وخلال الأيام الماضية، امتدت الاحتجاجات من إدلب إلى حلب ودمشق ومناطق أخرى، رافعة شعارات تدعو إلى محاسبة من يوصفون بـ”الشبيحة” و”فلول النظام السابق”، وإبعادهم عن بعض المناطق، في وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية السورية أن ملف المحاسبة يجب أن يبقى ضمن اختصاص المؤسسات القضائية والأمنية، بعيدًا عن الأحكام الجماعية أو العقوبات القائمة على الانتماء أو الاتهامات غير المثبتة.
ولم يقتصر الجدل على المستوى السياسي والقانوني، بل امتد إلى البعد الديني والمجتمعي أيضًا، إذ أعاد مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا نشر فتواه المتعلقة بحكم الثأر والانتقام، مؤكدًا أن المطالبة بالحقوق والقصاص حق مشروع للمظلوم، لكن استيفاء هذه الحقوق يجب أن يتم عبر القضاء والجهات المختصة حصرًا.
كما شدد المجلس على أن الثأر والانتقام خارج إطار القانون محرمان شرعًا لما يترتب عليهما من تهديد للسلم الأهلي ونشر للفوضى وإثارة للفتن داخل المجتمع، داعيًا إلى تسريع إجراءات التقاضي وتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا بما يمنع اللجوء إلى ردود الفعل الفردية.
وتكشف هذه التطورات عن واحدة من أكثر المعضلات تعقيدًا في المراحل الانتقالية التي تعقب النزاعات والحروب، فالمجتمعات الخارجة من عقود من القمع والانتهاكات تواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في الاستجابة لمطالب الضحايا وتحقيق العدالة من جهة، والحفاظ على السلم الأهلي ومنع الانزلاق نحو أشكال جديدة من الإقصاء أو الثأر الجماعي من جهة أخرى.
وتزداد حساسية هذا التحدي في الحالة السورية، حيث لا تزال جراح الحرب مفتوحة، فيما لم تكتمل بعد المؤسسات والآليات القانونية الناظمة لمسار العدالة الانتقالية.
وفي ظل تصاعد الجدل حول طبيعة هذه الاحتجاجات وحدودها القانونية، عاد ملف العدالة الانتقالية إلى واجهة النقاش العام بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة.
تعكس المطالب الشعبية بالمحاسبة رغبة واسعة في إنصاف الضحايا ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب، إلا أن هذه المطالب تتقاطع في الوقت نفسه مع تحديات تتعلق بكيفية تحقيق العدالة ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، بعيدًا عن منطق الانتقام أو العقاب الجماعي.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات وتنوع شعاراتها، برزت نقاشات حقوقية وقانونية حول حدود المحاسبة، وآليات تحديد المسؤوليات الفردية، ودور مؤسسات الدولة في إدارة هذا المسار بما يضمن إنصاف الضحايا والحفاظ على السلم الأهلي في آن واحد.

بين الحق بالمحاسبة وخطر العقاب الجماعي

يرى المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن النقاش الدائر اليوم حول محاسبة المتورطين في الانتهاكات يجب أن يميز بوضوح بين المطالب المشروعة بالعدالة وبين الممارسات التي تتحول إلى استهداف جماعات أو طوائف كاملة تحت هذا العنوان.
وقال الأحمد، إن من حق الضحايا وأسرهم المطالبة بالمحاسبة وكشف الحقيقة عبر الوسائل السلمية والقانونية، سواء من خلال التظاهر السلمي أو إصدار البيانات أو تنظيم الروابط والجمعيات الحقوقية، إلا أن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للاعتداء على الممتلكات أو إطلاق دعوات المقاطعة أو تحميل مجتمعات بأكملها مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد منها.
وأضاف أن العدالة تقوم أساسًا على المسؤولية الفردية لا الجماعية، مشيرًا إلى أن تعميم الاتهام على جماعة أو طائفة بأكملها يناقض جوهر العدالة التي يطالب بها الضحايا أنفسهم.
فالمحاسبة، بحسب الأحمد، يجب أن تستند إلى الأدلة والتحقيقات وتحديد المسؤوليات الفردية، لا إلى الانتماءات الاجتماعية أو المناطقية أو الطائفية، لأن تحويل العدالة إلى عقاب جماعي لا يؤدي إلا إلى إنتاج مظالم جديدة بدل معالجة المظالم القديمة.
 

تحويل العدالة إلى عقاب جماعي لا يؤدي إلا إلى إنتاج مظالم جديدة بدل معالجة المظالم القديمة.

بسام الأحمد

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”
 

خطاب الكراهية بوابة الانتهاكات الجديدة

حذر الأحمد من أن الخطابات الطائفية والتحريضية التي ترافق بعض التحركات الشعبية تشكل خطرًا لا يقل عن خطر الإفلات من العقاب نفسه، معتبرًا أن معظم الانتهاكات الكبرى التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية سبقتها حملات تحريض ونزع للإنسانية عن الخصوم وتصويرهم كأعداء جماعيين.
وأشار إلى أن التجربة السورية أظهرت مرارًا كيف يمكن للخطاب القائم على التخوين أو التعميم أو الشيطنة أن يمهد الطريق أمام أعمال العنف والانتهاكات الجسدية لاحقًا.
يرى الأحمد أن حماية السلم الأهلي لا تقتصر على منع الاعتداءات الميدانية، بل تشمل أيضًا مواجهة الخطابات التي تزرع الكراهية وتدفع نحو الاستقطاب والانقسام المجتمعي، خصوصًا في مرحلة حساسة تحاول فيها البلاد الخروج من إرث طويل من الصراع.
مظاهرة في بلدة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي تدعو إلى محاسبة فلول النظام السابق - 12 حزيران 2026 (صنع في كفرنبل/فيسبوك)

