.
وبمناسبة مرور 66 عاماً على تأسيس التلفزيون في سوريا، قامت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بإنتاج فيلم وثائقي بعنوان: “سوريا والتلفزيون: سحر البدايات ومرارة الصراعات” كتب له السيناريو وأخرجه الكاتب والمخرج محمد منصور وعرض في ذكرى انطلاق التلفزيون، 23 تموز الجاري.
ساعة من الوقت، أعاد فيها محمد منصور من خلال السيناريو والإخراج والمادة الفيلمية إلى أذهان المشاهدين المراحل المفصلية التي مرّ بها التلفزيون السوري خلال ثلثي قرن من الزمان.
قدم الفيلم شكلاً راقياً من أشكال التعبير الفني، حيث مزج بين دقة التوثيق وجماليات السرد الموضوعي، وقوة التحليل النقدي، وأضاء على أعمال ذهبية قدّمها التلفزيون السوري، ناظراً بعيني الناقد إلى أعمال أخرى حملت طابع التكرار أو الملل أو التضليل أو التلميع لجهات وأفراد، فلم تحترم عقلية المشاهد أو التطور الإعلامي الكبير الذي لم تتمكن من مواكبته لأسباب بشرية وتقنية وسياسية.
وكمرآة لجهد ودقة استثنائية في البحث والتوثيق في مسيرة التلفزيون السوري الذي انطلق عام 1960 مع قامات إعلامية وثقافية، قدّم الفيلم بانوراما جميلة للمراحل المفصلية التي شكّلت هذا الكيان، من التوجهات إلى البرامج والدراما التلفزيونية التي تطورت مع الزمن، رغم المعوقات التي حدّت من حريات الإبداع الإعلامي نتيجة تدخل جهات مختلفة باتت صاحبة القرار في خطط هذا الجهاز، بغضّ النظر عما إذا كانت مخرجاتها تُرضي المشاهد أو تقدّم له الفائدة والمتعة.
واستضاف الفيلم رواداً عاصروا البدايات، ومبدعين عاشوا المراحل التي تحولت في فترة ما إلى شكل من أشكال عبور حقل للألغام سيّجته سلطة الرقيب التي كان تجاوزها من ضروب المستحيل.
وأكّد العرض أن التلفزيون السوري كان ابناً للإذاعة السورية، وأن من أسسوه جاؤوا من الإذاعة مشبعين بالروح الوطنية السورية، وعملوا وبنوا كي تستمر حياة هذا المولود وإن تغيّرت الشخصيات القائمة على رعايته، معتبرين أن الانجاز الأهم هو الارتقاء بهذا المشروع الوطني لا تقاسمه كغنيمة.
شريط ذكريات جميل، استحضر أعمالاً درامية وبرامج علمية وثقافية وفنية وبرامج منوعات ونشرات أخبار، كنا ننتظر بعضها بفارغ الصبر نتيجة جهد معديها ومقدميها الذين كانوا بالنسبة لنا أيقونات خالدة، ونطفئ التلفاز بمجرد ظهور شارات بعضها الآخر لما كانت تقدمه من محتوى ممل يعكس ذهنيات وتوجهات القيمين على كل شيء في مرحلة اندثرت إلى غير رجعة.
من “نادي الأطفال” إلى “حارة القصر” و”انتقام الزباء” و”حمام الهنا” و”موت الياسمين” و”السالب والموجب” و”مجلة التلفزيون” و”نجوم وأضواء” و”طرائف من العالم” و”التلفزيون والناس” و”إذا غنّى القمر”، أعادت المادة الأرشيفية التي اختارها محمد منصور بعناية الطفولة إلى أعماق قلبي، فها هو من خلال فيلمه يستحضر فيّ أياماً خلت، كنت فيها طفلة تترقب توالي الصور والأحداث والأغنيات على الشاشة التي اكتفت بالأبيض والأسود لفترة ثم عجّت بالألوان.
حاول الفيلم تقييم واقع التلفزيون السوري اليوم بعد التحرير، مضيئاً على الجهود الكبيرة التي تُبذل لاستعادة ثقة الإنسان السوري بما يُعرض على شاشته الوطنية، ليكون جسراً للتواصل بين الثقافات المختلفة، يمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، ويضع تحت مجهره الإعلامي القضايا المنسية أو المسكوت عنها، بعيداً عن اللغة الدعائية أو التفاخر المجاني الذي يمكن أن يفقد الفيلم قيمته النقدية ونزاهته التوثيقية.
امتاز “سوريا والتلفزيون” بالأصالة والصدق، فقدّم مادة حقيقية من دون تزييف أو تجميل مفرط يخلّ بجوهر الواقع، وحقّق التوازن بين الموضوعية والوجهة الفنية ضمن رؤية إخراجية واضحة ومؤثرة.
أجزم أن هذا الفيلم سيترك أثراً يتجاوز وقت عرضه، فهو يحفز المشاهد على التفكير النقدي، واستطاع خلق حالة من التعاطف المعرفي التي تُشعر المُتابع بأن القضية التي يراها ليست غريبة عنه، وجزء من النسيج الإنساني لمجتمعه.
تمتع الفيلم بجودة فنية وتوثيقية، وبرزت جماليات الإضاءة والتصوير على نحو يضاهي ما نراه في محطات أخرى متقدمة، فهو يُخلد لحظات فارقة في تاريخ الإعلام السوري بوعي وجمالية ورشاقة في المونتاج، ويمكن اعتباره مرجعاً بصرياً للأجيال القادمة، لا سيما في ظل التدمير والإهمال بحق أرشيف هذه المؤسسة العريقة خلال العقود المنصرمة، وهذا ما أشار إليه الضيوف بشكل واضح وصريح.
استطاع الوثائقي “سوريا والتلفزيون: سحر البدايات ومرارة الصراعات” رسم مسار زمني للأحداث، واختار بدقة زوايا الطرح ونقاط التحول، محققاً المعادلة التي أفضت إلى رغبة المشاهد في المتابعة حتى الثانية الأخيرة من هذا العرض الذي احترم وجدانه وعقله على حدٍّ سواء، وإذا كان الأول من نوعه الذي تقدمه الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بمثل هذه الجودة وتكامل العناصر، فإننا نأمل ألا يكون الأخير.


الصفحات
سياسة








