تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

«شؤون الشباب» في معرض الكتاب

28/02/2026 - حسام جزماتي

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


أهازيج الملاعب الجزائرية... رياضة ..وسياسة




الجزائر - عندما انسحب لاعبو نادي القوة الجوية العراقي من المباراة التي جمعتهم باتحاد العاصمة الجزائري، في إطار منافسات كأس العرب للأندية الأبطال (اصبحت تسمى كأس زايد)، قالوا إنهم لم يتحمّلوا العبارات "الطائفية" التي كان يطلقها أنصار النادي الجزائري. لقد بدوا في غاية الدهشة، فكيف لأنصار نادي أٌستقبل قبل أيام في مدينة كربلاء العراقية أحسن استقلال وبحفاوة بالغة، أن يردّوا الجميل بتلك العبارات الطائفية؟


والغريب أن دهشة النادي الجزائري وأنصاره كانت أكبر، ولم يستوعبوا كيف لأهازيج الجماهير مهما كانت قسوتها تدفع نادي للانسحاب من مباراة قبل نهايتها بحوالي 20 دقيقة، فكل ما هتفوا به عبارات مؤيدة للرئيس العراقي الراحل صدّام حسين وبعضها يشتم طائفة معينة، وهذا حدث ويحدث في الملاعب الجزائرية منذ ما قبل استقلال البلاد العام 1962.