مظاهرة في بلدة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي تدعو إلى محاسبة فلول النظام السابق – 12 حزيران 2026 (صنع في كفرنبل/فيسبوك)

العدالة الانتقالية مسؤولية المؤسسات لا الشارع

العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق عبر الشارع أو من خلال مبادرات فردية، بل تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وقادرة على إدارة ملفات الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، بحسب الأحمد.
ويمكن للضحايا والمجتمع المدني أن يلعبوا دورًا مهمًا في الضغط والمناصرة والمطالبة بالحقوق، لكن تنفيذ العدالة نفسها يجب أن يبقى من اختصاص القضاء والهيئات المختصة.
وأكد الأحمد أن أي محاولة لأخذ العدالة باليد أو فرض العقوبات خارج الأطر القانونية تنسف الأساس الذي تقوم عليه العدالة الانتقالية، وتعيد إنتاج منطق القوة بدل منطق القانون.
 
حصول شخص أو جماعة على صفة “الضحية” لا يمنحها حق ارتكاب انتهاكات بحق الآخرين، لأن الضحية التي تمارس التعذيب أو القتل أو التحريض تتحول بدورها إلى طرف منتهك يجب أن يخضع للمحاسبة.

بسام الأحمد

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”
 

القضاء المستقل ضمانة العدالة

من جانبه، يرى مدير مبادرة “تعافي” والخبير في العدالة الانتقالية أحمد حلمي، في حديث إلى عنب بلدي، أن جوهر العدالة يبدأ من وجود سلطة قضائية مستقلة وقادرة على تحديد المسؤوليات والعقوبات وفق حجم الجريمة وطبيعتها، محذرًا من أن استبدال منطق الانتقام الجماعي بالقضاء يقود إلى الفوضى، ويعيد إنتاج ممارسات الأنظمة الاستبدادية التي عانى منها السوريون لعقود.
وأشار حلمي إلى أن أحد أبرز أخطاء نظام الأسد تمثّل في اعتماده سياسة العقاب الجماعي بحق المدن والمجتمعات المحلية، حيث كانت مناطق كاملة تتعرض للقصف أو الحصار أو التدمير بسبب أفعال مجموعات أو أفراد محددين.
ولذلك، فإن إعادة إنتاج هذا المنطق اليوم تحت أي عنوان آخر يعني، بحسب حلمي، تكرار التجربة ذاتها بدل تجاوزها، مؤكدًا أن العدالة الحقيقية تقوم على مساءلة كل شخص وفق أفعاله الفردية لا وفق انتمائه أو بيئته الاجتماعية.
 

العدالة الحقيقية تقوم على مساءلة كل شخص وفق أفعاله الفردية لا وفق انتمائه أو بيئته الاجتماعية.

أحمد حلمي

مدير مبادرة ” تعافي” – خبير ممارس في العدالة الانتقالية
 

المسؤولية الفردية أساس المحاسبة

شدد حلمي على أن تحميل القرى أو المدن أو الطوائف مسؤولية أفعال أفراد منها يتناقض مع أبسط مبادئ القانون، موضحًا أن العدالة تقتضي التمييز بين المتورطين وغير المتورطين، وبين من ارتكب جرائم جسيمة ومن لم يثبت بحقه أي انتهاك.
ويرى أن الدعوات التي تتحدث عن معاقبة مجتمعات بأكملها أو حرمانها من حقوقها بسبب وجود متورطين بينها، تؤدي عمليًا إلى ظلم الأبرياء وإلى توسيع دائرة الضحايا بدل تضييقها.
كما حذر من أن الخطابات القائمة على التعميم والتخوين الجماعي لا تؤدي فقط إلى ظلم فئات واسعة من الناس، بل تدفع أيضًا نحو مزيد من الانغلاق والاستقطاب، وتغلق أبواب الاندماج والمصالحة أمام شرائح كاملة من المجتمع، ما يجعلها عاملًا إضافيًا في تعقيد عملية التعافي الوطني.

العدالة طريق الاستقرار لا الانتقام

يعتبر حلمي أن العدالة لا تقتصر على معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تشكل أيضًا ركيزة أساسية لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية حقوق مواطنيها مستقبلًا.
ومن هذا المنطلق، يرى أن قتل المتهمين أو معاقبتهم خارج إطار القضاء لا يمنح الضحايا العدالة التي يبحثون عنها، بل يحرمهم من حقهم في رؤية الحقيقة تُكشَف والمسؤولين يُحاسَبون ضمن محاكمات عادلة وعلنية.
وقال إن المسؤولية الأساسية تقع اليوم على عاتق مؤسسات الدولة، ولا سيما وزارة العدل ووزارة الداخلية وهيئة العدالة الانتقالية، التي يفترض أن تقدم رؤية واضحة وآليات شفافة للمحاسبة.
فكلما ازدادت ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على استعادة الحقوق وملاحقة المسؤولين عن الجرائم، تراجعت الدعوات إلى أخذ الحقوق باليد، وتعززت فرص حماية المجتمع من الانزلاق إلى دوائر جديدة من العنف والثأر.