخص المصلحة السورية العليا في معادلة واضحة: لا يمكن منع تركيا وإسرائيل من التنافس في المنطقة، لكن يمكن منعهما من تحويل الأراضي السورية إلى ساحة مفتوحة لهذا التنافس. ويتطلب ذلك شراكات خارجية متنوعة، وخطاباً سياسياً يطمئن الجوار، وقنوات اتصال مع جميع الأطراف، والاستفادة من الدور الأمريكي والعربي والدولي في احتواء التصعيد.
فكلما نجحت دمشق في تثبيت هذه المعادلة، تراجعت فرص استخدام أراضيها كساحة لتصفية الحسابات، وأصبح موقعها الجغرافي مصدر قوة، وفرصة للتعاون وإعادة الإعمار بدلاً من أن يكون مصدر صراع دائم.
---------
الثورة


الصفحات
سياسة