ملاعب الجزائر ...رمز للديمقراطية وحرية التعبير
مشجعو نادي اتحاد العاصمة، يطلقون على أنفسهم اسم "المسامعية" (من فن السماع الموسيقي)، ومعروفون بالإبداع في إطلاق الأهازيج الجديدة في كل مرة، وربما أخطأوا الهدف هذه المرة، عندما هتفوا باسم الرئيس الراحل صدّام حسين ظنا من كثير منهم أنهم بصدد تحية إخوانهم العراقيين، وكثير من الجزائريين ما زال يرى في صدّام، رمزا للعروبة ومحاربة الاحتلال الأمريكي، ولا يعرفون شيئا عن "صدّام حسين الدكتاتور" وما فعله بكثير من أبناء الشعب العراقي. وحتى بعض عبارات الشتم تكررت كثيرا في الملاعب الجزائرية التي تحوّلت إلى ساحة حقيقية للتفريغ عن "الكبت السياسي والاجتماعي" مثلما يذهب إلى ذلك بعض الدارسين الاجتماعيين.
تقول مريم ترار، وهي طالبة دكتوراه في علم الاجتماع بجامعة الجزائر لوكالة الانباء الألمانية (د .ب. أ): " في ظل ثقافة الإحباط التي يعاني منها الشباب الذي لم يعد يفكر إلا في الهجرة، وفي ظل تقلص الفضاءات الترفيهية العامة، لم يعد أمام الشباب إلا الملاعب التي يزورنها على الأقل مرة في الأسبوع. فالشاب العاطل الذي يضحي بشراء تذكرة الدخول إلى الملعب رغم متاعبه المالية، يرى لنفسه الحق في التكلم بحرية مطلقة والتعبير عن أفكاره الاجتماعية والسياسية وبل بكلمات غير لائقة، ومن هنا ترسخت هذه الظاهرة مع مرور الأيام".
ويبدو أن الشعارات والأهازيج التي ظلت عفوية سنين طويلة، بدأت تثير بعض المشكلات السياسية، انطلاقا من الشعار واللافتة التي حملتها قبل سنة من الآن جماهير نادي امل عين مليلة في الشرق الجزائري، عندما رفعوا لافتة تقول " الملك السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجهان لعملة واحدة"، فاحتجت السلطات السعودية بشكل رسمي على ذلك عن طريق سفيرها في الجزائر واضطرت السلطات الجزائرية ممثلة في رئيس الوزراء، أحمد أويحيى، لتقديم اعتذار رسمي. ولم تكن حادثة جماهير اتحاد العاصمة مع نادي القوة الجوية العراقي إلا حلقة أخرى في هذا المسلسل.
رئيس الوزراء الجزائري نفسه، لم يسلم من النقد اللاذع لأهازيج الجماهير في الملاعب الجزائرية، ففي نهاية الموسم الرياضي الماضي، كان قد أشرف على تسليم كأس الجزائر في النهائي الذي جمع ناديي شبيبة القبائل واتحاد بلعباس، وطيلة تواجده في الملعب سمع كل أنواع النقد اللاذع الذي تجاوز كل الحدود، لكنه لم ينسحب وواصل متابعة المباراة إلى أن سلّم الكأس لنادي اتحاد بلعباس الذي فاز في الأخير.
ومنذ سنوات الاستقلال الأولى، بقيت الملاعب الجزائرية وخصوصا أثناء المواعيد الكبرى مثل نهائي كأس الجزائر أو اللقاءات المحلية أو مباريات المنتخب الجزائري في المناسبات الكبرى، مسرحا لإطلاق أهازيج كبرى تجمع بين النقد السياسي يتجاوز أحيانا حد اللباقة والنقد الاجتماعي، إلى درجة أن كثيرا من الباحثين الاجتماعيين يقولون إن ما يحدث هناك هو النبض الحقيقي للشارع، فالشارع الجزائري يتنفس كرة قدم ومثلما يعبّر اللاعبون عن مهاراتهم الرياضية داخل المستطيل الأخضر، تبدع الجماهير بدورها بأهازيج مبتكرة في كل مرة وتطلق العنان لخيالها ونقدها الذي يتجاوز كل الحدود.
ويبدو أن علاقة الرياضة بالمطالب الاجتماعية والسياسية في الجزائر، تمتد إلى نشأة النوادي الرياضية الجزائرية أثناء فترة الاحتلال الفرنسي، فبعد أن كانت سلطات الاحتلال بصدد تأسيس نوادي رياضية "استيطانية"، لجأ الجزائريون إلى تأسيس نوادي تعبّر عن ثقافتهم وانتمائهم الحضاري. وفي هذا الصدد تأسس مولودية الجزائر نسبة إلى المولد النبوي الشريف، كما تأسست كثير من النوادي الأخرى تتضمن تسمياتها كلمة "إسلامي" مثل الاتحاد الإسلامي الجزائري (اتحاد العاصمة حاليا) وغيرها كثير.
ولم تجد الحركة الوطنية الجزائرية التي مهّدت للثورة التحريرية أفضل من الملاعب الرياضية لتمرير رسائلها السياسية التي تجاوزت المطالب الاجتماعية إلى الاستقلال التام.
وتجاوز النضال الجماهير الجزائرية إلى اللاعبين أنفسهم حيث أصاب نجوم كرة القدم من الجزائريين الذين كانوا ينشطون في أكبر النوادي الفرنسية والأوربية وكان بعضهم مرشّحا للعب في مونديال السويد 1958 تحت الراية الفرنسية أروع الأمثلة في التضحية وتلبية نداء الوطن، ولم يترددوا في مغادرة التراب الفرنسي معرضين أنفسهم لمطاردات الشرطة والتحقوا في شهر نيسان /أبريل بتونس لتشكيل فريق جبهة التحرير الجزائرية لكرة القدم، وتمكنوا من إيصال رسالة الشعب الجزائري إلى العالم أجمع.
الأحداث صدّقت الملاعب وكذّبت الإعلام
وبعد الاستقلال ارتبطت الملاعب الجزائرية بالشعارات والأهازيج الاجتماعية والسياسية بشكل مختلف عن سابقه، ورغم إقرار نظام الحزب الواحد والتضييق على الرأي ، كادت الملاعب أن تتحوّل إلى المتنفس الوحيد للجماهير المختلفة، فإذا أردت أن تعرف ماذا يحدث في البلاد، وعوضا أن تقرأ الصحف وتتابع برامج الإذاعة والتلفزيون التي اتفقت جميعا على إخفاء الحقائق والتطبيل للخطاب الرسمي الجاف، عليك بزيارة أقرب ملعب لتكون على صلة مباشرة بما يحدث وما يعبّر عنه نبض الشارع.
ومعروف أن أخبار السياسة والاقتصاد كانت تصاغ في شكل أهازيج وتطلق في الملاعب، وإن كان الإعلام الرسمي بقي يردد أن "كل شيء على ما يرام" في ثمانينيات القرن الماضي عندما دخلت البلاد في ازمة اقتصادية واجتماعية عميقة، إلا أن الملاعب كانت تقول عكس ذلك، والاحداث صدّقت الملاعب وكذّبت الإعلام الذي اتفاجأ مثلما تفاجأت السلطات الرسمية بأحداث الخامس من تشرين اول / أكتوبر 1988 التي كانت بمثابة "الربيع الجزائري" الذي قادتها إلى التعددية الحزبية فيما بعد.
يؤكد ياسين محمد، وهو صحفي عاصر أحداث 5 تشرين اول / أكتوبر 1988 أن "أهازيج الملاعب كانت بمثابة بيانات سياسية في ذلك الوقت، حيث كانت تتسرب أخبار الفساد والمفسدين وتصاغ بشكل فني، وكانت الأخبار والإشاعات تتناقل بسرعة البرد من الملعب إلى خارجه، ولعل أشهر شائعة في ذلك الوقت هي ما سميت "بابور أستراليا"(باخرة أستراليا)، حيث شاع أن هناك باخرة من ذلك البلد البعيد جاءت لتحمل ما استطاعت من شباب للهجرة إلى هناك دون أي وثائق، ومع حالة الإحباط صدّق الجميع تلك الإشاعة وذهب بعضهم إلى الميناء ليتأكد من ذلك".
الوضع الاقتصادي الصعب الذي عاشته الجزائر في ثمانينيات القرن الماضي جراء تهاوي أسعار النفط، عبرت عنه جماهير الملاعب بشكل "عفوي" يعكس وضعها الاجتماعي الصعب، فكان "الضحية" كبار المسؤولين، خاصة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، ومسؤولي الحزب الواحد آنذاك " جبهة التحرير الوطني".
ولم تمنع سنوات "العنف الدموي" الذي ضرب البلاد في تسعينيات القرن الماضي الجماهير من الذهاب إلى الملعب في كل مرة، بل بقيت الملاعب مكتظة مهما كانت الظروف، والمشجعون يتنقلون مع فريقهم المفضل مئات الكيلومترات، وفي كل مرة كان نبض الشارع يُسمع من المدرجات، رغم تراجع مستوى الأندية في ذلك الوقت كثيرا والذي انعكس سلبيا على مستوى المنتخب الوطني الذي غاب كثيرا عن المنافسات الدولية الكبرى.

