تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

أهم دلالات حرب البرهان – حميدتي

14/04/2026 - محمد المكي أحمد

سوريا أمام لحظة الحقيقة

06/04/2026 - عالية منصور

موت الأخلاق

06/04/2026 - سوسن الأبطح

كاسك يا وطن

06/04/2026 - ماهر سليمان العيسى

سوريا أولاً

06/04/2026 - فراس علاوي

لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟

06/04/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

عيوب متجددة للمعارضة السورية

02/04/2026 - حسام جزماتي


إدانة لافارج بتهمة تمويل الإرهاب: تقدم في مساءلة الشركات وفشل بإنصاف الضحايا




يُعدّ حكم محكمة باريس الجنائية الصادر في 13 من نيسان/ أبريل 2026 ضد شركة لافارج حدثاً تاريخياً من الناحية القانونية، إلا أنَّه، بالنسبة إلى أكثر من 190 موظفاً سورياً سابقاً شاركوا بصفتهم أطرافاً مدنية، يظل حكماً شكلياً لا يفضي إلى أي تعويض، فقد أُدينت لافارج وأربعة من كبار مسؤوليها التنفيذيين السابقين بتمويل الإرهاب، وتحديداً بدفع ما يقارب 5.5 مليون يورو لجماعات مسلحة، من بينها "تنظيم الدولة"، بين عامي 2013 و2014، بهدف الإبقاء على تشغيل مصنع الشركة للإسمنت شمالي سوريا.


 

وفرضت المحكمة على الشركة أقصى غرامة، كما قضت بأحكام سجن تراوحت بين ثلاث وست سنوات على المسؤولين التنفيذيين، وتمثل هذه الإدانة سابقة، فهي المرة الأولى التي تُدان فيها شركة فرنسية بتمويل منظمة إرهابية، وكذلك الأولى التي تنظر فيها المحاكم الفرنسية في تمويل للإرهاب بهذا الحجم والطابع المؤسسي. ومع ذلك، غادر الموظفون السوريون السابقون -الذين وصفت المحكمة شهاداتهم بأنَّها "قوية ودقيقة وكريمة وإنسانية" - من دون أي تعويض، إذ لم يوفّر لهم النظام القانوني الذي دان شركتهم أي سبيل للانتصاف.

ويأتي هذا الحكم ضمن منظومة قانونية آخذة في التبلور، وإن ظلت محل جدل. وإلى جانب قانون واجب اليقظة الفرنسي لعام 2017 وتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن العناية الواجبة في مجال استدامة الشركات، المعتمد عام 2024، يمثّل هذا الحكم تطوراً قانونياً متقارباً -وإن ظل غير مكتمل- نحو ترسيخ مبدأ مساءلة الشركات الأم عن سلوك شركاتها التابعة في مناطق النزاع. ومن المرجح أن يُستشهد بحكم لافارج بوصفه نقطة مرجعية في الملاحقات القضائية المستقبلية التي تطول شركات أم أوروبية موّلت شركاتها التابعة منظمات إرهابية مصنفة أو استفادت منها مادياً. ومع ذلك، ينبغي عند تقييم هذا الحكم مراعاة أنَّ الإدانة قابلة للاستئناف -وهو أمر شبه مؤكد بالنظر إلى المخاطر التجارية والسمعة- وأنَّ تقدير آثارها السابقة والردعية لا يمكن أن يتم بثقة إلا بعد استكمال إجراءات الاستئناف.

وتكمن الأهمية القانونية للإدانة أساساً في الكيفية التي عالجت بها المحكمة مسألة إسناد المسؤولية إلى الشركات، فقد رأت أنَّ القرارات المتخذة بصورة مشتركة في المقر الرئيسي لشركة لافارج في باريس وداخل فرعها السوري تشكّل الفعل القانوني الفعلي، مخترقة بذلك الفصل الهيكلي بين الشركة الأم والفرع، وهو الفصل الذي تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات عادة درعاً للوقاية من المسؤولية، ولم تكن المدفوعات نتيجة ارتجال محلي، بل كانت مصرّحاً بها على نحو منهجي، ومجازة مؤسسياً، وموجّهة عبر آليات تعتيم متعمدة صُممت لإخفاء الجهات المستفيدة منها، ويشكّك هذا الاستنتاج مباشرة في الفرضية القائلة إنَّ الشخصية القانونية المستقلة للفرع الأجنبي تنهي البحث في مسؤولية الشركة الأم.

وإلى جانب هذا الاستنتاج المتعلق بالمسؤولية المؤسسية، دانت المحكمة أربعة من كبار المديرين التنفيذيين على نحو فردي، بما يضمن عمل المساءلة الشخصية بالتوازي مع المسؤولية المؤسسية. وتحمل أحكام السجن الصادرة، والتي تراوحت بين ثلاث وست سنوات، بعداً ردعياً لا يمكن لغرامة تُفرض على الكيان القانوني وحده أن تضاهيه.

