نقابة المهن التمثيلية توقف محمد رمضان عن العمل بتهمة التطبيع

23/11/2020 - نقابة المهن التمثيلية - مواقع مصرية


إنهم يقتلون المغنين




تستثير واقعة مقتل مغنٍّ اغتيالا في إثيوبيا، قبل أيام، زوبعة من الأسئلة الحائرة، تصدر عن استهجان فعلٍ مقيتٍ كهذا، فأي نجاح هذا الذي يحرزه الفاعلون من جريمتهم هذه، ولم يكن لدى المغني، هاشولو هونديسا، وعمره 34 عاما، أمضى خمسةً منها في السجن، غير حنجرته، غير موسيقاه وألحانه؟ وأي خطرٍ يُحدثه إذن هذا الشاب، واستدعى من أولئك القتلة فعلتهم المرذولة؟


نقرأ عنه إنه كان يغني للحب والحرية، وقد صارت له جماهيريته الواسعة في بلده، لأنه كذلك، وإنْ يعبّر غالبا عن إثنيته، الأورومو، ومظلومية تتعرّض لها، مع أن رئيس الوزراء الحالي منها، آبي أحمد، (أول مرّة)، وهذا شأنٌ لا يدينه. ولما استجدّت بعد الجريمة اضطراباتٌ واسعة، واحتجاجاتٌ عريضة، وأعمال عنف، وقضى في أثنائها نحو 150 شخصا، فذلك يعني، من بين كثيرٍ يعنيه، أن قيمةً كبرى في البلد الأفريقي الناهض لغناء هونديسا، وأن تأثيرا معنويا، تعبويا وتحشيدبا، كانت تحققه موسيقاه وأغانيه، في سنوات قليلة، سيما بعد الإفراج عنه، وقد اعتقل لنشاطه السياسي في السابعة عشرة من عمره، وكان راعيا للغنم في صباه. والظاهر أن سيرته تنطوي على شحناتٍ دراميةٍ عالية، كيف لا وهو الذي قضى غيلةً، وربما لا ينكشف الجناة ولا يُعاقبون، على الرغم من تعهّد السلطات بذلك. 

تعهّدت السلطات الجزائرية بالكشف عن قتلة المغنّي معطوب الوناس الذي أزهق روحَه مجهولون، في بلدته في منطقة القبايل، في العام 1998، ثم لم يحدث هذا، بل ما زال التجاذب بشأن الجريمة على حاله، والإجابة عائمةٌ عمّن فعلها، هل هي الجماعة الإسلامية المسلحة التي تباهى أميرها، جمال زيتوني، في حينه، بأنها التي قتلت المغني الأمازيغي الشهير ، وكان عمره 42 عاما، أم هي المخابرات الجزائرية على ما يقول، أو يتقوّل، كثيرون، وهو الذي اشتُهر بمعارضته النظام، وبعلمانيّته التي كان يجهر بها في مواجهة الإسلامويين في بلده، فضلا عن نشاطه في إعلاء الهوية الأمازيغية، والتعبير عنها، شعورا عن إحساسٍ واسعٍ بمظلوميّتها هناك. ومن غرائب تلك الجريمة التي لم تتبيّن ألغازها بعد، والأرجح أنها لن تتبيّن، كما هو المتوقع في شأن مقتل هاشولو هونديسا، في إثيوبيا، الأسبوع الماضي، أن قاتليه استهدفوه بـ 78 رصاصة، على ما طيّرت وكالات الأنباء، ما يجعل الأسئلة الحائرة نفسَها أكثر وطأةً، وأشدّ حدّةً، عن الذي سلكَه معطوب الوناس، ليُلاحَق بكل هذا الحقد، فيما هو محض فنان، مغن، يشتغل في الموسيقى والألحان، وقد اتهم المتظاهرون في مسيراتهم الساخطة عقب الجريمة رجال الأمن بها. ولا يحسُن أن يتبنّى واحدُنا قناعةً كهذه، والأجدى أن يناصر إبقاء قضيته حيّة، وعدم التوقف أبدا عن المطالبة بالعدالة في شأنه، مهما تقادمت مسألتُه، وهو الذي ظل صوتا من أجل الديمقراطية في الجزائر.

ليست شبيهةً تماما بالحادثتين/ الإثيوبية أخيرا والجزائرية قبل 22 عاما، واقعة قتل المغنّي الشعبي اليمني، نادر الجرادي، في حفل زفافٍ في صنعاء، في أكتوبر/ تشرين الثاني 2015، لكن المتشابه فيها أن حقيقة الفاعلين مجهولة، أو حائرة، ففيما قضى الرجل في حفل زفاف، كان يغنّي فيه، في غضون مشاجرة طرأت، يقول من يقولون، وهم كثيرون، وربما محقون، إن الحوثيين مغتصبي السلطة هناك من قتلوه، لرفضه الغناء في تعظيمهم، ومديحهم، وأنه كان قد رفض تلحين مغناة اسمها "الصرخة الحوثية". ويقترب من المستحيل أن يحسم تقرير شفاف، ومهني، هذه المسؤولية عن الجريمة، في بلد مهترئ، لا سلطة فيه لغير المليشيات المتغلبة بقوة السلاح. وجرائم الفتك والقتل لا تتوقف في كل جغرافيا اليمن، وليس في مقدور أحد أن يحلم بالقصاص من قتلة نادر الجرادي، وكل المجرمين والقاتلين هناك، وهم يوالون دولا وعصابات وجماعات.

صدح السوري إبراهيم القاشوش، وكان رجل إطفاء، بأنشودة الحرية في مظاهرات أهل مدينته حماة، ضد النظام القاتل في بلده. خاف المجرمون الحاكمون من صوته، فاعتقلوه، وقتلوه، وانتزعوا حنجرته (33 عاما)، ورموه في النهر. وغنّى مواطنه لاعب كرة القدم، عبد الباسط الساروت (27 عاما)، أيضا، لحرية سورية وشعبها، ثم قتلوه أيضا.
---------
العربي الجديد


معن البياري
الثلاثاء 7 يوليوز 2020