صوت الجماهير ...بارومتر البلد
وأدرك السياسيون الجزائريون جيدا قوة الجماهير وتأثيرها، ومهما كانت درجة المسؤول في الدولة، وعندما يحضر أي مباراة، فهو مستعد لسماع ما لا يرضيه من الأهازيج الناقدة له وبل المتجاوزة للإطار في كثير من الأحيان، لكنه يبقى جالسا وكأنه لم يسمع شيئا، حتى لا يفقد توازنه ويدخل في صراع حقيقي مع الجمهور، وكثيرا ما يأخذ الانتقادات "المنطقية" و"البنّاءة"بعين الاعتبار، متجاوزا الامور الشخصية.
وتجاوزت "الفرجة" وفنون العرض الأهازيج ذات التعبيرات الاجتماعية والسياسية إلى تسميات الجماهير نفسها، حيث أصبح جمهور كل فريق يعرف باسم غريب، فجماهير مولودية الجزائر معرفة بـ"الشناوة" (الصينيون) نظرا لعددهم الكبير وإصرارهم وتأثيرهم في الميدان، وجماهير أهلي برج بوعريريج اسمهم "الجراد الأصفر" الذي لا يبقي ولا يذر، وجماهير اتحاد الحراش فتعرف باسم "الكواسر" (الطيور الكاسرة)، أما جماهير اتحاد العاصمة فهم "المسامعية" يؤكدون أنهم الأكثر مسالمة من غيرهم، وعوضا عن العنف يلجأون إلى إبداع الهتافات الجديدة في كل مرة.
والغريب في الأمر أن مشكلة الجماهير أخذت بعدها الإقليمي مع "المسامعية" أنفسهم، مع مباراة نادي القوة الجوية العراقي، وفي هذا الصدد يقول المدير الرياضي لاتحاد العاصمة، عبد الحكيم سرّار، أن العراقيين وقعوا في سوء فهم، ولم يستوعبوا "فلسفة" الجماهير الجزائريين، وقال إن "ما حدث لا يستحق كل تلك الضجة، لان الهتافات كان الهدف منها تحية الشعب العراقي عن طريق رئيسهم السابق".
وأضاف سرار " اتحاد العاصمة فريق ديمقراطي، فملعب الفريق يجاوره شمالا مسجدا وجنوبا كنيسة، وجماهيره تبدع في الهتافات والأهازيج وهذا الامر معروف ومألوف".
اما السياسي كريم طابو، المسؤول السابق في حزب جبهة القوى الاشتراكية أقدم حزب معارض في الجزائر، وزعيم حزب اتحاد الديمقراطي الاجتماعي قيد التاسيس، فيقول أن ما يجذبه في الملاعب الجزائرية هو ما تصدح به الجماهير لأنها هي البارومتر الحقيقي لحالة البلد سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا.
ويبلغ إبداع الجماهير الجزائرية مداه مع اللقاءات المحلية الكبرى (الداربيات)، ولعل أشهر "داربي" في الجزائر هو الذي يجمع اتحاد العاصمة بمولودية الجزائر،وفي العادة ومهما كان الفريق المستضيف فإن المباراة تلعب في ملعب 5 يوليو، وهو اكبر ملعب في الجزائر وتبدأ التحضيرات له قبل أسابيع من موعده بإعداد هتافات ولافتات مبتكرة، وفي الوقت الذي يتبارى فيه اللاعبون انطلاقا من المستطيل الأخضر، تنطلق قبل ساعات من ذلك مباراة أخرى انطلاقا من الشوارع ووصولا إلى مدرجات الملعب.

وفي العادة تتحوّل مباراة الداربي تلك إلى عرس حقيقي، يجعله حسب رأي كثير من المختصين من أقوى عشرة "داربيات"، ليس بمستوى اللاعبين، بل بمستوى الفرجة الجماهيرية، إلى درجة أن كثيرا من النقّاد الرياضيين وبعد كل مباراة بين المولودية والاتحاد يقولون إن الجمهور تفوّق على اللاعبين، وبعضهم يؤكد أن اولئك اللاعبين لا يستحقون جمهورا مثل هذا.
 

د ب ا
الثلاثاء 30 أكتوبر 2018