كما دانت المحكمة فراس طلاس واثنين من مديري الأمن المحليين بصفتهم وسطاء وميسّرين محليين، وتعاملت مع شبكة الدفع بوصفها نظاماً صُمم وأُجيز على مستوى المقر الرئيسي، لكنَّه نُفذ عبر سلسلة من الفاعلين المحليين، ويثير الحكم الصادر بحقهم سؤالاً لم يحسمه بالكامل، يتعلق بالتفاوت بين الأحكام الصادرة بحقهم وتلك الصادرة بحق المسؤولين التنفيذيين الذين أنشأوا هذا النظام، وبمدى جواز تحميل الفاعلين المحليين العاملين داخل هيكل مؤسسي لم يصمموه مسؤولية مماثلة لمسؤولية من أنشأوه، ويؤكد حجم التمويل نفسه الطابع المؤسسي للجريمة، فقيمة 5.5 مليون يورو على امتداد عامين تميّز هذه القضية عن قضايا تمويل الإرهاب السابقة في فرنسا، لا من حيث الكمية فحسب، بل من حيث الطبيعة أيضاً، إذ شكّلت المدفوعات برنامجاً مؤسسياً مداراً، ويُعد تطبيق المادة 421-2-2 من قانون العقوبات الفرنسي على سلوك مؤسسي بهذا العمق سابقة غير مسبوقة.

الخلل الذي كشف عنه حكم لافارج، والمتمثل في استبعاد الأفراد الأكثر تضرراً مباشرة من سبل الانتصاف بسبب التعريف القانوني للجريمة المنسوبة، هو تحديداً من نوع الفجوات التي تتطلب مناصرة قانونية منظمة لمعالجتها

 

ويُعدّ تعامل المحكمة مع الموظفين السابقين أبرز أوجه القصور في الحكم، فبموجب القانون الفرنسي، لا تتيح صفة الطرف المدني في الدعاوى الجنائية للمدعين الحصول على تعويضات إلا إذا كان الضرر الذي لحق بهم يندرج ضمن الفئة القانونية المعترف بها للجريمة المنسوبة إليهم، وقد رأت المحكمة أنَّ الأفراد لا يمكن اعتبارهم ضحايا لتمويل الإرهاب وفقاً للتعريف القانوني لهذه الجريمة، وهو ما أدى إلى قطع الصلة السببية بين مدفوعات لافارج لتنظيم الدولة وظروف العمل التي تكبدها هؤلاء الموظفون، من نقاط تفتيش تديرها الجماعات المسلحة، وعمليات خطف، ونيران قناصة، وتهديد دائم بالانتقام، وهي الوقائع التي وصفها الموظفون في شهادات أقرت المحكمة نفسها بمصداقيتها.

وتعكس هذه النتيجة خللاً، فالإجراءات الجنائية وآلية التعويض تسيران وفق مسارين قانونيين مختلفين، ولا يؤدي الحكم الذي يثبت ذنب المؤسسة تلقائياً إلى تعويض المتضررين مباشرة، ويتيح قانون واجب اليقظة الفرنسي، نظرياً، سبيلاً مدنياً للموظفين المتضررين من العمليات الخارجية للشركات الفرنسية متعددة الجنسيات، إلا أنَّه لم يُسجل حتى الآن أي تطبيق ناجح لهذا القانون في سياقات النزاعات خارج الحدود الإقليمية، كما ما يزال نطاقه في بيئات النزاع غير مختبر، وهكذا يغادر الموظفون السابقون هذه الإجراءات بلا تعويض وبلا سبيل محلي واضح للحصول عليه.

لا يزال الجانب الأهم في قضية لافارج دون حسم، فقد استمر التحقيق القضائي في تورط الشركة في جرائم ضد الإنسانية لما يقرب من ثماني سنوات من دون إحالة القضية إلى المحاكمة

 

وتضطلع منظمات المجتمع المدني بدور أساسي في سد هذه الفجوة، فقد بادرت منظمة شيربا والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان إلى تقديم الشكوى الأصلية عام 2016، وواصلتا جهود المناصرة والمتابعة القضائية على مدى عقد كامل، وقدمتا الدعم للموظفين في جميع مراحل التقاضي، ولا ينتهي دورهما بصدور الحكم، فإذا أخفقت الإجراءات الجنائية في تحقيق الإنصاف للضحايا، تستطيع منظمات المجتمع المدني متابعة دعاوى مدنية موازية، وتوثيق الضرر لاستخدامه في إجراءات بديلة، والضغط من أجل إصلاح تشريعي لإطار الدعاوى المدنية، فالخلل الذي كشف عنه حكم لافارج، والمتمثل في استبعاد الأفراد الأكثر تضرراً مباشرة من سبل الانتصاف بسبب التعريف القانوني للجريمة المنسوبة، هو تحديداً من نوع الفجوات التي تتطلب مناصرة قانونية منظمة لمعالجتها، سواء عبر التقاضي المدني المحلي أو عبر الضغط على السلطة التشريعية لإصلاح الأحكام القائمة.

