تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

سوريا أمام لحظة الحقيقة

06/04/2026 - عالية منصور

موت الأخلاق

06/04/2026 - سوسن الأبطح

كاسك يا وطن

06/04/2026 - ماهر سليمان العيسى

سوريا أولاً

06/04/2026 - فراس علاوي

لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟

06/04/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

عيوب متجددة للمعارضة السورية

02/04/2026 - حسام جزماتي

إدارة الصراع على الجغرافيا السورية

26/03/2026 - عدنان عبدالرزاق


إرث الخوف… التحدي الأعمق في مسار بناء الدولة




لم يكن الخوف في التجربة السورية مجرد شعور عابر، بل كان أسلوب حكم متكامل، اشتغلت عليه السلطة لسنوات طويلة حتى صار جزءاً من الحياة اليومية. لم تعتمد الأنظمة المستبدة على القمع المباشر فقط، بل على زرع الخوف داخل الإنسان نفسه، بحيث يراقب ذاته بنفسه ويضبط سلوكه دون حاجة دائمة للعقاب



بهذه الطريقة تسلل الخوف إلى تفاصيل الحياة كلها. صار الصمت طبعاً، والحذر أسلوب عيش، والتفكير قبل الكلام عادة آمنة. لم يعد الامتناع عن التعبير خياراً، بل ضرورة للبقاء في بيئة تعاقب الجرأة وتكافئ الصمت.
وعلى مدى سنوات لم يقتصر حضور السلطة على المجال العام، بل امتد إلى البيوت والعلاقات الخاصة. صار كل شيء محسوباً.. الكلمة.. الموقف.. حتى الأحلام لم تكن بعيدة عن هذا الإحساس بالمراقبة. ومع مرور الوقت لم يعد الخوف رد فعل، بل تحوّل إلى جزء من تكوين الإنسان نفسه.
وحين سقطت بنية الاستبداد اعتقد كثيرون أن الخوف سيسقط معها. لكن الواقع كان أعقد من ذلك. فالأجهزة قد تنهار، أما أثرها في النفوس فيبقى. الخوف لا يختفي فجأة لأنه متجذر في الوعي، ويستمر في التأثير على السلوك حتى بعد زوال أسبابه.
لهذا فإن التحدي الحقيقي بعد أي مرحلة استبداد لا يقتصر على إعادة بناء المؤسسات، بل يبدأ من الإنسان نفسه، من استعادة صوته وثقته وقدرته على المبادرة. مجتمع تعوّد الحذر يحتاج وقتاً ليطمئن، وأفراد اعتادوا الصمت يحتاجون وقتاً ليعبّروا.
في الحالة السورية تظهر آثار هذا الإرث بوضوح… تردد في المشاركة، خوف من إبداء الرأي، ضعف في المبادرات، وغياب الثقة بين الناس. هذه ليست صفات طارئة، بل نتيجة سنوات طويلة من القمع تركت أثرها في عمق المجتمع.
وأخطر ما خلّفه هذا الخوف ليس الصمت فقط، بل تآكل الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة لا تُبنى بالقوة، بل بالثقة. وعندما تغيب هذه الثقة تصبح أي محاولة للإصلاح ناقصة مهما بدت متكاملة على الورق.
إعادة بناء هذه الثقة لا تتحقق بالشعارات، بل بخطوات واضحة. أولها العدالة، حين يشعر الناس أن القانون يحميهم جميعاً دون استثناء. العدالة هنا ليست فكرة مجردة، بل شرط أساسي لأي استقرار حقيقي.
إلى جانب ذلك تلعب الشفافية دوراً أساسياً. حين تكون المعلومات متاحة، والمساءلة ممكنة، والمشاركة مفتوحة، يشعر المواطن أنه شريك لا مجرد متلقٍ. وهذا الإحساس بالشراكة هو بداية التحول الحقيقي في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ولا يمكن تجاهل دور التعليم والإعلام في هذه المرحلة. فالتعليم الذي يشجع التفكير الحر يصنع جيلاً لا يخاف الاختلاف، بل يتعامل معه كقيمة. والإعلام المسؤول يمكن أن يكون جسراً لإعادة بناء الثقة إذا ابتعد عن الخطاب الانفعالي وساهم في نشر ثقافة الحوار.
تجارب الشعوب تؤكد أن الخروج من الاستبداد لا يكون بنسيان الماضي، بل بفهمه. الاعتراف بالخوف هو الخطوة الأولى لتجاوزه، وليس دليلاً على الاستسلام له. كما أن بناء الثقة يحتاج إلى أفعال لا وعود.
في النهاية لا يمكن بناء دولة حقيقية دون إنسان حر. فالدولة التي تقوم على الخوف تبقى هشّة، أما التي تقوم على ثقة مواطنيها فهي الأقدر على الاستمرار. حين يشعر الإنسان بالأمان يصبح شريكاً في حماية بلده لا مجرد تابع لها.
الخوف الذي كان يوماً أداة للسيطرة، يمكن أن يتحول إلى دافع لبناء مستقبل مختلف. مجتمع عاش القمع يمتلك فرصة نادرة ليؤسس لمرحلة جديدة أكثر عدلاً وتماسكاً.
تجاوز هذا الإرث ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل يحتاج إلى وعي وصبر. لكن عندما يبدأ الناس بالخروج من دائرة الخوف، ويتحولون من الصمت إلى المشاركة، ومن الحذر إلى الفعل، عندها فقط يمكن القول إن الطريق نحو الدولة الحقيقية قد بدأ.
--------------
مؤسسة جولان الاعلامية 
كاتبة سورية دبلوم علوم سياسية

هناء محمد درويش
الثلاثاء 7 أبريل 2026