على امتداد عقودٍ من الحكم الفردي في سوريا، لم يكن الخطر الأكبر هو السجون وحدها، ولا أجهزة الأمن وحدها، بل ذلك التحوّل البطيء الذي أصاب علاقة السوري بذاته وبالعالم من حوله. حين يعيش الإنسان زمناً طويلاً تحت عينٍ تراقب كلّ شيء، يبدأ تدريجياً بفقدان ثقته بصوته الداخلي. يتعلّم أن الصمت أأمن من الكلام، وأن الطاعة أذكى من الاعتراض، وأن النجاة الفردية أهم من الكرامة الجماعية. ومع مرور الوقت، لا يعود هذا السلوك مجرد تكتيك للبقاء، بل يتحوّل إلى طبيعةٍ ثانيةٍ متجذّرة في الوعي والسلوك.
الإنسان، في أصله، كائنٌ يُعرَّف بقدرته على الاختيار، على قول "نعم" أو "لا" انطلاقاً من ضميره وعقله. هذه القدرة ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي أساس إنسانيته. حين تُسلب منه هذه القدرة، أو تُفرغ من معناها، لا يعود أسيراً فحسب، بل يفقد شيئاً من جوهره الإنساني. يصبح ردّ فعله مشروطاً بما تمليه السلطة أو ما يتوقّعه منها، لا بما يمليه عليه وجدانه.
في سوريا، لم يكن الاستبداد نظاماً سياسياً فقط، بل منظومة كاملة لإعادة إنتاج الخوف والخضوع. التعليم ووسائل الإعلام والعمل وحتى العلاقات الاجتماعية أصبحت، بدرجات متفاوتة، مساحاتٍ تُكافئ الطاعة وتعاقب الاستقلال. هكذا نشأ جيلٌ تعلّم أن المبادرة قد تكون خطراً، وأن السؤال قد يكون تهمة، وأن الاختلاف قد يكون خطيئة. ومع تراكم السنوات، تآكلت الإرادة الفردية كما تتآكل الصخرة بفعل نقطة ماء، ببطءٍ يكاد لا يُرى، لكن بنتائج مذهلة.
غير أنّ أخطر ما في هذا التحوّل ليس ما حدث في الماضي، بل ما يمكن أن يتكرّر في الحاضر إذا لم نعِ له. فالسقوط في الاستبداد لا يكون دائماً عبر انقلابٍ عسكري، فأحياناً يبدأ بتنازلاتٍ صغيرة باسم الاستقرار، أو بالخضوع الطوعي تحت شعار الضرورة، أو بقبول القمع ما دام موجهاً إلى الآخر المختلف. هكذا تتسلّل ثقافة العبودية السياسية من جديد.
المرحلة التي تمرّ بها سوريا اليوم، بكل تعقيداتها وصراعاتها، تحمل من إمكانات التحرّر بقدر ما تحمل من مخاطر العودة إلى نماذج أشدّ قسوة. فإذا لم يُعاد الاعتبار لقيمة الإرادة الحرة، ولحقّ الفرد في التفكير والاختلاف والمساءلة، فإن تغيير الوجوه لن يعني بالضرورة تغيير الجوهر. يمكن أن تتبدّل السلطة، لكن أن تبقى الروح ذاتها التي ترى في الإنسان تابعاً لا شريكاً، ورقماً لا مواطناً.
التحذير هنا ليس خطابياً ولا أخلاقياً مجرداً، بل عمليٌّ وسياسيّ. فالمجتمع الذي يتعوّد على العيش بلا إرادة مستقلة يصبح أرضاً خصبة لأي سلطة تريد إعادة إنتاج الهيمنة. حين يعتاد الناس أن يُقادوا بدل أن يختاروا، وأن يُوجَّهوا بدل أن يشاركوا، فإنهم يفتحون الباب، من حيث يدرون أو لا يدرون، لعودة الاستبداد بحلّةٍ جديدة.
إن بناء سوريا مختلفة لا يتطلّب فقط دستوراً جديداً أو انتخابات، بل إعادة بناء الإنسان السوري نفسه، وذلك من خلال استعادة ثقته بقدرته على الفعل، وتشجيعه على التفكير النقدي، وتحريره من الخوف المزمن الذي زرعه النظام السابق. لا يكفي أن نُسقِط طاغيةً إذا بقينا نحن أسرى لأنماط الطاعة التي كرّسها.
الإرادة ليست نزوة فردية، بل أساس الأخلاق العامة. حين يمتلك المواطن إرادته، يصبح أكثر استعداداً للدفاع عن حقّه وحقّ غيره، وأكثر حساسية تجاه الظلم، وأقل قابلية للتلاعب. أما حين تُنتزع منه هذه الإرادة، فإنه قد يقبل القمع إن مُنح بعض الامتيازات، أو يصمت على الظلم إن ضَمِن الأمان الشخصي.
لذلك، فإن معركة سوريا اليوم هي أيضاً معركةٌ على معنى الحرية داخل النفوس. هل سنقبل أن نعود إلى حالةٍ يُعامَل فيها الإنسان كجسدٍ بلا رأي، أم سنصرّ على أن يكون فاعلاً لا مفعولاً به؟ هل سنسمح بتطبيع الخوف من جديد، أم سنحوّل التجربة المريرة إلى درسٍ دائمٍ ضد الاستبداد؟
التحذير الأشد هو أن الاستبداد لا يعود دائماً عبر بوابة القصر الرئاسي؛ قد يعود عبر الخطاب الذي يشيطن الاختلاف، أو عبر تبرير العنف باسم النظام، أو عبر تحويل "الأمن" إلى قيمةٍ تعلو على الكرامة. إذا لم نُحصّن المجتمع بثقافة الحرية والمسؤولية، فإننا قد نجد أنفسنا، بعد سنوات، أسرى شكلٍ آخر من العبودية السياسية.
سوريا التي خرجت من تحت ركام الاستبداد لا يمكن أن تُبنى على عقلية الخضوع نفسها التي أنتجته. إن لم نتعلّم أن الإنسان قيمةٌ بذاته، وأن إرادته حقٌّ غير قابل للمصادرة، فإننا نخاطر بإعادة إنتاج المأساة بصيغةٍ جديدة. والتحذير اليوم ليس من عودة الماضي حرفياً، بل من عودة روحه: روحٌ ترى
في البشر أدواتٍ تُحرّكها الرياح السياسية، لا كائناتٍ حرّة تستحق أن تختار مصيرها بأيديها
-------
المدن


الصفحات
سياسة