وما يزال الجانب الأهم في قضية لافارج من دون حسم، فقد استمر التحقيق القضائي في تورط الشركة في جرائم ضد الإنسانية لما يقرب من ثماني سنوات من دون إحالة القضية إلى المحاكمة، ويعكس هذا التأخير مجموعة من العوامل، من بينها تعقيد الأدلة اللازمة لإثبات وجود صلة بين مدفوعات محددة من الشركة وجرائم محددة ارتكبها تنظيم الدولة ضد المدنيين السوريين، ومحدودية موارد القضاء التحقيقي في مواجهة متهم يملك موارد وفيرة، والحذر المؤسسي من توجيه اتهام من دون سابقة راسخة في القانون الفرنسي.

من الضروري أيضاً التمييز بين عناصر المعرفة في الجريمتين، إذ تطلبت تهمة تمويل الإرهاب إثبات علم لافارج بأنَّ الأموال ستُستخدم من قبل منظمة إرهابية، بينما يقتضي التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجود صلة بتسهيل سلوك إجرامي محدد

 

غير أنَّ إدانة تمويل الإرهاب تغيّر هذه المعادلة، إذ تثبت قضائياً أنَّ لافارج موّلت تنظيم الدولة عن علم خلال الفترة التي ارتُكبت فيها الجرائم ضد المدنيين السوريين والطائفة الإيزيدية، وهذا يشكل أساساً واقعياً وثيق الصلة، لكنَّه ما يزيل العقبة الفقهية المركزية، فقد اشترطت المحاكم الفرنسية تقليدياً وجود صلة تسهيل أكثر مباشرة من المعيار الوارد في نظام روما الأساسي بموجب المادة 25(3)(ج)، التي تكتفي بأن يكون المتهم قد قدم مساعدة وهو يعلم أنَّها ستسهم في ارتكاب الجريمة، من دون اشتراط أن يكون قد قصد النتيجة المحددة بالذات، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت المحاكم الفرنسية ستفسر مفهوم التواطؤ على نحو يقترب من هذا المعيار. ومن الضروري أيضاً التمييز بين عناصر المعرفة في الجريمتين، إذ تطلبت تهمة تمويل الإرهاب إثبات علم لافارج بأنَّ الأموال ستُستخدم من قبل منظمة إرهابية، بينما يقتضي التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجود صلة بتسهيل سلوك إجرامي محدد، فالمعياران متداخلان، لكنَّهما غير متطابقين، واعتبار حكم الإدانة في قضية تمويل الإرهاب حسماً نهائياً لمسألة العلم في تهمة الجرائم ضد الإنسانية من شأنه أن يضخم أثره الحقيقي.

وما يتيحه هذا الحكم، إلى جانب الإجراءات الفرنسية، هو مجموعة من النتائج الواقعية الموثقة قضائياً بشأن شبكة الدفع، والظروف التي واجهها الموظفون، وعملية صنع القرار المؤسسي التي أفضت إلى الأمرين معاً، وهي نتائج تملك وزناً إثباتياً أمام آليات المساءلة الأخرى. ويمكن للهيئات الدولية التي تحقق في سلوك الشركات في سوريا، وللولايات القضائية في الدول الثالثة التي تمارس الولاية القضائية العالمية، أن تستند إلى هذه النتائج من دون الحاجة إلى إعادة بحث الوقائع الأساسية، وتكتسب هذه الصلة بين الإجراءات الجنائية المحلية ومسارات المساءلة الدولية أهمية خاصة، لأنَّ التحقيق في الجرائم ضد الإنسانية قد يستغرق سنوات إضافية قبل أن يُحسم، إن وصل أصلًا إلى مرحلة المحاكمة.

لقد انقضت عشر سنوات بين تقديم الشكوى الأصلية وصدور حكم الإدانة بتمويل الإرهاب، وخلال هذه السنوات، شارك الموظفون السوريون السابقون الذين أطلقوا هذه الإجراءات، وأدلوا بشهاداتهم أمام المحاكم، وانتظروا عقداً كاملاً من التحقيق القضائي، ثم غادروا المحكمة من دون تعويض، وكل ما حصلوا عليه هو حكم قضائي يثبت أنَّ الشركة التي وظفتهم موّلت عن علم الجماعات المسلحة التي هددتهم، وهذا حكم بالغ الأهمية من الناحية القانونية، ولن يفقد قيمته، لكنَّه لا يحقق العدالة.
-------------
تلفزيون سوريا


فضل عبد الغني
الثلاثاء 14 أبريل 2026