وإذا استثنينا العلاقة مع إسرائيل، بطبيعتها الخاصة وتقلباتها الممتدة بين الصراع والمفاوضات، فإن العلاقات مع بقية الجوار العربي لم تكن أكثر استقراراً. فعلى الرغم من الروابط المشتركة العديدة بين سوريا والأردن، إلا أن هذه العلاقة لم تحافظ دائماً على وتيرة ثابتة. بل شهدت فترات توتر حاد، بلغت في بعض الأحيان حد الاشتباك على الحدود كما حدث خلال أحداث أيلول الأسود حيث وصل التوتر مستويات عالية، ووصلت إلى القطيعة، خاصة عقب اتهام نظام الأسد بالتورط في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الأردني آنذاك، مضر بدران.
كانت علاقة الملك حسين بصورة خاصة متقلبة مع نظام الأسد واستغل النظام هذا التوتر لتحصيل مكاسب مع أطراف أخرى عربية وإقليمية.
يشكل الأردن عمقاً للأمن القومي لسوريا وهناك غير الحدود المشتركة علاقات تاريخية واتفاقيات وتقاسم المياه، اضطربت علاقة الأردن مع نظام الأسد وتبدلت حسب حاجة الأردن لضبط التهديدات التي كان مصدرها الأراضي السورية.
فقد قاطع الأردن نظام الأسد مع بداية الثورة السورية توافقاً مع القرارات التي تبنتها الدول العربية عقب الاجتماع الذي عقد في مقر الجامعة العربية، وكان مقراً لغرفة عمليات الموم التي دعمت الجبهة الجنوبية للمعارضة السورية. كما استقبل الأردن على أراضيه آلاف اللاجئين السوريين ودعم قاعدة التنف على حدوده التابعة للقوات الأمريكية لوجستيا واستخباراتياً.
إلا أن طول أمد الثورة السورية واستخدام نظام الأسد الكبتاجون كأحد الأسلحة التي بدأت تهدد الأمن القومي والاجتماعي الأردني، غير من مواقف الحكومة الأردنية التي بدأت بالتقارب المشروط مع نظام الأسد.
تمثل هذا التقارب بالمبادرة الأردنية التي انطلقت من عمان وبدعم أردني خليجي وتقوم على إعادة نظام الأسد للمحيط العربي والجامعة العربية، مقابل الحصول على ضمانات بما يتعلق بتهريب الكبتاجون والأسلحة وتهديد دول الجوار، إلا أن تغير الظرف الدولي بعد أحداث السابع من تشرين الأول وعدم جدية النظام السوري، أفرغ المبادرة من مضمونها وجعلها أداة مماطلة بيده.
الأمر الذي تسبب بتحول في الموقف الأردني ازداد بعد سقوط نظام الأسد حيث دعم الأردن الحكومة السورية سياسياً وتمثل ذلك بعدة زيارات للمسؤولين الأردنيين والسوريين وعلى جميع المستويات توجت بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع للأردن في 26 شباط 2025.
هذا التقارب والدعم الأردني نتج عنه عدد من الاتفاقيات بما يتعلق بالحدود والتجارة والمياه، وعلى الرغم من أنه لايزال هناك مخاطر تهدد المجتمع الأردني بسبب شبكات التهريب عبر الحدود، إلا أن العلاقات الأردنية السورية والتي تمثل نموذجاً للعلاقات بين الدول التي تجمعها حدود ومصالح مشتركة بدأت تأخذ شكلاً ايجابياً مما يدعم الاستقرار في كلا البلدين، وبالتالي الوصول لشكل أمثل للعلاقة بينهما.
في المحصلة فإن تجربة العلاقات الأردنية السورية تكشف لنا أن استقرار سوريا لا يمكن فصله عن طبيعة علاقتها مع جوارها المباشر، حيث تفرض الجغرافيا والمصالح المشتركة مساراً لا يحتمل القطيعة الطويلة أو الصدام المفتوح.
وإذا كان التقارب السوري الأردني قد بدأ يستعيد زخمه مدفوعاً باعتبارات الأمن والاقتصاد، فإن استدامته تبقى مرهونة بقدرة دمشق على التعامل بجدية مع هواجس جيرانها ومخاوفهم خاصة الأمنية منها، وعلى رأسها ضبط الحدود ووقف التهديدات العابرة لها. وعليه، فإن أي مقاربة واقعية لاستقرار سوريا في المرحلة المقبلة لا بد أن تنطلق من إعادة بناء الثقة مع محيطها الإقليمي، بوصف ذلك مدخلاً أساسياً لاستقرار داخلي أكثر رسوخاً وثباتاً.
---------
صحيفة الثورة


الصفحات
سياسة








